ثقافةمقالات

“طرف من خبر الأيام” ذروة مدهشة للقصة القصيرة 

“طرف من خبر الأيام” ذروة مدهشة للقصة القصيرة

بقلم: رجب أبو سرية/ أديب فلسطيني 

يفضل أن يجري تناول المجموعة القصصية “طرف من خبر الأيام” الصادرة حديثا عن دار العين, للروائي/القاص المثقف جمال زكي مقار, بروح التفكيك, للوقوف عند مكانة هذه المجموعة بين مثيلاتها العربيات, وحتى في حقل القصة القصيرة العالمية, وحقيقة الأمر أن فن القصة القصيرة يجب التعامل معه هكذا, من حيث أنه فن جميل, يظهر مهارة السارد التقنية بالدرجة الأولى, حيث يمكن القول بشيء من المجازفة, بأن الحكواتي قد يعجز عن إبداع قصة قصيرة مدهشة, رغم أنه قد يكون قادرا جدا, على سرد الحكايا, ففن القصة القصيرة ليس مجرد سرد حكائي, بل هو فن له فنياته وتقنياته التي تختلف تماما عن كل حقول السرد التي يتقاطع معها في استخدام تلك الأداة, نقصد بالتحديد فني الرواية والمسرحية.

أولا لابد من القول بأنه من الجرأة بمكان أن تكتب القصة القصيرة, هذه الأيام في زمن الرواية, بل في الوقت الذي يكتب فيه العرب كل يوم مئات النصوص الروائية, التي تملأ الدنيا, ثم أن تكتب القصة القصيرة, كمبدع مخلص لهذا الفن, أي بعد تجربة طويلة في كتابة الرواية_ حيث اعتاد بعض الروائيين العرب على النظر إلى القصة القصيرة كفن من درجة أدنى من الرواية, أو أنها في أحسن أحوالها مجرد “بروفة” يتدربون من خلال كتابتها على كتابة الفن السردي, أي أنهم يتحولون بعد كتابتها إلى كتابة الرواية, حيث يعزفون عن كتابتها بعد ذلك_ يعني أن تقتحم تخوم المجازفة, وتسبح عكس التيار.

وفي كتابة القصة القصيرة, يمارس المبدع هوايته في التجريب والتحليق, فهي على غير الرواية, لا تتطلب إطارا مكانيا بالذات, أي أنه حتى الكتاب الملتزمين, يظهرون قدرا واضحا من الالتزام بالقضايا العامة والمجتمعية عند كتابتهم للرواية, بينما يمارسون “اللهو” واللعب باللغة والتكنيك, عند كتابة القصة القصيرة, التي لا تحتاج إلى “وعي أعلى ” في كتابتها, وإن كانت تحتاج إلى مهارة خاصة.

وروح التفكيك تعني أن نتوقف عند عناصر القصة القصيرة الأساسية, أي الحدث, السرد, الشخصيات, الفضاء أو المكان إن وجد, كذلك الحبك, والتشويق ثم الإدهاش. وكل هذا تجده في هذه المجموعة, لذا هي احتلت _بتقديرنا_ موقعا متقدما على رف القصة العربية المعاصرة. وقد تصدت للمجموعة لمعالجة التضاد الناجم عن التقدم في “الأتمتة” مقابل التلاشي للقيم والأخلاق الإنسانية, بحيث يمكن القول بأنها تنتمي لقصص الخيال العلمي, بل يمكن للبعض أن يعدها مجموعة خيال علمي بامتياز.

العنوان: على طريقة التقليد يحمل عنوان القصة التاسعة, وفي ذلك تقليد قصصي بالطبع, وكان الأفضل أن يحمل عنوانا جامعا, ينسجم مع الوحدة النصية, مثل ميكا والبشر, فهذه المجموعة القصصية تضمنت أربعة عشر قصة, كانت الثمانية الأولى منها تنتمي لعالم مستقبلي يعيش فيه البشر مع الكائنات الآلية, فيما جاءت الست التالية ضمن فضاء آخر, انقلبت فيه العلاقة بين البشر والقردة, ورغم ذلك كان يمكن أن يطلق على المجموعة عنوان من روح أو الخط العام للقصص, يدل عليها كلها, خاصة وأنه يمكن اعتبارها قصصا حداثية, ليس من اللائق أن تكون معاجلة الموضوع الحداثي بأدوات أو تقنيات تقليدية.

الوحدة النصية: وقد تمتعت هذه المجموعة بوحدة نصية, وهذا أمر نادر الحدوث في المجموعات القصصية عادة بما في ذلك المجموعات القصصية العالمية, (وهذه المجموعة بالمناسبة يمكن اعتبارها قد دخلت المستوى العالمي في كتابة القصة القصيرة, نظرا لكتابتها بإحكام ولتوفر العناصر الأساسية, ولما أحدثته من تجديد, ولما احتوته من مضمون إنساني) ولكن وفق قسمين, الأول شمل القصص الثمانية الأولى, والثاني يمكن تحديده بالقصص الست التالية, والمجموعة جاءت في أربع عشرة قصة, كما أشرنا حيث تقاطعت القصص الثمانية الأولى في فضاء تحدد زمانه بالمستقبل, والزمن هو بطل رئيسي في هذه القصص, من حيث كونه يحدد فضاءاتها, بل وعقدة النصوص, التي يدور حولها الحبك السردي. فوحدة القصص, سببها وحدة الزمن, لكنها ليست فصولا روائية, بل مشاهد متعددة من لوحة. هناك قسمان: الأول الميكا والبشر, “القصص الثمانية الأولى” والثاني بعد الحرب الكونية حيث تبدلت مكانة البشر والقردة. والوحدة النصية, لم تتأتى فقط بسبب وحدة موضوعات القصص, أجوائها ومناخاتها وحسب, بل تعود أيضا بذلك للترتيب القصصي الذي اعتمد على التراتب, بحيث بدت القصص كما لو أن كل واحدة تكمل التي قبلها, بل إن هناك قصصا اشتركت مع من كانت قبلها بنفس الشخوص, وتابعت الحدث كما لو كانت قصة واحدة في جزأين أو أكثر, مثل قصتي “كنجو الأول” و”كنجو والسرير”.

المكان: كما أشرنا ليس هناك مكان محدد, يدل على مجتمع بعينه, ذلك أن الزمن يقع في المستقبل, تحديدا مستقبل المجتمع البشري كله, والمكان بتفاصيله ودالته ليس ضروريا كما هو معروف في القصة القصيرة, لكن رغم ذلك حضر هنا الفضاء القصصي, وحتى تفاصيل مكان أي جغرافيا ولكن غير محددة كدولة أو بلد, ظهرت شقق على الدور 1500, والكهوف والغابات, الجبال والشوارع, وحتى السيطائرة, أي السيارة التي تطير.

الزمان: في القسم الأول, مستقبلي, وما من مكان محدد, ولكن هناك فضاء عالمي, وكأن المتجمع في عصر العولمة, لم يعد هو المجتمع الوطني أو القومي المنغلق على ذاته, يدل على ذلك الاستخدام الدولي للتكنولوجيا, والتحكم المركزي بالسيطرة على العالم, والذي جاء صريحا في نصوص هذه المجموعة, من خلال القول بمجلس السيطرة, الذي تحكم بالأفراد والكائنات الآلية, أو الريبوتات, التي تحولت مع مرور الوقت, أو الزمن السردي إلى كائنات ذكية, كما لو صارت بشرا, وكأن مجلس السيطرة العالمي صار هو إله عصر ما بعد الحداثة, في ظل العولمة, حيث قام بتحويل المجتمعات البشرية على الكرة الأرضية إلى عالم واحد بعد أن اقتحم حدود الدول والمجتمعات بل والعوالم الأخرى, فارضا عليها نموذجه بقيمه المحددة, وهكذا صارت قيادة العالم مركز سيطرة كوني.

هنا يمكن القول بأنه ليس نتيجة التقدم التكنولوجي فقط, ولكن بسبب مركزة السيطرة العالمية, وفي ظل التطور التكنولوجي, يظهر مجتمع مختلط بين البشر, والكائنات الآلية, أو الريبوتات, والتعايش بين هؤلاء وأولئك يعني أن يتم “تشييء” الإنسان, مع أنسنة الكائن الآلي في نفس الوقت, ويؤكد ذلك وقوع العلاقة الحميمية بين كائن بشري “رجلا كان أو امرأة” وبين الكائن الآلي, ذكرا كان أو أنثى. بحيث تصبح العلاقة آلية إلى حدود بعيدة.

لكن مع التطور التدريجي لذلك المجتمع المختلط, يمكن أن يحدث الانقلاب بين الطرفين, أي تظهر العواطف الإنسانية عند الآليين, فيما تختفي عند البشر, وهذا ظهر جليا كتحذير_ربما , عندما نشبت الحرب بين الطرفين, بعد لجوء الآليين للإضراب, وانتهت باستسلامهم, لأنهم صاروا أكثر “إنسانية” من البشر.

أما القسم الثاني, فهو مستقبلي ولكن بالاتجاه المعاكس, وكأنه يعيد الحياة الإنسانية إلى ما كانت عليه قبل آلاف السنين, وهنا كان يمكن أن يضع الكاتب شخوصه في إطار الماضي وفق رؤية داروين, لكنه كان سيحاسب, وفق منطق التاريخ المتحقق, على أي حال لم يكن الزمن وقتا محددا, بل كان رؤية فانتازية, لا يسأل عنها الكاتب ولا يحاسب.

الحدث: كل القصص بنيت على حدث خاص بها, وكان واقعيا, بمعنى انه وقع خارج حدود الذهن, وخارج حدود المخيلة, لذا لم يكن السرد المرتبط به, أنشاءً لغويا, مملا, بل على العكس غالبا ما كان الحدث متشابكا مع تفاصيل ومشتبكا مع مكوناته, ليمنح النص إيقاعا مناسبا, وكان حاملا للتشويق الذي امتلأت به نصوص المجموعة, بما حقق تجاوزا لشعور القاريء بملل محتمل, جراء تشابه موضوعات القصص, التي منحتها الوحدة النصية ترابطا أوحى للبعض بإمكانية كتابة المجموعة كرواية, بل وقرأها البعض بمنطق الرواية , وقام بتحليل المحتوى منها ومناقشتها على ذلك الأساس, كما أشرنا.

وغالبا ما كان الحدث يبدأ قويا منذ الجملة الأولى, أي دون تقديم إنشائي زائد, وقد ظهر ذلك منذ المقطع الأول للقصة الأولى, التي بدأت بمشهد حميمي بين الرجل البشري والميكا الأنثى التي يملكها, بعجزه عن بلوغ الذروة, لأنها لم تعد تبادله المشاعر التي كانت تصل به لتك الذروة من قبل, والسبب هو أنها وقعت في حب زميلها الميكا الرجل, الذي كان يملكه سيدها, ولكن كخادم في المنزل, فيما كانت هي تقدم له خدمة المنزل وخدمة الجنس.

السرد: بحكم وجود حدث قوي لكل قصة, فإن السرد جاء سلسا, لأنه لم يكن ذهنيا, وقد غابت تقريبا المونولوجات الداخلية, فمعظم السرد, كان رويا خارجيا أو حوارا, حيث وفر وجود عدة شخصيات في كل قصة, القدرة على اتساع إطار السرد, بحيث لا يدور لا في حلقة ضيقة, ولا داخل الشخصية الوحيدة, أي كمونولوج داخلي.

أما اللغة: فكانت فصحى دون أخطاء تذكر, وأيضا دون فذلكة لا شاعرية ولا استعراضية, رغم مخزون الكاتب المعرفي, وكانت غالبا هي لغة السارد/الراوي, وتقاطعت مع أجواء القصص باستخدام المفردات الدالة إن كان على عالم الكائنات الآلية, أو عالم القرود الذي يشبه ما صوره لنا علماء الميثولوجيا عن المجتمع البشري البدائي, وحين كان يتم تضمين السياق اللغوي ببعض الجمل من اللهجة الدارجة أو الأمثال الشعبية, أو الحوارات على قلتها, فقد كان يتم ذلك بحساب لا يثقل على لغة النصوص التي جاءت رشيقة كما لو كانت جدول ماء عذب.

الحبك: كان السرد بكل ثقة ودون استعجال يذهب متصاعدا, إلى أن يصطدم بعقدة النص, حيث تجد الحل بعد ذلك, بما يعني بأن الكاتب كان يكتب عن خبرة وعن وعي, ممسكا بزمام الإيقاع حيث كان ينتقل من “محطة سردية” لأخرى, بشكل منطقي, وتراتبي, وسار بالزمن وفق تراتبيته المعتادة, أي دون اللجوء إلى تعقيدات التداعي أو الفلاش باك.

التشويق: كان التشويق ملازما للنصوص, منذ ما قبل الشروع في كتابتها, وقد جاءت هذه القصص, كما شاهدنا من قبل دراما الفنتازيا التاريخية السورية, التي قدمها نجدت أنزور, في عدة مسلسلات, حيث مجرد أن ينتقل بك القص إلى عوالم غير معتادة, ينتاب القاريء التشويق, والقاريء لم يتعد على قراءة نصوص تتحدث عن مجتمع مختلط بين البشر والآليين, أو بين البشر والقردة, وهكذا وفرت فضاءات هذه القصص بمجرد اختيارها, عنصر التشويق والمتعة, بقراءة ما هو جديد أو مختلف عن المألوف أو ما هو غير معتاد القاريء على قراءته, على الأقل . وقد وقع التشويق بحكم أنه كان يدخل للحدث الرئيسي لكل قصة مباشرة دون تقديم إنشائي, بحيث يقبض على القاريء منذ الجملة الأولى, القاريء الذي سينشأ لديه الفضول لمعرفة ما سينتهي إليه الحدث, بعد رحلة السرد السلس بإيقاعه المناسب, وقد حدث هذا في قصص “أهذه لعبة”, “عمر افتراضي”, “حالة تمرد”, “كل شيء أصبح الآن متاحا”, “وقت للموت ووقت للحياة”, “طرف من خبر الأيام”.

الإدهاش: كانت القصص تنتهي بنهايات غير متوقعة, بما يحدث الدهشة في نفس القاريء, حين يقف عن حدود المهارة والذكاء اللذين يتمتع بهما الكاتب, كما حدث مع قصة “عمر افتراضي” حيث أنه في الوقت الذي كان يجري فيه نقل الميكا للتفكيك, بعد انتهاء صلاحيته, نفاجأ بأن الفني قد منح الميكا فرصة العمل لتجري عملية التفكيك للدكتور بدلا من الميكا, وعادة ما يتحقق عنصر الإدهاش من النهاية غير المتوقعة بالذات.

الشخصيات: كانت أساسية جدا هنا في هذه القصص, وقد تنوعت, خاصة وأنها كانت أصل الأحداث والسرد, والشخصيات في قسمي المجموعة انقسمت بدورها إلى قسمين, في القسم الأول من المجموعة كانا البشر والآليين, حيث أخذت تظهر بينهما بعد التشابكات ومن ثم الاشتباكات, وفي القسم الثاني كانا البشر والقردة, وقد حملت الشخصيات أسماء مناسبة, ففي القسم الأول كان البشر لهم أسماء غير معتادة, للهرب من أن تدل الأسماء على بيئة مجتمعية محددة, وإن كانت قد ظهرت منذ ص 70 أسماء عربية, مثل د.شامل الجامع, ودنيا وسراج, ثم شيرين وابناها سام وداليا, والجنرال حربي,,, الخ, فيما كانت أسماء الريبوتات, ميكا, تدل على طبيعتها الآلية, ( فيورا, فيور, مردكس, موركل 5, سوزيان إس 14, اكس 27 , واي 22 بحيث حمل بعضها أرقاما إضافة إلى اسمه كماركة, وكانت أسماء القرود أيضا دالة على جنسهم المعروف عنهم, (ميمون, كينجو, زبدية, مهلبية وكوكي لا لا ).

مقولة القصص: التزمت القصص بمقولة إنسانية, ولم تكتف بمهمة الإمتاع وحسب, فقد تسبب مجلس السيطرة العالمي وقد تحول إلى إله خالق, بتشييء البشر, والتوغل في إطلاق يد التكنولوجيا من أجل تحقيق هذا الهدف, بما أدى إلى حرب كونية, أطاحت بالبشرية كلها, بعد أن فقد البشر الحس الإنساني الذي تمتعت به الميكا الآلية, وهكذا يمكن القول, بأن جمال مقار في مجموعته “طرف من خبر الأيام” قد أعاد الاعتبار لأدب الخيال العلمي, بإضفاء المحتوى العلمي فعلا عليه, بعد أن قرأنا الكثير من نماذج الخيال غير العلمي, وتضمينه القيمة الإنسانية في نفس الوقت, التي جعلت من الكتاب خطابا إنسانيا بالغ القيمة, وليس مجرد لغو أو حتى سرد إنشائي, يشبه الزبد الذي لا ينفع الناس في الأرض.

أخيرا أقول: باختصار لقد كتبت هذه المجموعة بأناة وصبر وجلد, وبعد تجربة واضحة بالكتابة لدى الكاتب, بل وبعد أن جمع حصيلة معرفية, أمدته بثروة معرفية في حقلي تكنولوجيا الريبوت, أو الكائنات الآلية, والأنثربولوجيا, تحديدا المجتمع البدائي, وبالأخص مجتمع القرود, بعاداتهم وعلاقاتهم, خاصة الشامبانزي الذي يعد الأقرب من بين كل الحيوانات الثديية للإنسان.

وهكذا وصل جمال مقار في هذه المجموعة إلى ذروة قصصية, لا أظن أن أحدا من كتاب القصة العربية قد وصلها من قبل, لعلها تفتح أفقا وتقدم حافزا, لكتاب وكاتبات القصة القصيرة العربية, إلى أن يبذلوا الجهد اللازم لإبداع قصص مدهشة كهذه.

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى