نساء الحرب… ذاكرة تُكتب بأصابعهن

بقلم: فاطمة عثمان محمد مصطفى-كاتبة سودانية
نساء الحرب… ذاكرة تُكتب بأصابعهن
في الخرائط العالمية تُشار إلى مناطق الحرب ببقع حمراء باهتة وكأنها مجرد مساحات على ورق جامد، لكن في قلب النساء الحرب ليست إشارةً ولا حدودًا بل تفاصيل يومية تحفر على الأجساد والذاكرة. النساء في زمن النار ينسجن تاريخًا آخر لا يُكتب في الاتفاقيات ولا يُعلن في نشرات الأخبار تاريخًا يصنع من فتات الحياة مقاومة صغيرة لكنها أكثر صدقًا وعمقًا من الشعارات.
المرأة السودانية: بين البارود والثوب الأبيض
في السودان الحرب لم تقتحم البيوت بل أحرقت فكرة البيت نفسها. النساء اللواتي وجدن أنفسهن في معسكرات النزوح أو على الطرقات الممتدة من الخرطوم إلى بورتسودان حملن أطفالهن بيد وبالأخرى جررن ما تبقى من حياة مطوية في حقيبة. في دارفور هناك من تنسج السعف لتبيع قطعة صغيرة تُطعم بها أبناءها، وفي الجزيرة تحوّل الخبز القليل إلى وجبة جماعية تقيم فيها فكرة التضامن أكثر من الشبع. وفِي الملاجئ ارتدين الثوب السوداني كما لو كان قطعة فاخرة تُعرض على بساط أحمر وكانت رائحة (الخمرة) السودانية والكحل الأسود المتمرد على الدموع جزءًا من إعلان البقاء.
هذه النساء أنجبن في الطرقات والمخيمات فقدن الأزواج وصِرن أرامل لكنهن لم يتراجعن، واصلن المسيرة كأمهات وآباء في آن واحد. تضحك إحداهن في مجلس الجبنة وهي تستعيد ذكريات نضالها ضد الدكتاتوريات وتطلق زغرودة صغيرة تُشبه صفارة النصر ولو بابتسامة باهتة. وتتجلّى مقاومة المرأة السودانية في إبداعها اليومي، أحبّ السودانيات الغناء والرقص فهما أصلهن من الموسيقى، يؤدين رقص الكرنك بإيقاع أنثوي أصيل يعبر عن صمودهن وروحهن الحرة. ورغم المأساة تجدهن يزينن أنفسهن بالسّكسك والخرز وقرط القمربوبا ليصبحن لوحة حية من التراث والجمال. وهن يغنين للسلام والمحبة ليوقفن الحرب بلا دموع بلا صوت رصاص بل بأصواتهن وأجسادهن التي تحكي مقاومةً صامتة لكنه مؤثر، مقاومةً تتحدى العنف وتؤكد على الحياة. نساء يخلقن من الهشيم حياة جديدة كأن الحرب لم تنجح في كسرهن بل في كشف صلابة لا تُرى إلا عند الامتحان.

