gurita4d
gurita4d official
gurita4d
PAKDE4D : Situs Togel Online Toto Macau Bet 100 Perak Resmi & Terpercaya
PAKDE4D | Link Alternatif Daftar & Login Bandar Togel Online Paling Keren
PAKDE4D 📍 Link Afliliasi Bandar Togel Online Terbesar Di Kawasan Kamboja
PAKDE4D : Situs Resmi Bandar Togel Online Tercepat & Terbesar #1 Se-Asia
pakde4d
pakde4d
pakde4d
pakde4d
pakde4d
مقالات

مفترق إنساني

بقلم: ياسر رجب-كاتب وشاعر بحريني

قبل ثلاث أعوام تقريباً، نشأت بيني وبين شاب وفتاة أمريكيين ينتميان إلى إحدى الكنائس التبشيرية علاقة صداقة عابرة. امتدت العلاقة لأشهر عدة، وتكررت اللقاءات، ومع مرور الوقت ظهرت طبائع لم تكن بادية في بداياتها. وبعد السابع من أكتوبر، انقطع التواصل فجأة، وكأن الحدث تجاوز قدرتهما على احتمال حوار صريح يختبر يقينهما، لا الأقوال المعلبة التي يرددانها. وكأننا كنا جميعاً أمام مفصل إنساني لا يسمح لأحد بالهروب من ثقل الحدث.

وللمصادفة، كانا مولعين بالشعر، ويهوان كتابته، وقد صادفت فترة لقاءاتنا تدشين تجربتي، ديوان “عاشق الشمس”. وبما أن الكتاب كان مترجماً إلى الإنجليزية بصورة جيدة على يد أحد الأصدقاء الأعزاء، كانت فرصة لأطلعهما عليه. وما أثار دهشتي أنهما خصصا جلسة كاملة لقراءة بعض نصوصه، غارقين في محاولة فهم التجربة، وكأن شيئاً فيها يصطدم بما اعتاداه من قوالب جاهزة عن الشرق وأهله.

وبرغم فارق السن بيننا، فقد كانا في أوج حماسهما، يحدوهما دافع واضح للتبشير بمعتقدهما. ووجدت نفسي أقارب طريقة تفكيرهما، لا بدافع المجادلة، بل سعياً لفهم ما يحرك شاباً وفتاة يعتقدان أن ما يحملانه يمكن أن يكون سبيلاً لخلاص العالم. وكان في داخلهما شيء من التوتر الذي يعتري من يشعر بثقل المسؤولية أكثر مما يشعر بطمأنينة اليقين. ومع الوقت بدا لي أن جانباً من هذا التوتر متصل أيضاً بالأطر الفكرية التي تشكل رؤيتهما للعالم؛ تلك التي تنبع من خلفية غربية رسخت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مركزية الذات البيضاء ودورها الإرشادي. ولم يكن الأمر تعالياً مقصوداً، بقدر ما كان انعكاساً لتوارث غير واع لمنظومة ثقافية ترى نفسها، تاريخياً، في موقع المُوجه لا المتلقي.

وبسبب خلفيتهما التبشيرية، شرعا في محاولة ترغيبي في قراءة الإنجيل، وكأنهما يؤديان واجباً مألوفاً، لا بقرار نابع من قناعة داخلية. وقد استبد بهما قدر من الدهشة حين أخبرتهما أن بحوزتي نسخة من الإنجيل، وأنني اطلعت على الكثير من فقراته قبل أكثر من أربعين عاماً، كما امتد اطلاعي إلى دراسات مقارنة الأديان. بدا ذلك وكأنه يهز صورة مسبقة في ذهنهما؛ تلك الصورة التي تزعم أن الشرقي لا يعرف إلا ما تربى عليه، وأن الحوار معه يبدأ من نقطة جهله.

كنت أقول لهما، في كل مرة نلتقي، إن محاولة إقناع بعضنا البعض بمعتقد كل منا ليست سوى استنزاف للطاقات، وأن ما يجمعنا من انشغالات أهم مما يفرقنا: الفكر المادي الاستهلاكي، وتسليع المرأة، ومحاولات الإنسان المستميتة لتغيير طبيعته، والنزوع به إلى الشيطنة. وكنت أؤمن أن معرفتنا المشتركة بالبعد الأخلاقي في مسائل الخير والشر، والإنصاف والرحمة، يمكن أن تكون أرضية حقيقية للتفاهم، لا مجرد مساحة مهذبة نتجنب فيها الصدام. لكنهما، في كل مرة، كانا يميلان إلى العودة إلى منطقة اليقين السهل؛ تلك التي تُريح صاحبها لأنها تعفيه من مواجهة الأسئلة التي تهدد بفتح جدار داخلي طالما خشي اكتشاف ما وراءه.

وربما لهذا السبب انقطع التواصل بعد أكتوبر: لأن الحدث كان أكبر من قدرتهما على احتمال ما تحمله الحقيقة من أسئلة لا تمنح أحداً امتيازاً أخلاقياً مجانياً، ولا تترك لأحد ترف التبشير بأفكاره ومعتقداته من دون امتحان عميق للنوايا والمواقف. ولأن ما كانا يحملانه من يقين لم يكن يقيناً شخصياً خالصاً، بل امتداداً لتراث فلسفي كامل تعلم أن يُملي على العالم طريقه، لا أن يصغي لما يكشفه الواقع من هشاشة هذا الامتياز.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى