الموروث الشعري لدى الشاعر عبد الهادي القادود

إعداد د. عبد الرحيم حمدان
الشاعر عبد الهادي القادود، هو واحد من كبار الشعراء المعروفين في مدينة النصيرات بغزة، وعلى امتداد الساحة الثقافية الفلسطينية بأسرها. أسس منتدى شواطئ الأدب الشعري الأسبوعي في مدينة النصيرات، وله العديد من المجموعات الشعرية المطبوعة، والنشاطات الأدبية المتنوعة: من قصة ونقد ومسرحية.
تثير قصائد الشاعر في مجموعاته الشعرية المتعددة قضية الموروث الشعري. والمقصود بالموروث الشعري: هو نسج القصيدة الواحدة على منوال القصائد التي تبنى من الوزن الواحد والقافية الموحدة، إنّ قصائده جلها تسير وفق نمط الشعر الموروث المنسوج على طريقة البحر الشعري الواحد، والقافية الموحدة.
فمن خلال قراءة نصوصه الشعرية يدرك المتلقي، أنها تتحقق فيها كل ما يسعى شعراء الحداثة إلى السير على منواله، في سبيل رسم تجربة شعرية معاصرة، إن الشاعر القادود ينسج القصيدة العربية المعروفة بالغنى والجمال والوضوح الفني، تلك القصيدة التي تنتنمي إلى اللغة الأم، وتستمد منها نسغ الحياة والبقاء.
ففي قصائده تتوافر الوحدة الفنية الموضوعية والعضوية، وهي تستوعب الأدوات والوسائل التعبيرية الحديثة التي يوظفها شعراء التفعيلة في أشعارهم، من بناء معماري متماسك، وصور شعرية جديدة مبتكرة، وتوظيف للآليات السردية في البناء الشعري المعتمِدة على تقنيات السرد الحديثة، وتقنية تعدد الأصوات وعلاقتها بتشكيل الوعي لدى القارئ، واستدعاء الأسطورة، وتبتعد عن التفكيك المتعمد لبنية الجملة العربية ونظامها المعروف، ولا يجنح للألغاز والطلاسم التي لا تكاد تكشف عن فكرة أو معنى، إلى جانب توظيف الأدوات التعبيرية الأخرى في القصيدة، فضلاّ عن توظيف المفارقة بألوانها المختلفة.
فعلى سبيل المثال جاءت الصور الشعرية عنده مكثفة وعميقة، وجديدة مبتكرة ومتفردة، تمتاح مكوناتها من الواقع المعيش، إنه في الغالب الأعم واقع مأزوم، واقع مرير، مرارة الواقع، وضبابية الحاضر وآلامه.
وقد تبدى ذلك في قوله:
سـأبقى برغـمِ الغبـاءِ رســولاً
أسـابقُ طيـشَ المديـنةِ حــافي/
وأمسـحُ دمـعَ السنيـن بحـلمي
إذا عـكَّرَ القرب غيـمُ التجافي/
سـأعبـرُ كـلَّ البيـوتِ حـمـاماً
أحمحمُ رغــمَ الأسـى للزفافِ/
فما زال قلبي خليــل القـوافي/
يشدُّ شـراعَ الرُّؤى باحترافِ.
فبعد قراءة النص الشعري جيدا، وفهم معناه، يسهل على المتلقي استخراج الصور الشعرية ببساطة؛ لإبراز الانزياح وجماليته، وتوظيف التناص بمختلف أنواعه، والرمز داخل القصيدة، فجنح الشاعر لتوظيف الرموز الشعرية بطريقة شفيفة، فأغنت تجربته وأثرتها.
لقد سخّر الشاعر أقصى طاقاته الفنية في هذا المجال، فكان التشخيص والتجسيم والرمز من أهم الوسائل التي تمكّن من خلالها بث الحياة في شخصيات ميتة، وجعل لها إحساسها وتفكيرها وتصرفها، كل ذلك كان يأتي على وفق صورة فنية بالغة الروعة.
فخلف في هذا المجال نماذج جميلة، يستشعر المتلقي من خلالها فعالية الحياة في الجمادات ومظاهر الطبيعة.
تمثل الموسيقى الخارجية والداخلية في الديوان عنصرًا مهمًّا. إن شعر الشاعر القادود تجاوز المعاني المعجمية، واكتسب مدلولات جديدة تمادت مع تجربة الإبداع لديه يقول، مستخدما الخيال:
كـأني والظنون على جيـادٍ
من الأوهامِ نلهثُ في خلاءِ.
ومن يتأمل أبياته الشعرية السابقة، يكتشف أن ثمة روحا فلسفية تغلف روحها، إذ يلمس المتلقي أن ثمة حكمة ناضجة في جنان شعره تدير المشاهد الشعرية بهدوء وتؤدة . فهو في شعره يتجاوز السائد المألوف، إنه لا يسعى إلى جلب التصفيق في الاحتفالات والمناسبات، ولغة الخطابة في القصيدة الشعرية، حتى وإن كانت مناسبة وطنية أو خطبة ثورية.
يقول في قصيدة “فراشات الأبد”:
حرق الغزاة ديارنا حتى غدا/
كحل النساء على محطات الرمد.
وقتلوا حمام السّلم، هدوا أمننا/
بل أقبلوا من كل حدب بالزرد
نقاتل الدنيا بوعي جدودنا/
فتروح رغم الجرح تلهج بالصّمد
(ديوان ساقية الدموع: ٣٠، ٣١).
فالشاعر “القادود ” شاعر رقيق اللفظ، مرهف الحس، يختار موسيقاه بعناية تتناسب مع دفء وجدانه.
ومن خلال قراءة نصوصه الشعرية، يتبين أن الشاعر استخدم البحور الشعرية وقوتها ليُسقط عليها مشاعره وأحاسيسه، وما كان يجول في أعماق نفسه من رؤى وأفكار.
فالشاعر عادة ما يلقي في أشعاره بنفثة شعورية دافقة سريعة في قالب موسيقي رشيق. لقد خلقَ الشاعر اندغاماً نفسياً بينه وبين المتلقي عن طريق موسيقى صوره الشعرية التي هي أساس كل نص شعري، لقد كوَّنَ من خلال نصوصه صورة من الاندغام بين مظاهر التناسق اللغوي والإيقاع الشعري.
إنه يتوسل الشعر إلى كل جديد في المعنى؛ ليرفع من قيمة القصيدة، ومن قيمة الذات الحالمة بغدٍ أفضل برؤية إنسانية.
والحق أن تجربة الشاعر القادود تجربة حافلة وزاخرة بالإبداع والتفرد،
ففي أشعاره تتجاوز القصيدة بعدها الفردي؛ ليلمس بصدق أزمة العالم المعاصر: طغيان الزيف، وانهيار القيم، يقول:
أعيرونا صباحا دون دمع/ نغادر فيه أوجاع الديار .
وفي عديد من المرات يوغل الشاعر في جلد الذات حينًا، وفضح المجتمع حينًا آخر. ومع ذلك، لا ينزلق إلى اليأس المطلق، بل يقلب الحزن إلى عزيمة، والألم إلى أمل.
وهو يميل إلى توظيف اللغة الشعرية الموحية العريقة، اللغة الرائعة الغنية بالدلالات والمشحونة بالإبداع الحقيقي، فضلاً عن
الانزياحات اللغوية في أشعاره. هذا بالإضافة إلى أن السرد في مجموعاته الشعرية قد صيغ بلغة دلالية عالية وبسيطة وسليمة.
تبين للمتلقي أن شعر الشاعر الموروث قد استوعب الوسائل والآليات التعبيرية التي أنتجها شعراء الحداثة، وأن الشعر الموروث يتماشى مع ما يستجد من الأدوات التعبيرية، وأنه قادر على مواكبة التيارات الشعرية المستحدثة، وكشَف أن العجز لا يلصق بالشعر وإنما بالشاعر.
إن أهمية الشاعر القادود تكمن في قدرته على تملك ناصية الكلمة، ومنحها مقدرة خصوصية لخلق عالم جمالي، ينتصر للحياة، بالحب على الموت، ويقدم قضيته عبر أدواته الشعرية والسردية، كجزء أصيل من قضية الإنسان عموماً، وامتحان لمدى مقدرة البشرية في تحقيق العدالة الإنسانية في مواجهة أعداء الحياة والجمال في كوكبنا الأرضي.
لقد كتبنا في مقال سابق عن ديوان الشاعر (ساقية الدموع ) فقلنا:
“لقد وفق الشاعر أيما توفيق في جعل النمط الموروث من الشعر الملتزم بالوزن الواحد والقافية الموحدة باقتدار واحتراف قادراّ على حمل وجهة نظره بطريقة معاصرة تنسجم مع تجربته الشعرية والفكرية”.(مفهوم الشعر في ديوان”ساقية الدموع).
وأخيرًا، فإننا أمام شاعر له مكانته الثابتة في عالم الشعر والأدب.
أتمنى له التوفيق والسداد، ودوام الاستمرار وروعة العطاء، والاستمرار في إبداع الشعر الموروث، فشعره يستحق الدراسة والبحث والتأمل، فهو الشعر الذي ينسجم مع ذائقة الإنسان العربي الأصيل.


