ثقافةمقالات

الناقد عبد الرحيم الهبيل يكتب: ديوان “البدء ظل الخاتمة” للشاعر توفيق الحاج

الحزن في ديوان “البدء ظل الخاتمة” للشاعر توفيق الحاج

بقلم: د. عبد الرحيم الهبيل/ أكاديمي وناقد

لقد ارتبط الحزن في ديوان “البدء ظل الخاتمة” بالقيم العليا الإنسانية، حيث ظهر الحزن في ديوانه منذ البدايات مرتبطا بإهدار كرامة الإنسان حينما أصبحت بضاعة للوهم، حيث يقول:

يعتريني الحزن جداً.

عندما.. يصبح الإنسان لافتةً..

وسوقاً للبضاعة

يعتريني الحزن جداً

عندما.. تفقد الدرب خطاها..

تصير بغيا

يعتريني الحزن جداً

عندما.. يتقزّم التاريخ في طرفة عين

عندما.. يصبح الرمز.. غانيةً.. أو جثة.. تسعى إلى قدمين

وعلى الرغم من أن الشاعر لا يذكر لفظة الحزن في معظم قصائده، فإنه يستعين أحيانا بمفردات أشد قوة في الحزن كالقنوط والكآبة ليظهر مستويات الحزن وآثاره، ويسرد التمظهرات الدلالية لهذا الحزن. يقول توفيق الحاج:

دعني أرتب شهوتي

قشرت وجهك واستدرت

هالني ما كان فيك من المسوح

وشدني.. موت النشيد..

الكائنات..

أدركت ضعفي

كيف أبدو حين يصفعني القنوط

لا… لا تزين وجه أغنية تهاوت

فالسقوط.. هو السقوط

فالشاعر يكثف الحزن العميق، ويربط ما هو ذاتي داخلي بما هو في الخارج، حيث يقول: (قشرت وجهك، استدرت، هالني، المسوح، موت النشيد، أدركت ضعفي، يصفعني، القنوط، أغنية تهاوت)، تصويرا لحالات من الضمور والانحسار والانحدار، فالتوتر في هذا المقطع وصل في قوته أقصى مدى، وخاصة أن الحزن لم يعد فينا فحسب، وإنما في الجراحات والمنافي التي صارت تبادلنا الصراخ، حيث يقول:

تطارحنا الجراحات.. المنافي..

تبادلنا الصراخ

تبارينا…

فالشاعر يوغل في تشخيص الجراحات والمنافي التي أصبحت تطارحنا وتبادلنا الصراخ، بل تسابقنا في شكوى مرارة هذا الواقع ، حتى صرنا نبلع المرارة بفن الابتسام، كما في قوله:

ومرارتنا..

عرفنا كيف نبلعها بفن الابتسام

بل إن الحزن ورغبة التواري خلف الابتسامة، وعشق الاغتراب جعلته منفيا في جزر الكآبة في مشهد أسود ساخر ، حيث يقول :

هل أردت النفي مختاراً.. / إلى جزر الكآبة…./ ثم……/ ثم أسدلت الستار….؟؟

وفي شعره أيضا حالات كثيرة تفوح بالقهر والخذلان حتى صار يتغنى بالحزن ويتلذذ بالهموم ، ويصور قسوة الابتعاد، ومرارة الانكفاء على الذات ، فالحزن عميق في جسد النص، فحينما يقول:

ذهبت..

خنجر في الحلق..

ليل….

غصة أولى وينسحب الكلام

ذهبت..

من يومها..

قررت أن أدفن نفسي…

في الزحام..!

نجد أن الخنجر في الحلق ، والكلام ينقطع ، والنفس تريد الاختفاء في الزحام ، إنها إشارات للعجز في الواقع المرير، وإذا كان الشاعر قد عمل على تكرار الفعل الماضي (ذهبت) للمبالغة في تصوير قدم الحزن والتوجع، فإنه يميل باستمرار إلى الفعل المضارع ( يعتريني/ يتقزم/ تسعى/ أدركت/ تصفعني/ تهاوت/ نخشى/ تطارحنا/ تبادلنا/ تبارينا/ يسجى/ أبكي/ يبول/ أتشهى/ تستمني/ يستتبع/ يتمخض/ يحلو/ أشتاق/ يشل/ أمتطي/ أحاول …) ليبقى الحزن حاضرا في مشهد تصويري، حيث يقول:

الليل يحمل من أزقتنا…/ أميراً…/ يشتهي حزّ الرقاب…

فالفعل (يحمل) يدل على تغلغل الفقر والعشوائية والشتات في الأزقة ، والفعل (يشتهي) يتآزر مع الليل أو الظلم في تصوير شدة الرغبة في القتل.

ويوظف الشاعر الكوميديا السوداء في شعره، للتعبير عن انتكاسة الفطرة الإنسانية، وتبدل المفاهيم، بأسلوب سردي إبداعي يعبر عن حداثة اللغة الشعرية وتطورها، فيقول:

أطلق العاشق نكتة

لم يضحك المقهى….

أطلق السارق نكتة

فبكينا….!!

فحينما تجف العواطف ويغيب الحب من القلوب، وتصبح الحياة فارغة من القيم، وتكون السيادة للسارق والقاتل يكون البكاء قاسيا، ويشتد المكان وحشة، يقول الشاعر:

ذهب الجميع

لم تبق إلا….

قمع السجائر….

والقرار…!!

فإن في قوله “ذهب الجميع” دلالة على الشعور بالوحدة والعزلة القاتمة، بعد موت المكان، وسيطرة الملل والخوف، إذ في قوله “لم تبق إلا قمع السجائر والقرار” يعزز سيطرة الوحدة ” والعجز عن التلاؤم، والإخفاق في التكيف مع الأوضاع السائدة في المجتمع، وحتى انعدام الشعور بالمغزى الحقيقي للحياة “، حيث تبلغ اللغة الحزينة ذروتها في التعبير عن السقوط والضياع، حين يقول:

تدوسني…. مواكب الخريف

تذروني البقايا.. في فضاء القيد

الخوف…

والهذيان

فطرتي الهمجية…

فمواكب الخريف ترمز إلى تساقط القيم وضياع الفرح، وإنتشار الخوف والهذيان، ولهذا يعلن أنه مات قبل أن يموت، إذ قال:

مات….

قبل أن يموت….!!

لن يجدي الفقيد أن ننمق الهواء…

لن يجدي الفقيد…

أن يتقن المؤبنون كذبة الرثاء

لن يجدي الفقيد لون الورد

ياقات الحضور….

يا معشر القبور…!!

أفضل السكوت

فالفقيد مات…

قبل أن يموت

حيث لا جدوى من الانتظار، وفي تكرار(مات قبل أن يموت) مبالغة في ثقل السقوط وتأكيده، وهذا ما يفسر كثرة مفردات الموت( الفقيد، المؤبنون، الرثاء، القبور، السكوت، مات ) للدلالة على زيف الواقع وفراغ النفوس من الصدق الشعوري فهو لم ير من المؤبنين سوى ياقات تؤكد كذب شعورهم.

هذا العالم المرير والحالة التي يعيشها الشاعر أوجدت تحولا واضحا في تجربته، حيث لم يجد سبيلا للتعبير إلا رمزا فاتخذ من الرموز التراثية عونا للترقي بشعرية القصيدة، وعمق دلالاتها، وشدة تأثيرها في المتلقي، “فالرمز هو قبل كل شيء معنى خفي وإيحائي، إنه اللغة التي تبدأ حين تنتهي لغة القصيدة، أو هو القصيدة التي تتكون في وعيك بعد قراءة القصيدة. إنه البرق الذي يتيح للوعي أن يستشف عالما لا حدود له ” بهذه الدلالات أراد توفيق الحاج أن يجعل لتجربته حياة أطول وشعورا أعمق، فاتخذ الرمز دليلا على صدق إحساسه، يقول الشاعر:

سيدي الحلاج مصلوباً على فخذين

ألقى..

سيف أسياف الخليفة.

يحتسي دم الحسين…

فهو بهذه الشواهد والرموز يؤكد مجموعة من المفاهيم: أولها: أن الحزن قديم منذ بدايات الخلق ولكن هناك من يثير الحزن فينا دائما . والثاني: أن الموت لا يعني الفناء بل البقاء. والثالث: أنه في سقوطه وانتهاء حزنه رأى الحلاج مصلوبا، والسيف يحز الرقاب ليشرب من دم الحسين، فانتهاء حزنه كان موتا فيه رعشة الزهاد وتأمل الصوفي،  فالجسد في الصوفية مجرد وسيلة إلى نورانيه الروح ، لتوحد الذات الصغرى ( الجسد الصوفي ) مع الذات الكبرى (الذات الإلهية) ، في صفاتها العلوية فتجرده من دونيته ليدخل في محراب المقدس، فهل أراد الشاعر أن يتمثل في حزنه الحلاج ؟ أم أنه يريد أن يتخذ من الحلاج والحسين شواهد على استمرارية الحزن في هذا الوجود ؟ أم أنه يكشف بهذا الحزن طول انتظاره (الصلب) واستحالة تحقق آمانيه في الحياة الدنيا؟ أم أنه اتخذ من مأساة الحلاج حلقة من حلقات الحزن التي كانت نتيجة لفقدان الأمن وعبث الآخرين؟

فهل استطاع الشاعر ببكائية صوفية أن يلملم الجراحات والأحزان ، وأن يمتد بأحزانه عبر الزمن، وأن يخبرنا بأن الفرح لا يكون إلا بعد موت تشرق فيه الروح ؟ وهل حقا تدرج الشاعر في حزنه ؟ أم أن تجليات الصوفي كانت في وجدانه حتى كادت تغيب مراحل الحزن(الانفصال والعزلة وضجيج الفراغ والسقوط) التي رسمها للقارئ في مشاهد متتالية؟ وهل كانت الذات الشـاعرة لدى توفيق الحاج فيها تـوتر واستهواء وكفاية ذاتية تساوي أو تقارب تلك التي امتلكتها ذات الحلاج أو الحسين؟

الخاتمة:

لا شك في أن الشاعر قدم نصا جماليا يستهوي القارئ، بل جعله شريكا في الحزن والجراح، فتزاحمت صور الحزن من لدن بداية الخلق حتى يومنا هذا، وكثرت الاستعارات والرموز التراثية ، لتحمل ما لا يقدر على حمله، وتترك فضاء واسعا في قلب المتلقي، وقد عزز هذه الإثارة باستخدام الأسلوب الساخر والكوميديا السوداء التي تعبر عن مهزلة الواقع، و العذابات التي لا تفارق الإنسانية، فالحزن في شعره كان حادا عريضا لهيمنة اليأس والشعور بعدم الجدوى.

المراجع:

*. الحاج، توفيق: البدء.. ظلّ الخاتمة. ط1، مركز الحضارة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة – مصر،2004، ص8.

*. الفلاحي، أحمد علي: الاغتراب في الشعر العربي، ط1، دار غيداء للنشر والتوزيع، عمان – الأردن، 2018م، ص122.

*. شر ف الدين ماجدولين، ترويض الحكاية، بصدد قراءة التراث السردي،ص68.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى