قناديل الصبر في زنازين القهر: عن أسرانا ووجع “رمضان” خلف القضبان

بقلم : سارة بنسعيد-كاتبة مغربية (فريق البوصلة)
أطل علينا هلال شهرِ رمضان المبارك، وبينما تزدانُ بيوتُ المسلمينَ بالأنوار وتجتمعُ العائلاتُ على موائدِ الإفطار، ثمةَ زوايا معتمة في “مقابرِ الأحياء” لا يزورُها الضياء، ولا يعرفُ قاطنوها من بركةِ الوقتِ إلا ما يفرضه الجلادُ من ألم وحرمان. هناك، في غياهبِ سجونِ الاحتلال، يرتفعُ أذانُ المغربِ في صدورِ أسرانا البواسل غصّةً وعزماً، حيثُ يُعجنُ الصيامُ بمرارةِ الظلم، ويُسقى الصبرُ بملحِ الدموع، في مواجهةِ آلةِ سحقٍ بشريةٍ لا تستهدفُ الأجسادَ فحسب، بل تسعى جاهدةً لتجريدِ الإنسانِ من ملامحِ إنسانيتِه.
مسلخ الكرامة: عار الإنسانية في سجون الاحتلال
لم تعد السجون مجرد أماكن احتجاز، بل استحالت إلى ما تصفه التقارير الدولية بـ “معسكرات تعذيب” منهجية. إن ما يواجهه أسرانا اليوم يتجاوز حدود الوصف؛ فمنذ أكتوبر 2023 وحتى مطلع عام 2026، تصاعدت وتيرة التنكيل لتصل إلى حد “الإبادة الصامتة”.
بالأرقام الموثقة: تشير إحصائيات “هيئة شؤون الأسرى” و”نادي الأسير” حتى فبراير 2026 إلى أن عدد الأسرى في سجون الاحتلال تجاوز 9300 أسير، من بينهم ما يزيد عن 3400 معتقل إداري يقبعون خلف القضبان دون تهمة أو محاكمة، في استعباد قانوني ترفضه كل المواثيق الدولية.
شهداء تحت التعذيب: ارتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ بدء حرب الإبادة إلى 88 شهيداً (حتى منتصف فبراير 2026)، قضى أغلبهم نتيجة التعذيب الوحشي أو الإهمال الطبي المتعمد، فيما لا يزال الاحتلال يحتجز جثامين العشرات منهم في “مقابر الأرقام”.
ونحن نستقبل هذا الشهر المبارك الذي يُفترض أن يكون شهراً للرحمة، يطل علينا الجلاد بتهديدات صريحة بجعل حياة الأسرى جحيماً مضاعفاً. لم يكتفِ الاحتلال بسياسة التجويع الممنهج التي أدت إلى فقدان الأسرى لعشرات الكيلوجرامات من أوزانهم وانتشار الأمراض الجلدية كـ “السكابيوس” بنسبة 100% في بعض الأقسام، بل تصاعدت الدعوات السياسية داخل الكنيست لإقرار “قانون إعدام الأسرى”.
إن التلويح بالإعدامات الميدانية والمحاكمات الصورية المتسارعة بحق أسرى غزة والضفة، تزامناً مع قدوم الشهر الفضيل، ليس إلا محاولة بائسة لكسر إرادة شعب يأبى الركوع. إنهم يقتلون الأسير مرتين: مرة بالتعذيب الجسدي الذي وصل حد استخدام الكلاب البوليسية والصعق بالكهرباء (كما وثقت شهادات أسرى معسكر سديه تيمان)، ومرة بمحاولة شرعنة قتله تحت مسميات قانونية باطلة.
إن ما يحدث لأسرانا ليس شأنا فلسطينيا داخليا بل هو اختبار لضمير البشرية جمعاء. فكيف يصمت العالم عن “أسرّة الموت” التي يُربط إليها الأطباء والصحفيون والنساء والأطفال؟ وكيف تمر تقارير “الأمم المتحدة” و”منظمة العفو الدولية” التي تصف هذه السجون بـ “الغوانتنامو الجديد” دون تحرك فعلي للجم هذا الطغيان؟
صرخة إلى ضمير العالم
حرب على الملة والاعتقاد
إن ما يحدث لأسرانا ليس مجرد انتهاكٍ لحقوق الإنسان، بل هو فصل دنيء من فصول الحرب الشاملة على الإسلام والمسلمين أجمعين. إن استهداف الأسرى في شعائرهم، ومنعهم من الصلاة، وتعمّد إذلالهم في شهر رمضان، واختلاق قوانين الإعدام تزامناً مع أقدس شهور المسلمين، ليس إلا محاولة للنيل من صمود “الإنسان المسلم” المعتز بدينه. إنهم لا يحاربون أجساداً مكبلة، بل يحاربون فيهم “عقيدةً” لا تقبل الانكسار، و”سجوداً” يراه السجان تهديداً لغطرسته. إنها مواجهةٌ بين فئة آمنت بربها فزادها هدى، وبين احتلالٍ يرى في تصفية هؤلاء الأبطال انتصاراً على روح الأمة ورمزية مقدساتها.
ختاما، إن رمضان أسرانا هو صيامٌ عن الخنوع، وإفطارٌ على يقين النصر. وإن كانت الزنازين موصدة، فإن أرواحهم تحلق فوق أسوار “جلبوع” و”نفحة” و”النقب”، تذكرنا بأن القضية هي قضية أمة، وأن الحرية ثمنها من دماء الأحرار، وأن كرامة المسلم أسمى من أن ينال منها سجانٌ أو يمحوها قيد.


