مكة… دار تسكنني: من لجوء الحرب إلى طمأنينة الحرم

بقلم: فاطمة عثمان محمد مصطفى-كاتبة سودانية
جئتُ مكة لاجئة، أهرب من نيران الحرب المستعرة في وطني السودان.
تركتُ خلفي الخوف، والدمار، وأصوات الرصاص، أحمل في قلبي شوقًا إلى السلام وأملًا في الأمان.
خطوتي إلى مكة كانت نجاة، دعاء استُجيب ويد رحيمة امتدّت لتحتضن قلبي المنهك.
مكة… أرض الله الحرام، حين وطأتها قدماي شعرت بالرهبة، وأنا أقف في حضرة شيء أعظم من كل ما عرفت.
الآن أنا في أرض سار فيها سيدنا إبراهيم، وولد فيها إسماعيل، وصدح فيها نور الرسالة بمحمد ﷺ.
حين وقفتُ أمام الكعبة الشريفة، انهمرت دموعي بلا إرادة، وشيء ما في داخلي تهشّم ثم تعافى في لحظة واحدة.
طفتُ سبعًا، فشعرت أنني أرتقي، وكأن كل شوط يأخذني إلى سماء.
أرفع يدي بالتلبية بلساني وقلبي وأشعر بعظمة الدعاء حين يكون في هذا المقام.
سعي امرأة عظيمة
سعيتُ بين الصفا والمروة وتذكّرت أنني أسير على خطى امرأة عظيمة: هاجر.
التي لم تكن تسعى عبثًا بل كانت تسعى بيقين.
عرفتُ كيف أن السعي إيمان بالرزق، وصبر على البلاء، وثقة بأن الله لا يخذل من طرق بابه.
هاجر لم تجد الماء… لكنها وجدت زمزم وجدت ما فاق طلبها، فكان لها، ثم لابنها، ثم لأمة كاملة.
رأيت الجبلين الصفا والمروة فتأملت: أعلو وأهبط، أماكن تسبّح الله لا تتوقف عن الذكر، كما لا يتوقف القلب المؤمن عن الرجاء.
وها هي الآن زمزم لا تزال تجري تسقي المسلمين منذ آلاف السنين شاهدة على أن العطاء لا ينقطع، وأن ما نتركه لله لا يضيع.
خرجتُ من باب المروة بعد أن أكملتُ سعيي وقلبي لا يزال معلّقًا بين جبلين… بين صعود وأمل، وهبوط وخشوع.
حيث وُلد النور
ما إن خطوتُ بضع خطوات حتى وقع بصري على مبنى صغير من طابقين، أصفر اللون هادئ الشكل، لكنه يحمل في داخله أعظم حدث في تاريخ الإنسانية.
هنا وُلد سيدنا ونبينا محمد ﷺ، خير من وطئت قدماه الأرض.
تذكّرت يتيم مكة الذي كبر بين قسوة الفقد وحنان العناية الإلهية.
لم يكن قصرًا مهيبًا بل بيتًا بسيطًا خرج منه من غيّر وجه الأرض.
تطلّ من هناك جبال مكة فترى في صلابتها صمود بني هاشم حين حاصرتهم قريش في الشعب ثلاث سنين… لا طعام ولا تجارة فقط انتظار لنصر الله.
تذكّرت أهل السودان: الحصار، الجوع، الفقد، الصبر، واليقين بالله.
و بكيت… نعم حين تذكّرت الصحابي مصعب بن عمير الشاب النديّ الذي ترك نعيم مكة ليحمل نور الدعوة، واستُشهد وهو لا يملك إلا قطعة قماش لا تكفي لتغطية جسده.
بين قبور السكينة
زرت مقبرة المعلاة تلك البقعة المقدّسة التي ضمّت بين جنباتها قلوبًا عظيمة.
هناك ترقد أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد أول من آمن، وأحنّ من ساند.
وعلى مقربة يرقد أبو طالب، العم الحاني والسند الحصين وابن النبي إبراهيم وفلذة كبده.
وفي الجهة الأخرى ترقد أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين وتضم المقبرة أبناء الزبير بن العوام أحفاد الشجاعة والإيمان.
لم يهدأ قلبي حتى وصلتُ إلى جبل النور، ذاك الجبل الذي يشعّ نورًا من اسمه والذي تحتضن قمته غار حراء… الموضع الذي غيّر مجرى التاريخ.
هناك حيث اختلى محمد ﷺ بنفسه، يتأمل، يتعبّد، بعيدًا عن ضجيج مكة وضلال أهلها.
في ذلك الغار نزل الوحي أول مرة، وهناك بدأت الرسالة.
ومن جبل النور اتجهت إلى جبل ثور، حيث يقع غار الهجرة، ذلك الملاذ الذي آوى فيه النبي وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه، وفي داخله قال الله: {لا تحزن إن الله معنا}.
تتأمل المكان فترى أن الصخر نفسه يحمل أثر النبوة.
مدينة لا تسألك من أين أتيت
أحرمتُ من مسجد السيدة عائشة، كما أحرمت أم المؤمنين، وهناك شعرتُ بعظمة السنة وسكينة الطاعة.
مررتُ بمسجد صغير بين جبلين، قيل إنه موضع صُلب فيه حبيب بن عدي، وتأملت في ثمن الدعوة وعظمة الثبات.
في كل زقاق من أزقتها رائحة التاريخ وفي كل ركن منها دعاء آلاف السنين.
شعرتُ أني صغيرة… مخلوق ضعيف… لا شيء، ومع ذلك كنت كل شيء، لأن الله في رحمته سخر لي هذا المكان وكتب لي أن أكون بين جدران بيته الحرام.
ومع كل هذه المعالم مع كل هذه الرحلة الروحية، نسيتُ الحرب نسيتُ كل صوتٍ مخيف وكل خبرٍ مؤلم وكل نداء فزع.
شعرتُ أن الله أراد لي شيئًا آخر… شيئًا أعظم.
أراد لي الطمأنينة. أراد لي أن أُشفى أن أقترب منه.
أحمدك اللهم كثيرًا… على السلام بعد الخوف على النور بعد الظلمة على مكة التي كانت لي وطنًا حين سقط وطني في رماد الحرب.
حين وجدت مدينة تشبهني
عندما خرجتُ من الخرطوم لا أحمل سوى حقيبة ثقيلة وقلبي مشطورًا بين الحنين والخوف كنتُ في طريقي إلى مكة، أردد دعاءً واحدًا(اللهم دارا تسكنني قبل ان اسكنها)
وما إن وطئت قدماي أرض مكة حتى شعرت أنني لم أغادر وطني بل كأنني وصلت إلى جزء من روحي كان ينتظرني.
هنا، لا يُقال لكِ: من أين أنتِ؟ بل انتي في دارك بين اهلك
فجأة زالت تلك الفواصل النفسية التي تضعها الغربة بينك وبين العالم.
أصبحتُ واحدة منهم… بلا سؤال بلا تصريح.
كأن مكة تعرف القلوب المكسورة… فتضمّها دون شروط.
هؤلاء هم أهل مكة… فيهم نخوة العرب وسماحة الإسلام تجد في كلامهم مزيجًا نادرًا من الكرم القبلي واللطف النبوي.لا يطيلون الكلام لكنهم يُطيبونه.
عبارات ودعوات لطيفه تمسّ أعماقك:
الله يحفظك ويبارك فيك. الله يسهل امرك السودان في القلب… ربنا يطفئ ناره.
حين أسمعهم يدعون لبلدي أشعر أن السماء أقرب وأن الحرب هناك… تخفّ وطأتها في داخلي.دعاؤهم مشاركة وكأنك لم تعُد وحدك في المعاناة.
في مكة الوحدة لا مكان لها والغربة لا اسم لها.
رأيت رجلًا يوزّع الماء البارد في يوم قائظ، وآخر يُنادي بحب: هذي ضيافة أهل الحرم… وسقيا الماء كله لوجه الله.
في مكة الكرم لا يحتاج مناسبة… بل هو جزء من نبض الحياة.
وفي كل مساء وأنا أجلس على سجادتي في الحرم أدركت أن مكة لا تستضيفني فقط بل ترمّمني
أشبه بحضنًا كبيرًا… لا يطرح أسئلة و لا يطلب مبررً كي يحتويك.
في مكة… أنا أنا… دون إثبات هوية.
وفي مكةً عرفت أن المدن ليست فقط أماكن… بل أرواحًا تعانق أرواحًا.
وحين تجد مدينة روحها تشبهك… تكون قد وصلت.

