«ماء الكلام» توثيقًا ثقافيًّا… حين تتحوّل اللغة إلى ذاكرة

كتبت: سلوى الطريفي-فلسطين
يبدو كتاب ماء الكلام: رحلة ثقافية للكاتب وليد حسين الخطيب أكثر من مجرّد عمل لغوي أو معجمي؛ إنّه محاولة واعية لإعادة وصل الإنسان العربي بلغته بوصفها ذاكرةً وهويةً ووسيلةً لفهم العالم. فالكتاب، الصادر عن دار الانتشار العربي في 152 صفحة، لا يكتفي بتتبع الكلمات ومعانيها، بل يحوّل اللغة إلى سجلّ حيّ يوثّق التحوّلات الثقافية والفكرية التي رافقت الإنسان العربي عبر الأزمنة.
منذ العنوان، يضع الكاتب القارئ أمام دلالة عميقة للماء بوصفه أصل الحياة، مستلهمًا قوله تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون﴾، ليصبح “ماء الكلام” استعارةً عن اللغة نفسها؛ تلك التي تمنح الفكر حياته، وتحفظ للمعنى استمراريته. ومن هنا تنطلق الرحلة الثقافية التي يقترحها الكتاب، رحلةٌ لا تقود إلى المعرفة فحسب، بل إلى التحرر من الجهل أيضًا، إذ يصوّر الخطيب الجهل بوصفه نوعًا من الاحتلال الخفي الذي يحاصر العقل ويمنعه من التفكير الحر، فيما تصبح القراءة والثقافة الطريق الوحيدة إلى استعادة الحرية الداخلية.
وفي هذا السياق، يبرز الكتاب – الذي قدّم له الأديب الفرنكوفوني عيسى مخلوف – بوصفه مشروعًا توثيقيًّا بقدر ما هو مشروع معرفي ونقدي. فهو لا يحفظ الكلمات باعتبارها مفردات جامدة، بل يحفظ البيئات التي وُلدت فيها، والسياقات التي استخدمت ضمنها، والتحولات التي أصابتها عبر الزمن. إنّه يوثّق الذاكرة الكامنة داخل اللغة نفسها؛ تلك الذاكرة التي لا تسجل الأحداث بقدر ما تحفظ المعاني التي رافقتها. فكل كلمة، كما يبدو في الكتاب، تحمل تاريخًا خفيًّا من الاستعمال والتبدّل والتكيّف مع التحولات الثقافية والاجتماعية.
ومن هنا تأتي أهمية الاشتقاق الذي يتوقف عنده الخطيب طويلًا، لا بوصفه تقنية لغوية فحسب، بل بوصفه أداة للكشف عن التاريخ غير المكتوب للكلمات. فاللغة، في هذا العمل، ليست كيانًا ثابتًا، بل كائنًا حيًّا يتشكّل باستمرار. لذلك، يعيد الكتاب مساءلة الكلمات: كيف تغيّرت؟ لماذا تبدّلت دلالاتها؟ وما الذي خسرته أو اكتسبته مع مرور الزمن؟
وقد انعكس هذا المنهج بوضوح في الأمثلة التي تناولها الكتاب وليد الخطيب، مثل تتبعه لجذر كلمة “النفق” وارتباطها بـ “النفاق” من خلال الجذر “ن ف ق”، أو في قراءته لكلمة “كفر” وما تحمله من معاني الستر والتغطية، وصولًا إلى تتبع حضورها في أسماء القرى العربية في لبنان وفلسطين، مثل كفررمان وكفرشوبا وكفرقدوم وكفرعين وكفرالشيخ… وغيرها. وهنا يتحول الاشتقاق إلى نافذة على التاريخ والجغرافيا والهوية، لا مجرد شرح لغوي تقليدي.
ولا يتوقف الكتاب عند حدود اللغة وحدها، بل يربطها بالثقافة العربية بوصفها الحاضن الأكبر للهوية. لذلك يولي اللغة العربية الفصحى اهتمامًا خاصًّا باعتبارها لغة القرآن الكريم ولغة الضاد، متوقفًا عند تراجع حضورها أمام اللهجات العامية واللغات الهجينة، حتى غدت الفصحى في كثير من الأحيان محصورة في نشرات الأخبار أو في الخطابات الرسمية. غير أنّ الكاتب لا يتعامل مع الفصحى بوصفها قالبًا جامدًا، بل باعتبارها ذاكرةً مشتركة تحفظ الحد الأدنى من وحدة الوعي العربي.
ولتعزيز هذا الطرح، يستند الكتاب إلى عدد كبير من الاستشهادات القرآنية وأقوال الأدباء والمفكرين والمستشرقين الذين رأوا في العربية لغةً ذات طاقة تعبيرية استثنائية. فيستحضر رأي طه حسين في أهمية إتقان العربية بوصفها جزءًا من اكتمال الشخصية الثقافية، كما يستشهد بالمستشرق الفرنسي ويليام مارسيه الذي شبّه العربية بالعود الذي تهتز أوتاره جميعًا إذا ما نُقر أحدها، في إشارة إلى ما تختزنه اللغة من عمق شعوري وجمالي يتجاوز المعنى المباشر للكلمات، إضافة إلى إشارات أخرى إلى المستشرق الألماني أوغست فيشر وغيره من الباحثين الذين انبهروا بثراء العربية ومرونتها.
ومن الجوانب اللافتة أيضًا، البنية التي اعتمدها الكاتب في تقسيم الكتاب إلى حلقات متتابعة، بما يمنح القارئ شعورًا بأنه يتابع برنامجًا ثقافيًّا حيًّا لا كتابًا تقليديًّا جامدًا. وقد ساعد هذا الأسلوب في خلق حالة من الانسجام والسلاسة في القراءة، خصوصًا مع العناوين الذكية التي اختارها لكل حلقة، والتي تجمع بين التشويق والبعد المعرفي.
إنّ ماء الكلام بهذا المعنى ليس كتابًا عن اللغة وحسب، بل كتاب عن الإنسان أيضًا؛ عن علاقته بالكلمة، وعن الطريقة التي تشكّل بها اللغة وعينا وهويتنا وذاكرتنا الجماعية. فاللغة هنا ليست أداة تواصل وحسب، بل مرآة لتحولات المجتمع والثقافة والفكر. لذلك، يبدو الكتاب أقرب إلى أرشيف حيّ للمعنى، يوثّق كيف نفكر، وكيف نتغيّر، وكيف نعيد تعريف أنفسنا من خلال الكلمات.
وإذا كانت الذاكرة الفردية تحفظ حياة الإنسان، فإنّ اللغة، كما يكشف هذا الكتاب، تحفظ حياة المعنى ذاته، وتحول دون اندثاره في زحمة التحولات المتسارعة. لذا، يخرج القارئ من هذه الرحلة الثقافية وهو أكثر وعيًا بقيمة اللغة العربية، وأكثر اقتناعًا بأن القراءة ليست ترفًا معرفيًّا، بل ثورة ضد الجهل والنسيان والانقطاع عن الجذور.


