في رواية “بائعة الحليب”.. الراوي بين المتخيل الروائي والسيرة الذاتية

الراوي بين المتخيل الروائي والسيرة الذاتية
في رواية “بائعة الحليب” لحسن النويهي
بقلم: ناهـض زقـوت/ كاتب وناقد
يتفق النقاد بأن ثمة فرق بين الرواية والسيرة الذاتية من حيث أن كل جنس منهما له خصوصيته الفنية والأدبية، ولكن هذا الحد الفارق ليس واضحاً لعلاقتهما بالواقع، لهذا يقول جورج ماي: “الرواية والسيرة الذاتية هما شكلان يمثلان قطبين لجنس أدبي مترامي الأطراف، يجمع بين الآثار المنضوية فيه .. بأنها تتخذ من حياة إنسان موضوعاً لها”، وإذا كانت السيرة الذاتية هي سرد سيرة حياة إنسان، ورصد منجزاته، فإن الرواية أيضاً تعبر عن واقع الشخصية أو الشخصيات ومدى تفاعلها ووجودها في الواقع، لذا وجدنا العديد من الكتاب في أعمالهم قد مزجوا بين الجنسين إلى الحد الذي لم يستطع القراء التفريق في العمل الروائي بين المتخيل والحقيقة، ويعود ذلك للعوامل المشتركة التي تجمع بين السيرة الذاتية والرواية، ومنها فكرة القص أو الحكاية، والتشويق والإثارة، وتتابع الأحداث وصراع الشخصيات، وسلاسة التعبير ورشاقته، فإذا توافرت هذه العوامل في السيرة الذاتية صارت أشبه بالرواية.
وفي رأينا أن كل سيرة ذاتية هي رواية، ولكن ليس كل رواية هي سيرة ذاتية، وإن كان ثمة عوامل مشتركة بينهما، فالسيرة جنس أدبي قائم بذاته، وكذلك الرواية، إلا أنه في زمن التجريب الروائي وتطور السرد ثمة من كتب رواية جمعت بين الجنسين في قالب واحد أطلقوا عليها السيرة الروائية التي تأخذ منحى التعبير عن الذات بما يوازي التخييل الروائي، ويؤكد عبد الرحمن منيف قائلاً: “الرواية سيرة من لا سيرة لهم”. وقد اعتمد النقاد في توصيف رواية السيرة أو السيرة الروائية على أن كاتبها رغم اعتماده على حقيقة الأحداث واستخدام التقنيات الروائية إلا أنها تحيل إلى عالم تخيلي يمتزج بالعالم الحقيقي.
في رواية “بائعة الحليب” للكاتب الفلسطيني حسن النويهي الصادرة عن دار مرسال الحديثة ناشرون وموزعون، عمان 2022. نقف أمام رواية مزجت بين الرواية والسيرة، فيما أطلق عليه النقاد رواية السيرة أو السيرة الروائية، حيث اتخذ من شخصية البطل (عبد الواحد) بديلاً عن الذات لكي يحكي من خلاله مرحلة من مراحل حياة الشعب الفلسطيني، ومن خلاله أيضاً يعبر الكاتب عن أفكاره ورؤاه لتلك المرحلة.
حسن النويهي كاتب وأديب وباحث سياسي، من مواليد قطاع غزة سنة 1953 استقرت عائلته بعد الهجرة عام 1948 في مخيم دير البلح. حاصل على بكالوريوس في الإعلام من جامعة الموصل، وعلى دبلوم عالي في إدارة الأعمال، صدر له عدد من الكتابات السياسية والثقافية والأدبية، يقيم حالياً في السويد.
يتخذ الكاتب من عنوان روايته (بائعة الحليب) عنواناً للإثارة وتشويق القارئ للنص، فليس ثمة علاقة في السياق الروائي بين العنوان والأحداث التي امتدت لسنوات طويلة بدأ من نكبة عام 1948 وصولاً إلى سبعينيات القرن العشرين، فقد كانت بائعة الحليب هي جارة الراوي في المكان الذي أقام فيه مع عائلته بعد النكبة، وتعرف عليها، فقد كانت تعيش مع ابنتها (غزالة) التي أحبها الراوي، ولكنها تزوجت وانقطعت العلاقة بينهما، ولم يعد لها وجود أو دلالات في أحداث السرد أو في مسيرة الراوي نتيجة زحمة الحياة والأحداث، ولكن آثارها ما زالت باقية بما رسخته في نفسية الراوي من شخص لم يعد الحب من اهتمامها.
