تقارير

نافخ الدواليب.. قصة لسميرة عزام 

نافخ الدواليب.. قصة لسميرة عزام

بقلم: نائل يوسف الشبراوي 

– سميرة عزام هي كاتبة وأديبة فلسطينية، ولدت في مدينة عكا عام ١٩٢٧م، لُقِّبت برائدة القصة القصيرة، هاجرت مع عائلتها إلى لبنان بعد نكبة عام ١٩٤٨م، وتوفيت عام ١٩٦٧م، لها العديد من القصص القصيرة منها: “أشياء صغيرة”، التي أُخِذت منها قصة نافخ الدواليب، و”الظل الكبير”، و”الساعة والإنسان”، وغيرها من الأعمال الأدبية.

تدور القصة في مجملها حول قضية عمالة الأطفال والفقر المدقع، الأمر الذي دفع طفلًا يتيمًا إلى تفريغ عجلات الدراجات الهوائية؛ لإجبار أصحابها على نفخها مقابل مبلغ مالي بسيط، من أجل إعالة أسرته الفقيرة المكونة من: أم وأخ وأخت.

تكشف لنا الكاتبة عن التناقض في المجتمع، وصراع الطفل مع الحياة في سبيل طلب رزقه وحاجاته، في ظل غياب دور مؤسسات التكافل الاجتماعي، فمن المفترض أن تكفل هذه المؤسسات تلك الفئات الفقيرة المسحوقة التي دفعها الفقر والفاقة “الحاجة” إلى العمل في الطرقات والشوارع؛ من أجل كسب قوت يومهم وإعالة أسرهم.

ويمكن القول إنَّ لغة الكاتبة لغة سهلة سلسلة قريبة من القارئ والسامع؛ فلا تحتاج من القارئ العادي البحث عن معانيها في المعاجم اللغوية، بل يمكنه فهمها بكل سهولة من خلال سياق الكلام، وهذا ينمّ عن براعة الكاتبة في توظيف اللغة القريبة من عامة الناس؛ فالكاتب الجيد هو الذي يكون قريب منهم، يتذوق من معاناتهم ويُعبِّر عنها، وهذا ما يجعل الجماهير تستقبله بصدرٍ رَحب.

ونؤكد على أن الكاتبة كانت لديها القدرة في هذه القصة على سلب أعماق النفس البشرية، وتصوير انفعالاتها، وتأثرها، وتعاطفها مع شخصية “الطفل” الواردة فيها ، وهذا كله يضع القارئ أمام تساؤلات قوية، حيث تجعله يفكر في واقع مجتمعه وهمومه ومشكلاته، وأنا شخصيًا عندما قرأتُ القصة تأثرتُ بها كثيراً، وجعلتني أتعاطف مع تلك الشخصية، فتمنيتُ لو كنت قريبًا منها؛ كي أساعدها وأرفع عنها كاهل الفقر المدقع الذي أنهكها، ودعنا عزيزي القارئ نبرز إليك بعض الصور التي تدفعك إلى التعاطف معها:

– “وسكت الصبي إذ خنقته دموعه، فربت على كتفه مخففاً، ونهضت به لنغادر المكان”. ص ٦٣

– “وبدأت الدموع تغسل عينيه”. ص٦٢

ونجد أن القصة احتوت كلمات عامية متدوالة بيننا في حياتنا، قامت الكاتبة بتوظيفها، وبذلك فهي ما زالت تتقرب شيئاً فشيئاً من القارئ، وتجعله يتفاعل مع أحداث القصة، ويستمر في قراءتها دون كللٍ أو مللٍ، ومن تلك الكلمات العامية التي وردت في القصة:

– وإذ بي أرى صبياً ينحني على دولابها، عابثاً “بالبرغي”.

– فتسمرت عيناي على شاشة “راحت” تعكس صوراً ومشاهد لفيلم من تلك الأفلام “المطبوخة” على عجل.

– فقلت له “تعال”.

وهذا كله يدلل على امتلاك الكاتبة مخزونًا لغويًا كبيرًا، من أدوات ومفردات مختلفة تضفي على القصة جمالًا خاصًا.

وأكثرت الكاتبة من استخدام الصور البيانية المختلفة في هذه القصة، كالتشبيه والاستعارة والكناية وغيرها، وهذا ما ستلاحظه عزيزي القارئ في ص٦١، ص٦٢، ص٦٣، واستخدمت أيضاً المحسنات البديعية التي منحت القصة حسنًا وبهاءً.

ولا ننسى توظيف عنصر الحوار الذي برز في القصة بشكل جلي، بين الطفل والرجل “صاحب الدراجة”، ومن الأمثلة على ذلك:

– إذن هو أنت. إنها وظيفة طيبة.

– دعني يا سيدي … أقسم بأنني …

– بأنك ماذا؟ لقد ضبطتك بنفسي.

– أنني… أوه… لن تفهمني لو تكلمت

– لا تتسرع باتهمي فلست دنيئاً، دعني بالله عليك، ألا تفهم؟

فالحوار أخذ حيزًا كبيرًا في القصة، ولا مانع من القول إنَّ معظم القصة مرتكزة بشكل كبير على عنصر الحوار بين الطفل وصاحب الدراجة.

أما عن أحداث القصة فهي محدودة غير متشعبة، تدور حول موضوع معين.

وشخصياتها محددة، فالقصة مكونة من شخصيتين: “الصبي والرجل صاحب الدراجة”.

والمكان: السينما، المحل، المقهى.

العقدة: تمثلت في توسل الطفل إلى الرجل بعدم الإبلاغ عنه إلى الشرطة، وبكائه أمامه.

النهاية: مغلقة، وذلك حين أخرج الرجل كل ما في جيبه من نقود وقدّمها للطفل.

– وأختتم حديثي بأن الكاتبة سميرة عزام كاتبة مبدعة حقًا، تناولت معظم قصصها قضايا اجتماعية تحاكي واقع الإنسان، الذي لا زال يعيش الفقر والجوع والذل والقهر والبطالة وغيرها الكثير الكثير، فلروحها السلام.

زر الذهاب إلى الأعلى