هوس الطين

بقلم: علي العذاري-كاتب عراقي
((حين تظنّ أنّ الحرب لعبة فسترافقك طوال عمرك))
أمهُ وحدها تعرف سر جسدهِ الذي كلما فركتهُ بليفةٍ، تكوم أسفله وحلٌ يكفي لتشييد حظيرة خنازير أسترالية لكنها تحفظ سره خوفا من أن يطلق عليه لقب (ابو الكَلكَ) …
هو يقول لها واثقا من داخل طستٍ نحاسي بعدما يتحول ماؤه إلى تراب:
“إن لجسده بركة يصنع منها ترب تكفي لطائفة من المصلين”
تلطمه على فمه.
لم يكن الوحيد من بين أقرانه، فمثله الأكثرية من أطفال قرى شمال البصرة… يجلس على حافة الأنهر الصغيرة ليجمع (الطين الحر) ويكومه بين طيات دشداشته البازة الناشزة، تاركةً نصف ساقيه عاريتين ثم يعض طرفها بأسنانه عارضا مؤخرته (الملحاء) للسعات الشمس، لا فرق بينها وبين قفاه المتعرق، يركض بعدها إلى مكانه داخل بستانهم ملتحفا ظلال النخيل ويعود مجددا حاملا ما نبتت به أصابعه، جامعا ما يكفي لخلق معركة…
طفل صنع الحرب من خلال نزواته فبادلته قساوتها وخلقت له خصلةً ترابية تتمدد وتتسع بعد كل حرقة دم يفقد فيها سيطرته على حربه…
هو الرب الوحيد الذي بمشيأته يدمر رجال الطين ودباباتهم ومدفعيتهم، شعورٌ خالجه دونما انفكاك، ولو فلت الأمر من يده بطش برعونة وسحق كل اللعابه…
جيشان متضادان غرز برؤوس جنود أحدهما أعواد ثقاب تميزه عن الجيش الآخر، تشتد المعارك فيشعل كومة خوصٍ مستمتعا بهجومٍ وصد وخطط يفقد بسببها أعصابه، فيكثر اللون الممتد بشعره…
أمه تصفن في كل مرة يخض فيها قلبها على ملامحه القاحلة بعدما تهرع مفزوعة من صوته وهو يعصر أدمغة قادتهم لتراجعهم عن المواجهة…
” ما نفع جندي بلا حرب؟! فما الرجل إلا شارب كث وبدلة كاكية”
يردد ما كان يصله وهو يسترق السمع عبر قصب جدران المضيف حينما يزورهم مجموعة من المحشدين للجيش الشعبي.
تغضب ثم تبتسم حين تراه يهدأ، وتنفجر ضاحكة حينما تلاحظه وقد ألصق بقايا طين لزج كشارب ورسم مجموعة نجوم على كتفيه بسخام الخشب المنطفئ…
أكثر أيامه بؤسا وأطولها ما لم يستطع فيها ارتداء زيه العسكري وعدم مشاركته في
قادسية ثانية كما أسماها النظام السابق لصغر سنه…
ما زاد عليه بلاءه ابتعاده عن تلك الأنهر التي ظلت صورها تراود مخيلته وهو يشرح لأولاد خالته طرقا عسكرية نفذها على ورق كرسومات يحرقها عند آخر لحظة بقنبلةٍ نووية، إن لم يستطع أن يقرر من المنتصر بدل الطين الذي افتقده عند فرارهم لكربلاء بعيداً عن قصف الطائرات الإيرانية.
وما أثار استغرابهم أن الورق المحترق ينثر بقايا طين كلما فركه بين راحتيه وأدهش الذين حوله كميات _تفوق قذارة_ علقت بجلده المتفطر كأرض هجرها المطر وغادرتها الأنهر.
في أم المعارك كان أصدقاؤه يرونه ابن السلاح الذي آمن بالعقيدة العسكرية، كثرت حوله الأقاويل والتعجب؛ كميات الطين التي تتيبس على شكل مواضع صلدة داخل المدينة تفوق ما صنعه رفاقه من الأنصار، قيادة حزب البعث كرمته بدرعٍ ذهبي اللون ونوط شجاعة.
بقي منغمسا بهذا الشغف العسكري حتى تطوع ضمن تشكيل فدائيي صدام وأخذ يزداد صرامة، التراب المنهال من جسده صار أكثر مما تطاير من فوق الساتر. ظن بعضهم أنه يحت كجدارٍ قديم لما يخلفه على سريره بعد التدريبات المضنية وحرارة الجو، تحجرت عيناه ولم تنسرب منها يوما قطرة دمع، حتى عندما مات أبوه، وقُتل أحد رفاقه المقربين خلال خطأ تدريب عسكري، وانهار سقف بيت أخته المتهالك ودفنها هي وعائلتها.
هو منعزل جدي لم ينطق غير (الله، الوطن، القائد) ولا يجالس التلفاز ويبتسم إلا حين يصدح بـ
( يا كاع ترابج كافوري) وما زاد اعتقاد معارفه إن هذه الأغنية قد كتبت لأجله عدم تغسيل جسده بالكافور مثل معظم الأموات. وأقسم الناجون من معركة الحواسم إنهم شاهدوه قرب مدينة أم قصر متحجرا كتمثال وسط الصحراء محاولا اقتناص دبابة برامز أمريكية بصاروخ قاذفة لكنها حسمت أمره وأرجعته إلى أمه داخل كيسٍ صغير صنعت منه تربةً لصلاتها.