يقوم البناء السردي على استرجاع الذاكرة بضمير الأنا المتكلم “كنت البكر للعائلة” (ص9)، وتخزن الذاكرة ما كانون يتهامسون به عن طفولته يقول: “على البئر كانت تخرجني (يقصد أمه) من القماط وتغسل وجهي أو تقوم بتغيير حفاظتي وغسلها بجانب البئر وتشطيفي” (ص10)، وهنا ليس من المعقول أن يكون قد وعي هذه العملية، ولكنها كانت في متخيل الذاكرة وما تهامست أمه أمامه. لهذا يتباين زمن السرد مع زمن وقوع الحدث، حيث يقول الراوي “كان والدي رحمه الله” أي أن السرد بعد وفاة والده” (ص10)، وكذلك بعد وفاة والدته (ص13)، وهذا يعني أن السرد جاء في مرحلة متقدمة من العمر لأننا نجد أنه يصف أحداثاً وقعت أثناء وجوده كطفل في القماط أو طفل ابن الرابعة من عمره، هو في تلك الفترة لم يعِ ما يقال ولكن الذاكرة تخيلت مرحلة الطفولة وما يكون فيها من أحداث، بناء على معطيات لديه ارتبطت بمرحلة الطفولة.
تأخذنا شخصية الراوي في مرحلتها الأولى من الرواية، وهو الذي ولد بعد النكبة، وقد مات أجداده قبل الهجرة، وتفرقت عائلته “لا إخوة ولا أخوات ولا أعمام لي، ولا أخوال ولا خالات، وقد مات جدي وجدتي لأبي قبل الهجرة، أما جدي وجدتي لأمي وأخوالي وخالاتي فقد هاجروا بعيداً نحو لبنان (ص11)، إلى رصد مسيرة الشعب الفلسطيني بعد النكبة، حيث نجد عائلته المهاجرة من فلسطين تتنقل من مكان إلى مكان بحثاً عن الأمان بعد أن فقدته نتيجة تشردها عن الأرض، وتستقر على أطراف مدينة في الأردن، وهناك يبني والده خربوشاً عبارة عن خيمة يقول الراوي: “والخربوش لمن لا يعرف الخرابيش عبارة عن أكياس خيش يتم تجميعها مع بعضها بعضا لتشكل خيمة، يرفع في وسطها عمود وتحاط أطرافها بالحجارة، مساحة الخربوش لا تتجاوز ال6 أمتار مربعة” (ص9). في داخل الخربوش يضع اللاجئ أدواته البسيطة من مفرش حصير، ومخدات، وسراج، وبابور كاز، وابريق شاي، وكيلة، وطنجرة، وقلاية، هذا ما تبقى للاجئ الفلسطيني بعد أن هجر قسرياً من وطنه. ويصف الراوي معاناة اللاجئ في قضاء حاجته في حفرة ليست بعيدة عن الخربوش، وفي عملية احضار الماء من بئر قريب.
العديد من الروايات الفلسطينية وصفت معاناة اللاجئين الفلسطينيين بعد هجرتهم، وتضئ هذه الرواية جوانب أخرى من هذه المعاناة، ولكنها لم تتوقف عندها بل تواصلت لتحكي حكاية اللاجئ الفلسطيني الذي انتقل من الفقر والجوع إلى حياة الغنى والرفاهية، بعد أن أصبح من كبار التجار، وأرسل ابنه لتعلم الهندسة في الجامعة الامريكية في بيروت.
تغرق الرواية القارئ في حالة التباس بين شخصية السارد عبد الواحد وشخصية الكاتب، أو بين المتخيل السردي وبين الحقيقة التاريخية الكامنة في ثنايا السرد، أيهما السارد الحقيقي للأحداث، حيث التمازج بينهما كبيراً وعميقاً، أحياناً تظهر شخصية الكاتب في سرد الأحداث الكبرى المتعلقة بالتاريخ الفلسطيني متخفياً خلف الراوي، ليقدم تاريخ مرحلة من حياة الثورة الفلسطينية بكل سلبياتها وإيجابياتها، ويعبر عن وجهة نظره في هذه الأحداث بأنها حالة ولادة قيصرية في ظل حالة من الفوضى وانعدام الأمان، مما أدخل الرواية في الجانب التاريخي بعيداً عن التخييل، فيذكر حقائق وأحداث وقعت في مسيرة البطل عبد الواحد، حيث يشير إلى مرحلة بدايات تكوين المعسكرات الفدائية في الأردن، ونكسة 67، ومعركة الكرامة، والتحاق الشباب بأعداد كبيرة بالثورة بعد الكرامة، ثم الصراع الفلسطيني الأردني والانتقال إلى لبنان. ولم يكتف الراوي/ الكاتب بالسرد التاريخي بل بتوثيق الأحداث بالأرقام والأعداد، في ثانوية عبد الواحد مثلاً والتي جاءت بعد نكسة 67 يقول: “في سنتنا كان المتقدمون 2500، والناجحون 1500، والأول على المملكة علمي حصل على 96 والأدبي 89” (ص28). ويتحدث بالتفصيل عن مخيم عين الحلوة قرب صيدا من حيث تاريخ انشائه وعدد لاجئيه ومساحته وتوزيع وحداته السكنية، ويصف حالة البؤس التي يعيشها سكان المخيم يقول: “حياتهم بائسة، ويعاملون معاملة العبيد، ولا يوجد من يدافع عنهم أو يهتم لشؤونهم، ويتهمون دوماً بأنهم سبب كل المشكل في المدينة” (ص70).
هذا التوثيق والسرد التاريخي لا يفيد الرواية في شيء إنما إطالة للسرد، وكان بإمكان الكاتب الاشارة فقط، ولكنه يتوافق مع رؤية أن الرواية هي في عمقها سيرة ذاتية، يحاول الكاتب أن يجعل من هذه الحوادث التاريخية خلفية لسرد الأحداث، ويبث من خلالها أفكاره ورؤاه، والتأكيد أنه يروي حقائق لا خيال. ولكنها لو حذفت من السرد لن تؤثر على مجرى الأحداث.
لقد مهد الكاتب لهذا الانتقال من خلال شخصية عبد الواحد الذي انتقل به من المكان الأردني إلى لبنان لدراسة الهندسة في الجامعة الأمريكية، حيث ينغمس في التيارات السياسية وفي حياة لبنان التي رآها مختلفة عن الأردن يقول: “بيروت الأضواء والسهر وشارع الحمرا، بيروت لا تشبه عمان، فرق كبير، بيروت الحرية والجمال والدلع والغنج والثقافة والسياسة وتنوع الأفكار، وتعدد الملل والنحل والطوائف والمذاهب، بيروت تعيش ليومها ولا تهتم بآخرتها” (ص32).
تقدم الرواية ملامح من شخصية عبد الواحد الذي سيأخذ الدور المركزي في الأحداث في مرحلة بيروت، بأنه شخصية صلبة لا تنزل الدمعة من عينيه مهما حدث، وفي مكتبة المدرسة الثانوية يقرأ العديد من الكتب ويتفتح ذهنه ومداركه ومعارفه وثقافته وقوة شخصيته، على أفكار المرحلة التي عرفت بالنهضة العربية والتحرر العربي، وفي المدرسة يمارس الأفكار من خلال مدرسيه فيتعرف على الإخواني والشيوعي والبعثي، يقول: “تعرفت إلى أسماء جديدة في عالم السياسة، الشيوعية والبعث والاخوان وحزب التحرير، وقد كان كل من يلعب في هذا الملعب مصيره إلى الجفر” (ص23). تلك هي الأفكار والرؤى السياسية التي كانت متفاعلة في الستينات، ولكنها محظورة من النظام. ساهمت تلك الأفكار في بلورة شخصية عبد الواحد، ففي بيروت يتعرف على الحرية، ويجلس إلى طاولات الحوار والنقاش والتخوين والاقناع في مقهى الجامعة الأمريكية حيث كان ملتقى الجميع، وفي هذه الأجواء كان يبحث عن ذاته، إلى أن أمسكت صبية بيده وأخذته إلى مقر الحزب الشيوعي اللبناني، وهناك يعرف عن نفسه قائلاً: أنا المخرب لقبي، والمصدي كنيتي، وأنا الشيوعي الوحيد بينكم، أنا من عرف الخربوش ونشأت فيه، وتحممت عل بير، ومشيت حافياً حتى قبل أيام من حضوري إلى هنا. أنا من كانت ألعابي حمل الطوب ورش الماء، أنا من عرف معنى البروليتاريا لأن قوتنا كان يعتمد على عمالة أبي، إذا اشتغل يوماً نأكل أو ننام بالجوع ..” (ص39). ويصبح عضواً فاعلاً في الحزب.
