ثقافةمقالات رئيس التحرير

طفل يشتهيه الرحيل – محمد موعد: الذات الشاعرة في مرايا الوجود

بقلم: جواد العقاد-رئيس التحرير

في زمنٍ يعجُّ بالضجيج اللغوي وازدحام الصور الشعرية الخالية من التجربة، يطلّ علينا الشاعر الفلسطيني محمد أحمد موعد، ابن مدينة الناصرة، بمجموعة شعرية جديدة بعنوان “طفل يشتهيه الرحيل”، صادرة عن دار الأهلية في عمّان. تحمل هذه المجموعة تجربة شعرية ناضجة، تتجاوز حدود البوح والغنائية إلى فضاءات أعمق، تلامس الوجود الإنساني والقلق الداخلي والاغتراب الروحي. وقد كان لي شرف الاطلاع على المسودة الأولى لهذه المجموعة، ومناقشتها مع الشاعر، ذلك الصديق الذي لم ألتقه جسداً، لكنه يحضر دائماً في وجداني عبر نصه وروحه.

محمد موعد، الشاعر الهادئ في حضوره، الصاخب في أعماقه، لا يكتب ليغوي القارئ بترف اللغة أو بهرجة الصورة، بقدر ما يضع الكلمة كما يُوضع الحجر في قوس قيد الاكتمال. في شعره، لا نجد فقط بوح المشاعر أو غنائية الحنين، بل تجربة إنسانية مكتملة العناصر، مشبَّعة بالحكمة، مبلّلة بالحياة. الشاعر هنا لا يقف على حافة الحلم إنما يغوص إلى عمق الذات حتى النزف. يقول:

“جالسٌ في أيقونةِ الجسد أبحثُ عن خشبةٍ ينزُّ منها النشيدُ الكلأ المنسي على شهقاتِ الجدران أيقظُ معادنَ الحسِ فاشتدَّ الصَّهدُ…”

شِعر مثل هذا يلتهم بعين الروح، حيثُ الجسد يتحوّل إلى أيقونة، والنشيد لا يُنشد بل يُستخرج من موضع الألم، من الخشبة لا باعتبارها مقاماً رمزياً للفداء. فالشعر عند موعد هو امتحان دائم للحواس، للصبر، للفقد، وللفيض الوجودي الذي لا يسكنه إلا من اختبر الضيق والاغتراب والقلق الداخلي.

يكتب محمد موعد بلغة متقشّفة في الظاهر، لكنها تتضمن بعداً فلسفياً وإنسانياً عميقاً، حيث تسكن المفردات في أماكنها بقدر محسوب، وتتواطأ مع الإيقاع كي لا تطغى العاطفة على الفكرة، ولا تجف الفكرة في غياب النبض الشعري. هذا التوازن بين حرارة الشعور ونضج التجربة، هو ما يجعل من نصوص موعد نصوصاً وجودية بامتياز، تركن إلى المجاز بوصفه وسيلة للقبض على المعنى المتفلّت من أسر الواقع.

“أتحسسُ حُبنا كما يتحسس الجنديُّ في ساحةِ المعركة أعضاءه وكلما طفت بنا الأيامُ على وجهِ الزمان صقلنا نارَ البقاءِ بمعدنِ التجربة…”

هنا تشتغل الاستعارة بطريقة حادة، حاسمة. ليس الحب رومانسية خفيفة بل معركة وجودية، يمتحن فيها الإنسان ذاته في كل خطوة. تجربة الحب عند موعد ليست لحظة هروب من العالم، بل مواجهة، واختبار أخلاقي وروحي.

الشاعر في هذه المجموعة لا يتردد في انتزاع مفردات صلبة، غير شائعة شعرياً، وإعادة صهرها داخل المعمار الشعري حتى تبدو كما لو كانت خُلقت للقصيدة. هو لا يخشى الصدمة، بل يتعمّدها أحياناً.. يستخدم “كرش المجتمع”، “ذكورة البؤس”، “أكلت الميتة” و”ألوك الثقافة ثم أبصقها”، عبارات تستفز ذائقة القارئ لكنّها تحمل مضموناً نقدياً وجودياً عميقاً، يعكس تمرّد الشاعر على السياقات الجاهزة والأعراف المتكلسة.

يقول: “تحت النقابِ ترضين ذكورةَ البؤسِ ليعمَّ الرضى في معتركِ المجتمعِ وهو يلوكُ لحمَكِ الطاهرِ ليصونَ عرضَ كرشِه…”

إنه ينقضُّ على بُنى اجتماعية وثقافية بالية، يعرِّي تناقضاتها دون أن يقع في خطاب مباشر أو شعاراتي، فالقصيدة تُمارس فعل المقاومة الجمالي والإنساني من موقعها، لا من موقع الإملاء.

ما يميز هذه المجموعة أيضاً، هو امتدادها الزمني؛ فقد كتبت على سنوات، لكن المتأمل فيها لا يشعر بتفاوت في النضج أو اللغة، لأن الشاعر يكتب ضمن مشروع شعري متماسك، موضوعاته الإنسانية والوجودية تشكل خطاً تصاعدياً متَّسِقاً، لا يخونه الزمن بل يضاعف من ثقله النوعي.

في كل نص من نصوص محمد موعد، ثمة رائحة عميقة للذات الفلسطينية، لا بوصفها هوية فقط، بل كوجود مقاوم، كقلق ميتافيزيقي، كذاكرة تخترق اللحظة الشعرية دون أن تحاصرها. هو شاعر لم يُغوِه المنبر ولا الجموع، انحيازاً للقصيدة بوصفها اختباراً روحياً وفكرياً دائماً.

“طفل يشتهيه الرحيل” شهادة شعرية عن شاعر يمتلك صوته، لغته، وحزنه. ويكتب كمن يزرع سكيناً في خاصرة المعنى، ويعود ليقول: الشعر ضرورة الوجود.

زر الذهاب إلى الأعلى