بيان”مناصرة فلسطين”في اعتصام”لا تُسكتكم القيود ولا تُقعدكم الحدود”

بيان جمعية (مناصرة فلسطين)، في اعتصام “لا تُسكتكم القيود ولا تُقعدكم الحدود” المنظم في البحرين بمنطقة العدلية، الجمعة الموافق15 أغسطس 2025.
نص البيان:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا المجاهد الشهيد، وعلى آله وصحبه.
فِي التَّارِيخِ مَحَطَّاتٌ حاسِمَةٌ، لَمْ تُحْسَمْ فِيها المَعارِكُ بِسُيُوفٍ وَلَا بِمَدافِعَ، بَلْ بِحُرُوفٍ سالَتْ كَالرَّصاصِ، وَعِباراتٍ اخْتَرَقَتِ الصُّفُوفَ، فَأرْبَكَتْ جُيُوشَ الظُّلْمِ، وَألْهَبَتْ قُلُوبَ الأَحْرارِ. يَوْمَ وَقَفَ الخَطِيبُ فِي الأَنْدَلُسِ يَصِفُ حِصارَ طُلَيْطِلَةَ، اهْتَزَّتِ المَنابِرُ، وَارْتَجَفَتِ القُصُورُ. وَيَوْمَ دَوَّنَ المُؤَرِّخُ عَنْ مَجْزَرَةِ دَيْرِ ياسِينَ، ارْتَعَشَتْ ضَمائِرُ العالَمِ.
نعم إنها الكَلِمَةُ الصَّادِقَةُ، التي كانت دائما وأبدا، الجُنْدِيَّ الَّذِي لَا يُهْزَمُ، وَالسِّلاحَ الَّذِي لَا يَصْدَأُ.
فِي غَزَّةَ، لَمْ يَكُنْ أَنَسُها الشَّرِيفِ وَلَا مُحَمَّدُ قُرَيْقَعَ وقبلها إسماعيل الغول، وَلَا رِفاقُهُما المائتان والأربعون صحفيا ومصورا، يَحْمِلُونَ قاذِفاتٍ أَوْ راجِماتٍ للصواريخ، لَكِنَّهُمْ امْتَلَكُوا ما هُوَ أَخْطَرُ عَلَى الِاحْتِلالِ: كامِيرا تَنْقُلُ نَبْضَ المِيدانِ، وَمِيكْروفُون يُعْلِنُ الحَقِيقَةَ لِلْعالَمِ، وَقَلَمٌ يُدَوِّنُ الجَريمَةَ عَلَى جِدارِ التَّارِيخِ. كانُوا كَتِيبَةَ النَّصْرِ الَّتِي لَا تَحْتاجُ إِلَى بارُودٍ، لِأَنَّ سِلاحَهُمْ كانَ الحَرْفَ، وَرَصاصَتَهُمْ كانَتِ الصُّورَةَ، وَمَعْرَكَتَهُمْ كانَتْ مَعْرَكَةَ الذَّاكِرَةِ الَّتِي لَا تَمُوتُ.
أَيُّهَا الأَحْرَارُ…
نَقِفُ اليَوْمَ لِأَنَّ الحَقِيقَةَ؛ تُطْلَقُ عَلَيْهَا الصواريخ، ليُحرق أصحابها بالنار؟!
قَبْلَ أَيَّامٍ فَقَط، اسْتُهْدِفَتْ خَيْمَةُ الصَّحَفِيِّينَ أَمَامَ بَوَّابَةِ مُجَمَّعِ الشِّفَاءِ فِي مَدِينَةِ غَزَّةَ، فَقُتِلَ سِتَّةٌ مِنَ المُرَاسِلِينَ وَالمُصَوِّرِينَ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ.
لَمْ يَحْمِلُوا سِوَى كَامِيرَاتٍ وَمِيكْرُوفُونَاتٍ، وَلَكِنَّهُمْ وُسِمُوا بِتُهْمَةٍ وَاحِدَةٍ: نَقْلُ الحَقِيقَةِ، وليس غيرها!
كَانُوا صَوْتَ الجُوعِ الَّذِي يَقْتُلُ الأَطْفَالَ والكبار، وَصَرْخَةَ الحَيَاةِ مِنْ تَحْتِ الرُّكَامِ، ونجدة الملهوف والمكلوم والمطعون والمغدور من الخذلان..
لذلك قُتلوا..
ببساطة، هكذا أتقن الصهيوني البربري إبادة الشهود، كَيْ تُقْتَلَ الشَّهَادَةُ!!!
مُنْذُ اندِلَاعِ الحَرْبِ فِي سَابِعِ أُكْتُوبَرَ/تِشْرِينِ الأَوَّلِ 2023 وَحَتَّى الثَّانِي عَشَرَ مِنْ أُغُسْطُسَ/آبَ 2025، وَثَّقَتْ لَجْنَةُ حِمَايَةِ الصَّحَفِيِّينَ مَقْتَلَ مَا لَا يَقِلُّ عَنْ مِئَةٍ وَاثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ (192) صَحَفِيًّا وَعَامِلًا إِعْلَامِيًّا فِي هَذِهِ الحَرْبِ، مِنْهُمْ مِئَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ (184) فِلَسْطِينِيًّا؛ وَهَذِهِ هِيَ أَكْثَرُ فَتْرَةٍ دَمَوِيَّةً لِلصَّحَفِيِّينَ مُنْذُ بَدَأَتِ اللَّجْنَةُ تَوْثِيقَهَا فِي عَامِ 1992.
بالله عليكم أخبروني: أَيُّ حَرْبٍ هَذِهِ الَّتِي يُباد شهودها علانية وبلا خوف من الجلّاد، ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّهَا بَرِيئَةٌ مِنَ الدَّمِ؟!!
وَلِكَيْ تَتَجَلَّى الفَاجِعَةُ فِي صُورَتِهَا الكُبْرَى: خِلَالَ عِشْرِينَ عَامًا (2003–2022) أَحْصَتْ مُنَظَّمَةُ مُرَاسِلُونَ بِلَا حُدُودٍ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ وَثَمَانِيَةً وَسِتِّينَ (1,668) صَحَفِيًّا قُتِلُوا فِي العَالَمِ، كَانَ العِرَاقُ وَسُورِيَا أَخْطَرَ سَاحَاتِهِمَا بِـخَمْسِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَسَبْعِينَ (578) قَتِيلًا؛ وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ حَصِيلَةَ غَزَّةَ خِلَالَ أَقَلَّ مِنْ عَامَيْنِ تَجْعَلُهَا أَشَدِّ حروب الإبادة فَتْكًا بِالصَّحَفِيِّينَ فِي التَّارِيخِ الحَدِيثِ. كَذَلِكَ كَانَ عَامُ 2024 «الأَكْثَرَ دَمَوِيَّةً» عَلَى الإِطْلَاقِ لِلصَّحَفِيِّينَ حَوْلَ العَالَمِ، وَالنِّسْبَةُ الكُبْرَى مِنَ الضَّحَايَا نُسِبَتْ إِلَى كيان مُحتلٍ مختل، لا يجد من سبيل في مواجهة جرائمه وعربدته، سوى الإبادة.
هَذِهِ لَيْسَتْ أَرْقَامًا؛ هَذَا نَزِيفُ ذَاكِرَةٍ بَشَرِيَّةٍ، مع سبق الإصرار والترصد!! أمام صمت دولي وأممي وعربي وإسلامي، إما متواطئ أومشارك أو جبان متخاذل.. كلٌ ستُكتبُ شهادته، ويُسأل؟!
لكن أخبروني؛ متى نجح الطغاة يوما، في اغتيال التاريخ؟!
أَمَّا القَانُونُ الدُّوَلِيُّ الذي يطبّق بحذافيره على الكل، إلا الكيان الصهيرني المجرم، فيذكر: الصَّحَفِيُّونَ مَدَنِيُّونَ بِمُوجِبِ المَادَّةِ 79 مِنَ البُرُوتُوكُولِ الإِضَافِيِّ الأَوَّلِ لِاتِّفَاقِيَّاتِ جَنِيفَ، وَيَحْظَوْنَ بِالحِمَايَةِ مَا لَمْ يُشَارِكُوا مُبَاشَرَةً فِي الأَعْمَالِ العَدَائِيَّةِ؛ وَأَيُّ هُجُومٍ مُتَعَمَّدٍ عَلَيْهِمْ يُصَنَّفُ جَرِيمَةَ حَرْبٍ وَفْقَ نِظَامِ رُومَا الأَسَاسِيِّ لِلمَحْكَمَةِ الجِنَائِيَّةِ الدُّوَلِيَّةِ. ثُمَّ جَاءَتْ قَرَارَاتُ مَجْلِسِ الأَمْنِ 1738 وَ2222 لِتُؤَكِّدَ الحِمَايَةَ وَتُلْزِمَ بِإِنْهَاءِ الإِفْلَاتِ مِنَ العِقَابِ. وَلَكِن—وَأَيُّ لَكِن!—حِينَ تَقِفُ الحَقِيقَةُ فِي مَرْمَى الصَّارُوخِ، يَخْرَسُ القَانُونُ أَمَامَ عَرْبَدَةِ السِّلَاحِ الصهيوأمريكي.
وَلِمَ يَشْتَدُّ الخِنَاقُ عَلَى الصَّحَافَةِ؟ لِأَنَّ المَشْرُوعَ السِّيَاسِيَّ الَّذِي يُمَارِسُ القَتْلَ وَيَخْشَى الشَّهَادَةَ، لَا يُرِيدُ شُهُودًا عَلَى الجَرِيمَةِ. يَوْمَ أَنْ رُفِعَتْ خَرَائِطُ «الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الجَدِيدِ» بِلَا فِلَسْطِينٍ، وَحِينَ أُعْلِنَ بِلَا مُوَارَبَةٍ رَفْضُ إِقَامَةِ دَوْلَةٍ فِلَسْطِينِيَّةٍ وَالإِبْقَاءُ عَلَى «السَّيْطَرَةِ الأَمْنِيَّةِ عَلَى كُلِّ مَا غَرْبَ النَّهْرِ»، ظَهَرَ وَجْهُ الفِكْرَةِ القَدِيمَةِ بِأَسْمَاءٍ جَدِيدَةٍ: تَمْكِينُ وَاقِعِ “إِسْرَائِيلَ الكُبْرَى” عَلَى الأَرْضِ، وَتَكْمِيمُ كُلِّ عَيْنٍ تُصَوِّرُهُ. هَكَذَا يَتَجَاوَرُ الخِطَابُ التَّوَسُّعِيُّ مَعَ إِسْكَاتِ الصَّحَفِيِّينَ، فَكُلُّ صُورَةٍ تُوَثِّقُ هَدْمَ بَيْتٍ، تُسْقِطُ سَطْرًا مِنْ سَرْدِيَّةِ الاِحْتِلَالِ.
أحلامُ النتن التي لن تتوقف عند مصر والأردن وسوريا والعراق، حيث لعابها الزّفر ونَفَسها الخسيس والخبيث، يسيل على السعودية والكويت، أرضا ومقدسات؟!
والذي ليس له عندنا، إلا ما قاله القائد إسماعيل: لو رضخت كل الدنيا.. لو رضخت كل الدنيا: لن نعترف باسرائيل.. لن نعترف باسرائيل.. لن نعترف باسرائيل.
الأخوات والأخوة الكرام..
إِنَّ اسْتِهْدَافَ الصَّحَفِيِّينَ لَيْسَ «أَضْرَارًا جَانِبِيَّةً». هُوَ سِيَاسَةٌ تَقْصِدُ قَطْعَ شِرْيَانِ المَعْرِفَةِ عَنِ النَّاسِ، وَتَحْوِيلِ المَأْسَاةِ إِلَى ظَلَامٍ. وَقَدْ نَبَّهَتْ لَجْنَةُ حِمَايَةِ الصَّحَفِيِّينَ وَمُنَظَّمَاتٌ دُوَلِيَّةٌ إِلَى أَنَّ المَنْعَ المُنَهْجَ لِدُخُولِ الإِعْلَامِ الأَجْنَبِيِّ إِلَى غَزَّةَ، مَعَ قَتْلِ الصَّحَفِيِّينَ المَحَلِّيِّين؛ خَلَقَ فَرَاغًا مَعْرِفِيًّا يُطْمِسُ الأَدِلَّةَ وَيُشَجِّعُ عَلَى تِكْرَارِ الفَظَائِعِ.
الإِفْلَاتُ مِنَ العِقَابِ عَالَمِيًّا يُقَارِبُ 80% فِي جَرَائِمِ قَتْلِ الصَّحَفِيِّينَ؛ فَمَا بَالُكُمْ بِبَلَدٍ تُنْذَرُ فِيهِ العَدَالَةُ فَلَا تَحْضُرُ؟
يا من لَا تُسْكِتْكُمُ القُيُودُ وَلَا تُقْعِدْكُمُ الحُدُودُ:
هَذِهِ وِقْفَةٌ لِحِمَايَةِ مَنْ يَحْمِيكُمْ؛ لِمَنْ يَفْتَحُ نَافِذَةً فِي جِدَارِ الحِصَارِ كَيْ تَرَوْا العَالَمَ وَيَرَاكُمْ. نُعَاهِدُ شُهَدَاءَ الكَلِمَةِ أَنْ نَبْقَى صَدَى أَصْوَاتِهِمْ: أَنَسُ، مُحَمَّدُ، إسماعيل، حمزة، صالح، وَكُلُّ اسْمٍ أَصْبَحَ ضَوْءًا يَهْدِينَا. نُطَالِبُ بِتَحْقِيقٍ دُوَلِيٍّ مُسْتَقِلٍّ، وَبِمُحَاسَبَةٍ لَا تَعْرِفُ حِصَانَةً، وَبِفَتْحِ المَعَابِرِ أَمَامَ الصَّحَفِيِّينَ وَالمُنْقِذِينَ وَشُهُودِ الحَقِيقَةِ. لَيْسَ لِأَنَّ الصَّحَافَةَ مِهْنَةٌ؛ بَلْ لِأَنَّهَا حَقُّ النَّاسِ فِي أَنْ يَعْرِفُوا، وَحَقُّ الضَّحَايَا فِي أَلَّا يُقْتَلُوا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِالصَّارُوخِ، وَمَرَّةً بِالصَّمْتِ.
سَنَرْفَعُ اليَوْمَ هُتَافَنَا:
لَنْ تُطْفَأَ الكَامِيرَا. لَنْ يُكْتَمَ المِيكْرُوفُونُ. لَنْ تُغْتَالَ الحَقِيقَةُ.
وَمِنْ هَذِهِ السَّاحَةِ، مِنْ قُلُوبٍ تَدْمَعُ وَضَمَائِرَ لَا تُسَاوِمُ، نُرْسِلُ عَهْدًا وَاحِدًا:
سَنَبْقَى شُهُودًا… حَتَّى تُدَانَ الجَرِيمَةُ وَيُرْفَعَ الظُّلْمُ.
وإنهُ لجهاد، نصرٌ أو استشهاد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