لم يكن عبد الواحد صادقاً في كلامه بل تحدث عن بدايات حياته في اللجوء، ولم يقل أن والده برجوازي كبير، وصاحب تجارة وأملاك، وإذا لم يكن كذلك ما استطاع تعليمه في الجامعة الأمريكية، لذا شعر عبد الواحد نفسه بالتناقض بين ما يحاول أن يقنع نفسه بالموضوع الشيوعي وما بين الواقع الذي يعيشه يقول: “شيوعي بالاسم ويعيش حياة برجوازية بالفعل” (ص40). وفي أول سلوك للاشتراكية مع زميلة في الغرفة تبرز النعرة البرجوازية يقول: “وأنا وحيد لم أتعود المشاركة ولا أرغب أن يشاركني أحد أغراضي أو ملابسي أو ينام على سريري” (ص40). ثمة انتهازية واستغلال لمكانة الحزب في الجامعة ونشاطاته التي تفتح له علاقات واسعة. وقد لمسها عبد الواحد في جنازة جدته في مخيم عين الحلوة حيث شارك الحزب وحضر أمينه العام جورج حاوي، وقوى وفصائل فلسطينية ولبنانية أخرى، فقد كانت الجنازة مفعمة بالروح الوطنية التي كانت تسود بين التنظيمات آنذاك (ص61).
ولكن في مرحلة متقدمة من تطور شخصية عبد الواحد بدأت أسئلة كثيرة تدور في رأسه حول تعريف الذات والهوية، ويأتي الحوار بضمير الغائب كأن الكاتب هو الذي يتحدث “أسئلة تدور في رأس عبد الواحد، من أنا؟ هل أنا عبد الواحد لمصدي أو المخرب، أو أنا البرجوازي الحالم بالجامعة الامريكية والشهادات والوظائف المرموقة والرواتب الضخمة؟. أم أنني الشيوعي البروليتاري الحافي ابن الخربوش والفقر المدقع .. (ص72-74) يستمر في السرد خلال الصفحتين في أسئلة تتناقض مع شخصية عبد الواحد، حيث يشعر القارئ أن المتحدث هنا ليس البطل بل من يقف خلف البطل يحاول أن يعبر عن ذاته حينما وصل إلى بيروت، وحياة الفقر والجوع التي عاشها، وحالة التناقض الفكري التي مر بها “ما بين النفاق والمبادئ شعرة” (ص74). وهذا السرد يؤكد على وجود شخصية الكاتب وتفاعلها في السرد، وأنه يجعل من شخصية عبد الواحد وما تدور من حوله أحداث هي المتخيل الروائي، أما ما يأتي على ذكره من أحداث تاريخية ورؤى فكرية وانتقادية هي ملامح شخصية الكاتب في سرده لملامح من تجربته الذاتية، حيث يشير إلى اشتراكه في معركة الكرامة يقول في محاولة لتبرير ما تعمق في سرده عن المعركة: “معالم وذكريات وتفاصيل محفورة، بعد انتهاء العطلة الصيفية والمعسكر الصيفي الذي أفادني جداً، فقد كان فضاءً واسعاً استطعت فيه تفريغ شحنة الغضب العارم التي رافقتني بعد معركة الكرامة ..” (ص105).
إن شخصية عبد الواحد المتناقضة بين الفكر والسلوك يحاكم بها الكاتب مرحلة من مراحل النضال الوطني، بين العديد من حملوا الفكر وروجوا له وهم أبناء الطبقة البرجوازية، وأغلبهم يدرسون في الجامعة الأمريكية في بيروت، يقول: “كلنا يعلم أن أمريكا هي الشيطان الأكبر وهي زعيمة الإمبريالية وقائدة العالم الرأسمالي، وتقود الحرب الباردة ضد المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي، ونجد كبار اليساريين وقادة الأحزاب وكبار حملة شهادة الدكتوراه من اليسار يدرسون في الجامعة الأمريكية، ومعظم الطلاب من اليساريين والقوميين يدرسون فيها” (ص110). يعتبرها الكاتب/ عبد الواحد خلطة بيروت العجيبة، وقد كانت هذا التناقضات هي الأسباب الحقيقية التي أدت إلى كثرة الانشقاقات التنظيمية الفلسطينية، وتبلور رؤي سياسية وفكرية جديدة في مرحلة الستينات والسبعينات. يقول: “تكاثرت المجموعات والفصائل والكتائب وانتشرت كالفطر، وبات السلاح أكثر من الخبز، وحوادث السلاح أكثر من حوادث السيارات، وقد سماها ياسر عرفات غابة البنادق ..” (ص125).
في أجواء بيروت المنفتحة، يعود عبد الواحد إلى الماضي وحب غزالة، حيث يكتشف أن ما كان بينه وبينها هو حب، وأنها لم تكن قادرة على رفض ابن عمها حسب التقاليد، ورغم زواجها وضياع ملامح سيرتها في زحمة الأحداث إلا أنه قرر عدم الحب وعدم فتح هذا الباب على نفسه، ولم تعد الفتيات يثرن شهوته، فقد وصل إلى حالة التشبع مما يشاهده من تبرج الفتيات في الكافتيريا والشارع والجامعة، إلا أنه ارتبط بصداقة قوية مع فتاة شيعية اسمها “زهراء” كانت رفيقته في الحزب، وكان دائم الجلوس معها في مقهى “الهورس شو” وهو من أشهر مقاهي بيروت ويرتاده كبار النخبة من أساتذة الجامعة الأمريكية، وصناع الفكر والثقافة وقادة الأحزاب والحركات أمثال جورج حبش، والشعراء والأدباء أمثال محمود درويش. يحاول الكاتب في أكثر من زاوية في الرواية تعريف القارئ بمعالم بيروت وصخبها في مرحلتي الستينات والسبعينات، لكي يعيش الأحداث في حقيقتها المتجلية من خلال تفاعل عبد الواحد معها.
تعرفت زهراء على أختي عبد الواحد وعائلته، وأصبحت صديقة لهم، وفي زياراتهم لبيروت كانت ترافقهم في رحلاتهم وأماكن سياحتهم، وكان عبد الواحد يقضي معها جل يومه، ولم يكن ثمة قيود اجتماعية بينهم، ويصفها جسدياً قائلاً: “زهراء فعلاً زهرة، وردة جميلة سبحان الخالق، منحوتة نحتاً بفتحات عيون المها، وتقاطيع وجه الفرس الكحيلة، حنطية بشعر بني طويل ينسدل بين كتفيها، عريضة المنكبين، نافرة الصدر، أصابع يديها رفيعة كأقلام الشمع” (ص129). أما عن رؤيته لسلوكها فهي في نظره نظيفة في تفكيرها، وتعرف مستقبلها وتحافظ على شرفها وعفتها، وهو يثق فيها لدرجة لو نامت وسط خمسين رجلاً فلن يستطيع أحد منهم أن يأخذ منها شيئاً، وهي على الرغم من شيوعيتها وأفكارها الحرة كانت تجمع بين النقيضين حرية الفكر وانضباط السلوك (ص131)، وتتعمق الصداقة بينهما بمرور الوقت حتى تجعله يغير رأيه في الحب ويتزوج منها قبل سفره إلى أمريكا. وهذا لتأكيد العلاقة بين الشعبين الفلسطيني واللبناني، فلم يكن أمام الكاتب ألا أن يضع القارئ أمام هذا الموقف، فالكثير من الفلسطينيين تزوجوا من لبنانيات.
لقد مثلت له زهراء عملية اختلاط الفكر مع الدين، وجزء من خلطة بيروت العجيبة، فهي شيعية شيوعية، وتحترم مرجعياتها الدينية، وكان أبرزهم الامام موسى الصدر الذي وصفته بأنه زعيم المحرومين، فهو بين قوسين شيوعي شيعي (ص109). تلك الحركة التي تحولت إلى حركة أمل، وقد رتبت له لقاء مع الامام، فلم يعارض بل أحضر مجسم قبة الصخرة هدية حين زاره، ويقدم تعريفاً عن الامام وواصفاً ملامح شخصيته (ص120- 121)، ويناقش معه دور المذاهب وتفاعلها في المجتمع، ويغادر اللقاء على وعد بلقاء آخر، فقد أعجبته شخصية الامام.
يبرز التناقض الفكري والانتهازية السياسية عند عبد الواحد كعنوان للمرحلة التي تحدثنا عنها سابقاً، فهو يبحث عن مكانة يحقق فيها ذاته، فبعد أن استنفذ دوره في الحزب وحقق مكانته، انتقل لمرحلة جديدة متوافقة مع الواقع القائم آنذاك في المشهد الفلسطيني، من عملية استقطاب للنخب السياسية والفكرية، ولكنها أيضاً تعد تطور في شخصية البطل نحو أهداف جديدة يحقق فيها ذاته ومكانته، فلم تعد الشيوعية الأممية هدفه، بل الرؤية الاقليمية وفلسطنة الإطار والهوية. بعد أن تنازعته رؤى وأفكار جديدة يخرج من الحزب الشيوعي إلى إطار يساري أوسع وأقرب إلى الهدف، كونه يحمل الهوية الفلسطينية، فينتمي إلى الجبهة الشعبية. ويقدم سرد تاريخي للجبهة منذ حركة القوميين إلى انشقاق الجبهة الديمقراطية إلى تكوين الجبهة الشعبية، والصراعات بينها وبين الجبهة الديمقراطية، في تزيد سردي لا قيمة له في الرواية.
يرتبط عبد الواحد مع القائد وديع حداد الذي يرسله في دورة عسكرية إلى كوبا، والتي يصفها بكل قسوتها وعنفوانها، ومن خلالها يوثق لطبيعة الدورات العسكرية التي كان يخوضها الفدائيون والتي تعبر عن جلدهم وقوة تحملهم وصبرهم على المحن. لقد كان الكاتب مغرم بتفاصيل الأشياء وتوثيق الأحداث بكل ملل، رغم أن ذلك ليس من الرواية، ولا يشكل جزء من الأحداث، وإنما يقدم تجربته الشخصية في السرد بكل تفاصيلها، وكان يمكن له الاكتفاء بالإشارة دون الخوض في تفاصيلها.
وبعد دورة كوبا يدخل عبد الواحد مرحلة جديدة، يمهد لها بمصطلحات سياسية كانت عنوان هذه المرحلة مثل “البحث عن عمل ليسمع العالم صوت فلسطين، المد الثوري واتساع الدخول إلى الثورة” (ص173) لكي يمهد لعمليات الجبهة الشعبية في خطف الطائرات، ويسافر إلى الأردن في مهمة عمل وهي معاينة المطارات والطائرات التي سيقع عليها الاختيار ووقت هبوطها واقلاعها في مطار ماركا وقاعدة الأزرق، ويوثق في سبتمبر عام 1970 خطف ثوار الجبهة الشعبية خمس طائرات، ويشير أن هذه العمليات كانت السبب في تقليم أظافرة الثورة الفلسطينية في الأردن، ويسرد تفاصيل الصراع عام 1970 (ص181)، يشعر القارئ من خلاله بالإدانة للجانب الفلسطيني.
لقد حدد الكاتب زمن روايته ما بين الستينات والسبعينات، ولكنه لم يكن ثمة زمان مرتب بل زمن فوضوي يعبر عن الرؤية التي اختارها الكاتب لروايته، أن تكون أحداثها غير مرتبة زمنياً بل غلب عليها الفوضى في السرد كفوضى الأحداث، ولكنها متماسكة ويصل بها الكاتب إلى بر الأمان في تحليل حبكاتها الروائية.
ينتهي عبد الواحد من مشروع تخرجه في الجامعة القائم على بناء قرى متكاملة تعتمد على الطين الحراري، ويحسم أمر استكمال دراسته للماجستير في أمريكا، وتبقى أمريكا رغم تناقضنا الفكري والسياسي معها هي محل الدراسة والعلم، وبذلك عاد عبد الواحد إلى بورجوازيته وابتعد عن نضاله في صفوف الجبهة الشعبية، فهذا هو الأمر الطبيعي لمن اختار عالماً رأسمالياً، ولم يختار الاتحاد السوفيتي. ويصفه قائلاً: “حياة أمريكا مختلفة، عالم مختلف، بيننا فارق زمني كبير، الشعب الأمريكي خليط من كل الأشكال والثقافات والألوان، شعب طيب بالإجمال” (ص216). لم يخرج عبد الواحد من تناقضه، بل كان في مسيرته يواكب العصر، وحين تمكن من امتلاك القوة لحياة جديدة، قرر الرجوع إلى ماضيه “وكلما تأتي سيرة الحليب تحضر غزالة التي لا تغيب” (ص211).
يشير الكاتب أن ثمة جزء ثاني لمسيرة عبد الواحد، لذلك يبقى فضاء الرواية مفتوحاً على استكمال سيرة عبد الواحد المخرب المصدي.