
عام من المجازر.. غزة بين الموت والصمود
بقلم: هديل عوض
عام من الموت
بعدما أغلقت الحرب عامها الأول، عام من شلال الدماء الذي لا ينبض، لم تضع الحرب أوزارها بمرور الوقت، بل ازدادت يومًا بعد يوم، ثانيةً بثانية، سواء على أهلنا النازحين في الشمال أو على كل بقعة في القطاع.
أنا هديل، أُحب الحياة وأكره الموت. ناجيةٌ من ثماني حروب، وحتى الآن أُقاسي ويلات هذه الإبادة التي طالت جميع مناحي الحياة حتى هذه اللحظة. شاهدةٌ حقيقية على المأساة التي ضربت حياتنا في غزة، حيث نجوت أنا وعائلتي هذه المرة أيضًا، ولكنني اليوم أمام أبشع آلة قتل وثّقها التاريخ. منذ السابع من أكتوبر، توشحت مدينتي بالرمادية، وسقطت الأفراح في قاع المدينة، وكابدتنا الأحزان إلى الأبد.
في يوم الحادي عشر من أكتوبر 2023، في إحدى ليالي هذه المدينة وأقساها، بينما جمعتنا صلاة العشاء، إذ بأصوات مرعبة تخترق مسامعنا وتضج أمان قلوبنا. تفيض كالبركان حولنا أصوات الانفجارات، تحاصرنا من كل صوب وجانب (حزام ناري). ولكن معطف الأمان الوحيد في هذه الليلة القارسة، ولو كُتبت نهايتنا، أننا سنلقى الله مصلين في أحب الأوقات إليه وبين يديه.
سرعان ما انتهينا من الصلاة، فتسارع كل واحدٍ منا لمعرفة أين كانت هذه الأصوات، بينما لازالت تلك الأصوات مستمرة وبريق اللون الأحمر يُكبل أعيننا. حاولت الاقتراب من النافذة مراتٍ عدة، ولكن خوفي من تلك الأصوات وإطلاق الرصاص وقنابل الغاز كان يسحبني دائمًا للوراء. الظلام الدامس يلتف حول بيوت الحي، ولا بصيص للنور، حيث لا كهرباء ولا ماء، ولحظات تخنق الأنفاس، وتُضيّق مساحة الفضاء في عينيك.
كل شيءٍ يصطدم بنا: أفكارنا، شعورنا، إحساسنا، ذواتنا، حتى هلع الناس وخوفهم وتمتمتهم بالدعاء يُكبل ساعديك، ويشعرك بعجز لا تستطيع تصنيفه. ولا ندري: هل ما يحدث حقيقة؟ لم نستطع أن نحدد بوصلتنا، ماذا يحدث؟ وما الذي يحدث؟
اختبأنا جميعًا في غرفة في منتصف المنزل، علّها تكون أماننا وسط هذا الموت. أكاد أجزم أنها الليلة الأشد رعبًا وألمًا في حياتي كلها. احتضنتنا والدتي، علّ حضنها يحمينا من وابل الصواريخ وقنابل الفسفور، وقالت: “اثبتوا جميعًا، واجلسوا بحضني يا ماما، عشان إذا متنا، نموت كلنا، وما حدا يتحسر على حدا.”
لحظات إدراك ما بعد المصيبة لها وقع أقسى على روحي. نظرات والدتي، نظرة الخوف والألم التي تعتري الأم الفلسطينية، والتي تحاوط أبناءها ولو بلغوا من العمر عتيًّا، فهم بنظرها أطفالٌ يلعبون في سن الخامسة.
الصدمة الأولى
في اليوم التالي، في الثاني عشر من أكتوبر صباحًا، اشتدت وتيرة القصف. لكن كان من واجبي الأخلاقي والإنساني ألا أترك مرضاي دون مساعدتهم، فأنا ممرضة أعمل في مجمع الشفاء الطبي _ قسم الطوارئ.
خرجت من منزلي والخوف يعتريني، والتناقضات تملأ رأسي. كيف لي أن أصل إلى عملي؟ كيف لي أن أعالج مرضاي والخوف يملأ قلبي على عائلتي التي بقيت في المنزل؟ في نهاية المطاف، لم يكن لي إلا أن أمشي سيرًا على الأقدام حتى أصل.