المرأة الفلسطينية: بين المفتاح والركام

في فلسطين الحرب ليست حدثًا مفاجئًا بل إيقاع يومي، النساء هناك يتقنّ الانتظار كما يتقنّ إعداد الخبز على نار صغيرة في بيت بلا جدران. تحمل الأم ابنها على كتفها وتجري بين الأزقة تحت القصف ثم تقف في المساء لتروي لأطفالها حكاية عن القدس حكاية لا تنتهي بالدمار بل بالأمل. كل بيت يُهدم يصبح مدرسة صغيرة في الذاكرة وكل شهيدة تتحول إلى أيقونة في أغاني الجدات. الفلسطينيات يُصررن على البقاء كأن أجسادهن صارت امتدادًا للأرض نفسها. تظهر المرأة بين الركام مرتدية الكوفية الفلسطينية كإعلان وجود. وثوبها المطرز وأغانيها الشعبية تمسكها بالهوية والتراث وتُجسد بذلك مقاومة ثقافية تُضاف إلى نضالها اليومي. إنها صورة حية للمقاومة التي لا تقتصر على السلاح، بل تتجسد في كل تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية. تجدها تحمل مفتاح البيت كقلادة على صدرها رمزًا للوصية: (لا تفرّطوا في فلسطين) في كل خطوة تُجسّد المرأة الفلسطينية وعدًا للأجيال أن الأرض لا تُنسى وأن العودة ليست حُلمًا بل عهدًا.
سوريا: النساء بين الأنقاض والحياة
وفي سوريا الحرب أخذت شكلًا آخر، مدن تحولت إلى أنقاض ونساء يعشن بين فقدٍ متكرر. في حمص وحلب وريف دمشق لم تعد الحرب حدثًا استثنائيًا بل خلفية طويلة للحياة. النساء هناك يخبزن على الركام يدرّسن في بيوت نصفها مهدّم ويزرعن على أطراف الطرقات. كثيرات أصبحن المعيل الوحيد بعد فقد الأزواج والإخوة فتغيرت أدوارهن قسرًا وصِرن يقمن مقام الدولة الغائبة والعائلة الممزقة. وسط الرماد تُعيد النساء بناء معنى العائلة حتى وإن لم يستطعن إعادة الجدران. وسط يوميات الحرب حيث تتغير الحياة بسرعة بين الخوف والانتظار تجد لحظاتها الصغيرة من المقاومة. في مقهى صغير أو عند ركن دافئ في المنزل، تتناول الشاي أو القهوة، وتستمع إلى أغاني الفنانين السوريين مثل صباح فخري، ميادة الحناوي، وأصالة. هنا بين الرشفات والأصوات تصنع المرأة لحظة صمودها الخاصة لحظة مقاومة يومية تذكّرها بأنها لم تستسلم وأن روحها ما زالت حية رغم كل شيء.
أوكرانيا: الغربة امتحان آخر للنساء
أما في أوكرانيا فالحرب الأوروبية الباردة التي تحولت فجأة إلى نار قريبة وضعت النساء أمام امتحان لم يكن في حساباتهن، فالأمهات اللواتي ودّعن أبناءهن على الجبهات وجدن أنفسهن يقمن بدور الحارس والخباز والمعلم في آن واحد. صورهن وهن يعبرن الحدود إلى بولندا ورومانيا بأطفال يحملون دمى قديمة ودفاتر مدرسية ممزقة صارت رمزًا لحرب لم تعد بعيدة عن أوروبا المتحضرة. النساء الأوكرانيات يواجهن السؤال ذاته:
كيف نصنع بيتًا في الغربة وكيف نحمي فكرة الوطن من الذوبان؟
الكونغو: حين يتحول الجسد إلى ساحة مقاومة
في الكونغو الحروب الممتدة منذ عقود لم تُكتب في الإعلام العربي كثيرًا لكن النساء هناك يحملن الذاكرة في أجسادهن. العنف لم يكن فقط قصفًا بل اغتصابًا ممنهجًا استُخدم كسلاح. ومع ذلك حولت النساء أجسادهن من ساحة حرب إلى ساحة مقاومة. أسسن جمعيات صغيرة لتعليم البنات وحوّلن الألم إلى عمل جماعي يوصل رسالة أبعد من حدود بلدهن: أن المرأة حين تنهض من جرحها تكتب تاريخًا جديدًا.
نساء العالم: وجوه واحدة للحكاية
ورغم اختلاف الأمكنة هناك خيط واحد يجمع نساء السودان وفلسطين وسوريا وأوكرانيا والكونغو:
كلهن يواجهن الحرب بصبر لا يخلو من الإبداع، لا يملكن رفاهية الاختباء خلف التحليلات السياسية بل يواجهن النار باليد العارية والقلب المثقل. كثيرًا ما يُكتب عن الحرب من زاوية الجيوش والاتفاقيات لكن الحرب الحقيقية تُرى في المطبخ الخالي إلا من قليل دقيق في الأم التي تعلّم ابنها الحروف على جدار مهدّم، في المرأة التي تبيع بضع حبات فول لتشتري دواءً لأختها. هذه التفاصيل الصغيرة لا تجد مكانها في نشرات الأخبار لكنها الذاكرة الحقيقية للحرب.
بالنسبة لي كامرأة سودانية شهدت الحروب تتكرر كظل ثقيل على حياتنا أدرك أن النساء يكتبن تاريخًا آخر غير الذي يُسجل في المؤتمرات أو يُوثّق في كتب السياسة. تاريخ مكتوب بخطوط الحناء على الأيدي بنقوش السعف على الحصير وبأغاني الجدات التي تحاول أن تغطي على أصوات الرصاص.
نساء الحرب لا ينتظرن نهاية المعركة ليبدأن من جديد. إنهن يبدأن من قلبها من تحت الأنقاض من بين الطوابير الطويلة ومن أوجاع النزوح. يعلّمن العالم أن المقاومة ليست دائمًا بندقية بل قد تكون رغيفًا مشتركًا أو أغنية تبقي الذاكرة حيّة أو يدًا صغيرة تمسك بالحياة رغم كل شيء.
تلك النساء لسن بطلات في كتب التاريخ لكنهن أعمدة البيوت المهدّمة وأغاني الصبر في ليالي الخوف. يزرعن في الخراب بذورًا صغيرة من الفرح ويجدن في الغناء وسيلة لترويض الحزن.
تقول إحداهن: (نحن لا نملك رفاهية الانهيار فحين نسقط من يحمل الأطفال؟) جملة واحدة تلخّص فلسفة البقاء في وجه العدم.
وفي كل مرة تندلع حرب جديدة تعود النساء إلى الواجهة بصمتٍ نبيل، يخبئن الدموع في أطراف الثوب ويواصلن السير. لا وقت للبكاء حين تكون الذاكرة في خطر فالنسيان هو الهزيمة الكبرى.
إن كتابة التاريخ من منظور النساء ضرورة لأن ما يُكتب عن الحرب غالبًا ما يكتبه المنتصرون أو القتلة أما النساء فيكتبنه بدموعهن وابتساماتهن الصغيرة.
حين تتوقف الحرب يبقى سؤال واحد معلّقًا في الهواء: من سيحكي عن اللائي لم يحملن البنادق لكنهن أبقين الوطن حيًا؟



