ثقافة

قراءة موجزة في قصيدة: “فصل من عيون مولاتي” للشاعر يوسف أبو ريدة 

قراءة موجزة في قصيدة: “فصل من عيون مولاتي” للشاعر يوسف أبو ريدة

بقلم: عباس مجاهد 

جاءت القصيدة في سبعة عشر بيتا من الشعر، وهي قصيدة غزلية، وأبو ريدة يكتب شعره كما يريد، ويحسن إعادة إنتاجه بصور فنية وألفاظ جزلة دالة.

وعلى صعيد البنية اللغوية أحكم على القصيدة بالتشابك وجودة التصوير، فكثرت التشبيهات وألفاظ الحركة على مستوى البيت الواحد، يقول:

فإذا مسحت على الجفون بقبلة فاضت عطور الفل والريحان.

نلاحظ أن التشبيه في قوله: “فاضت عطور الفل والريحان” وألفاظ الحركة الظاهرة ( مسحت، فاضت) والحركة الخفية لتوابع القبلة قد تفاعلت مع المعنى، وجاء جواب الشرط لتحقيق جمال التشبيه وتقريبه مع صدر البيت، فهي لغة عجيبة اكتسبت قوتها من المشهد الحسي المتمثل في مسح الجفون، وفيضان العطور، وليزداد الجمال في تسليط الضوء على المعاني النصية العميقة للمفردات الداعمة لها، فكل مفردات القصيدة تتحول في النص من معانيها المعجمية إلى معانيها السياقية المتفجرة بالرقة والليونة.

وأبو ريدة شاعر مثقف صقلته التجربة، فقد ارتبط باللغة من زمن، ساعده هذا الارتباط على تكوين رؤية شاملة، ولعل الظروف التي عاشها ساعدته في تطور الجانب الفني في قصائده، ومما يلفت النظر في قصيدته اعترافاته التي تعبر عن النسق النفسي عنده، يقول: (ونظرت منبهرا لكحل عيونها/ أقوم أشكر سطوة السجان/ ووجدت نبض القلب يهتف باسمها…)

الناقد الأدبي أحمد الشايب سأل ذات يوم: هل يجب على الأدب أن يصور الحوادث والأشياء كما هي في الحياة، فيكون صورة مطابقة لما يجري حولنا؟

أقول: إن قصيدة أبو ريدة أجابت الشايب فقد تجاوزت الخيال وقواعد الحياة ونظم الطبيعة في صورها الشعرية، وفي الوقت نفسه ببراعة الحاذق جعل هناك خيوطا مع الواقع، وطرفا يربط بين علاقة المشبه بالمشبه به، يقول:

ولجفنها لغة كأن طباقها معنى الجناس برقة الألحان.

فقد أدرك أبو ريدة أن الفن الشعري ليبقى عليه أن يأتي بالجديد من خلال علائق الألفاظ بعضها ببعض، ومن خلال استقطاب مشبه به مقترح وجديد لا تقليدي، فهو في قصيدته لم يعرض الأشياء كما هي بل بحث على بث الروح فيها من خلال ألفاظ غنية مؤثرة في نفس المتلقي، فقد جعل لجفن المحبوبة لغة، ولكن ليست لغة عادية بل لغة راقصة في موسيقا جناسها ورقة ألحانها.

وجاءت هذه القصيدة تعبيرا عن انفعالاته الخاصة، فهو شاعر استطاع أداء عاطفته بأسلوب فني، ووضعها في عبارات لائقة فخمة، والقارئ الجيد لقصيدته يقول: ليست عاطفته صدرت عن نفسه فحسب، بل تأثرت مع كل بيت وفي كل صياغة، فكان الشاعر صادق العاطفة، واستطاع تصويرها ونقلها للمتلقي، فهي عاطفة ذاتية وإنسانية في الوقت نفسه، يقول:

ولبسمة العينين فطرة عاشق متفنن في المنح والحرمان.

وجاءت موسيقا القصيدة على البحر الكامل، وهو بحر مليء بالحركات، وهو بحر رقيق في الغزل تحسّ فيه صوت الأجراس إلى جانب الرقة والفخامة في الألفاظ، وهو بحر يعتمد التفعيلة الواحدة هي (متفاعلن) وتكرارها ست مرات في البيت حقق وحدة إيقاعية للنص، ومما زاد من الإيقاعية الزحافات والعلل في التفعيلات، فكلما دخلت الزحافات والعلل تجعل الانتقال من التفعيلة الأقل للأكبر وهي يمثابة نوتة موسيقية تجذب سمع المتلقي، فالأذن تألف هذا، يقول:

للكحل في/ جفن الحبي/ ب طقوسه
متْفاعلن / متْفاعلن / متَفاعلن.

في مقلتي/ وحشاشتي / وكياني.
متْفاعلن / متَفاعلن / متَفاعل.

ومما زاد من الإيقاعية في القصيدة إلى جانب الوزن والروي النون المحسنات البديعية كالطباق في قوله: (المنح والحرمان) والجناس في قوله: (غضارة ونضارة) ومما زاد من الإيقاعية إيقاع الألفاظ كقوله: (انشغلت أكون مشغولا) ، وإيقاع الحروف كالأصوات الصفيرية ( طقوسه، حشاشتي، أشكر، مسحت، سوسن، سمتها، بسمة…) لاحظ ما حققته أصوات الشين والسين على مستوى الإيقاع الداخلي المتكامل مع المعنى.

قراءة موجزة وسريعة هدفها بيان القدرة الهائلة التي يتمتع بها أبو ريدة على إبداع أنماط متطورة من دلالة الألفاظ عن طريق الانحراف بها عن معانيها المباشرة، فمن الصعب التعرف على معاني الألفاظ عنده من خلال معرفة معجمية دون الاعتماد على السياق التي تأتي به المفردة، وضمن البناء الكلي للقصيدة، وأخيرا أقول: إن أبو ريدة شاعر إنساني وغنائي بامتياز فهو في كل شعره ينشد وهو يتألم مرة، ويحلم مرة أخرى، ويثور في ثالثة، ويسخر من الواقع في رابعة…وشعره يستحق الدراسة والوقوف عنده، وفيه مادة وفيرة لدارسي الماجستير والدكتوراه.

ونص القصيدة:

فصل من عيون مولاتي

وسعت جمال الكون حين تبسمت…فطغى بها رمش الحلا ورماني
،
ونظرت منبهرا لكحل عيونها…ذاك الذي بسواده أحياني
،
فذهلت كم لفظ يحيط بطرفها…وهو المحيط بأحرفي وبياني
،
سعة، ووهج غضارة ونضارة…وتدفق كتدفق الغدران
،
ترنو فتخضر الحياة بأضلعي…وتقوم تحفظ قولها أجفاني
،
رمش كنبت السرو يخفق في دمي…وكأنه بجنونه يلقاني
،
ولجفنها لغة كأن طباقها…معنى الجناس برقة الألحان
،
فإذا التفتُّ وقد سرحتُ فجاءة…وتصادفت عند اللقا العينان
،
عصرت جمال الكون في نظراتها…فرشفتُ أعواما من الهذيان
،
فإذا انشغلتُ أكون مشغولا بها…وإذا ذكرتُ…لطرفها الفتان
،
للكحل في جفن الحبيب طقوسه…في مقلتي وحشاشتي وكياني
،
يسطو بحضرته وعند غيابه…وأقوم أشكر سطوة السجان
،
فإذا مسحت على الجفون بقبلة…فاضت عطور الفل والريحان
،
وهمت على ثغري حدائق سوسن…وسحائب من سَمْتها الرباني
،
ولبسمة العينين فطرة عاشق…متفنن في المنح والحرمان
،
فإذا التقت عند المدى نظراتنا…أحيت جمال الكون في شرياني
،
ووجدت نبض القلب يهتف باسمها…ويقول جفن حبيبتي أحياني

زر الذهاب إلى الأعلى