وهنا كانت الصدمة: عدد الشهداء والإصابات، الدم الذي ملأ جميع أروقة المشفى، وجوه الأطباء والممرضين التي يملؤها البؤس من هول ما شهدوه الليلة السابقة، كان لا يُصدّق. صادفت عددًا هائلًا من الجرحى والممرضين والأطباء حتى وصلت إلى غرفة الغيار. لكن كان هناك صوتٌ بداخلي يقول: “لسا هذا ولا شيء!”
بدأت بالعمل، وما إن تسارعت وتيرة الإصابات شيئًا فشيئًا: إسعافات، إصابات، قلوب مرتجفة على مُحبيها، شهداء، نظرات وداع، وصراخ أطفال من مختلف الأعمار.
النزوح
في الثالث عشر من أكتوبر صباحًا، انتهيت من عملي وعدت إلى منزلي. رغم تعبي تلك الليلة، إلا أن شدة القصف حالت دون أن أستريح وألتقط أنفاسي.
في ذلك اليوم، عصرًا، أُجبرنا على مغادرة منزلنا إثر قصفٍ عنيف على منزل مجاور لنا. كانت هناك الكثير من الإخلاءات في المنطقة التي أعيش بها في حي النصر. يومها، أمرنا الاحتلال بإخلاء شمال القطاع والذهاب إلى جنوبه. كنت أقول في نفسي: منذ متى يأمن الإنسان عدوه؟
يأمرنا أن نذهب إلى الجنوب لنكون في مأمن من شره، ولكن هل لشره وانتقامه مكان مُحدد؟ وهل في الجنوب ملاهي أطفال وسكاكر وحلوى وأمان؟!
ومن هنا كانت بداية اللعنة
كنت أسمع جملة تقول: “النزوح هو موت يسير على الأقدام.” لم أكن أصدق هذه الجملة، إلى أن عشت تفاصيلها. أذكر كيف أصررت على بقائي في شمال القطاع من أجل المرضى والمصابين، وبقيت وحدي في مجمع الشفاء الطبي لأعالج مرضاي.
تركت عائلتي كل شيءٍ وراءها وذهبوا إلى جنوب القطاع. قُطع الاتصال مرات عدة، ولم نستطع الاطمئنان على بعضنا البعض. وتيرة القصف كانت تشتد يومًا بعد يوم.
يا إلهي، كيف تستطيع لحظة توتر، لا يقين فيها بالبقاء، أن تهز الكيان وتفتك بمفهومك للحياة؟ تمزقك، وتعجن مشاعرك بالطين، فلا تستطيع أن تفهم شيئًا مما يدور حولك. هل كل ما يجري يجري فعلًا؟ أم أنه مشاهد من فيلم رعب طويل لا ينتهي؟!
نعم، مشاهد رعب نشاهدها على شاشة بلا أزرار، فلا نستطيع أن نغير القناة، ولا نخفض الصوت والصراخ فيها، ولا حتى نغير المكان حتى لا نرى. فنحن المشهد، وأحباؤنا هم الأبطال، وأهلنا هم الضحية التي نُفذت فيها الجريمة.
بمحض صدفة، بقينا نحن أحياء. جميعها صُدف حمقاء. الصُدف التي أبقتنا أحياء، هي ذاتها الصدفة التي قتلت آخرين.
عام من الموت
بعد مرور عام، ونحن كل يوم نخطو خطوة نحو الموت المحتوم، لم أستطع إيجاد إجابة واحدة على أي من الأسئلة التي تجول في رأسي:
إلى متى ستظل هذه الحرب مستمرة؟!
إلى متى ستظل هذه الإبادة وهذه الحرب الشرسة؟!
إلى متى سيظل قتل المدنيين من الأمهات والأطفال؟!
الجميع يُباد هنا، الجميع يُقتل هنا. لا
يُستثنى منا أحد، من شمالها إلى جنوبها، غزة يُنزَف دمها.


