دكتوراة فخرية وتكريم رجل الغبار

دكتوراة فخرية وتكريم رجل الغبار
بقلم: نافذ الرفاعي – روائي وكاتب من فلسطين
اجتمعت لجنة التكريم وجهزت وسامًا، وفي محاولة الإبهار سموه النوط “السيف البتار” لتكريمي على شجاعتي الحربية، وصمودي في جبهات المجابهة، وقيادتي مجموعة مغاوير لولاها لم يسجل التاريخ بأحرف من طباشير تاريخي الحربي. وأنا أعترف أنني لا أجيد استخدام المسدس ولا السيف، ولم أكن يومًا جنديًا حتى في الخدمة الإلزامية. لكنهم قدموا لي وسامًا عسكريًا رفيعًا، وكدت أن أسبق ديغول في رتبة الفيلدمارشال، لولا أنني قد تداركت انفعالهم.
وحالما هُزمت في انتخابات لجنة محلية، وفي يوم التسليم والاستلام، حضر جمهور واسع يملك الفراغ، جاء للتمتع بحفل تكريمي المهيب، وتسليمي درع الإنجاز على كل الأشياء التي لم أفعلها ولم أقم بها، بل كان الموقع مجرد برستيج يضاف إلى سيرتي الذاتية ونوع من العرط والمباهاة.
يومها ألقيت خطبة مسروقة من خطبة الهندي الأحمر الأخيرة. ضربت الطاولة بيدي وأنا أصرخ وأحرك أصابعي، سردت مقاطع منها وزوّرتها قاصدًا دكّ حصون الكلام. بل أنشدت على بحر الرجز كي تبدو قصيدة غنائية، وصفق لي الجمهور الدائخ مطولًا حتى اعتقدت أنني ضيّعت امرؤ القيس في الشعر وحاصرت الحجاج في بلاغته.
كان يومًا تاريخيًا فيه الفلاشات والتصوير والمنشورات تمجد كل الأشياء التي لم أفعلها من أبجديات العجز في أي لجنة مترهلة، حتى الاجتماع الأسبوعي لم يحدث طوال عامين.
كنت أعتلي المنصة مغرورًا بياقتي المنشاة، وربطة عنق مزركشة كما خطوط الحمار الوحشي، وكدت أنهق بعد إشارات الإعجاب. تحكمت بالعضوية، أحضرت المراسل والبستنجي والبواب والحارس الليلي والسائق، وأصبحوا أعضاء لهم نفس حقوق التاريخيين أصحاب الإنجازات الكبيرة. وعليه، كانت الحقبة التي توليتها، كما يدّعي الحواويط المقربون مني، بأنها أجمل لحظات نهاية المؤسسة.
طبعًا فزت بالتزكية دون انتخابات. فكرت في تغيير المنصب واكتساب مزيد من الألقاب، وما دامت الفرص سانحة فأنا انتهازي من الطراز الأول.
أما أجمل تكريس فهو اختياري لأكون شخصية كل العصور: السياسية، الفكرية، الفلسفية، الاجتماعية، التوعوية، التنموية، والأكاديمية. كشخص طلائعي مبادر، وإنني أفكر خارج الصندوق. علمًا أنني من جماعة “عمار وعميرة”: إذا وقف الناس وقفت، وإذا جلسوا جلست. وأَنبل فعل في حياتي هو مطاردة القطط وكلاب الشوارع الشاردة بالحجارة، والتفحيط بالكلام وإحداث الضجيج على منهاج نقيق الضفادع.
وأجمل فعل أراه هو قذف علبة فارغة من نافذة السيارة في وسط الشارع. وعليه، قامت جهات عديدة بتكريمي ومنحي لقب “رجل النظافة الأول”. والأدهى أن رسامًا قد حوّر صورتي مع عامل نظافة.
في حفل تكريمي على منجزاتي الوظيفية وعنجهيتي وتعطيل مصالح الناس والإبطاء في العمل، تم تسليمي درع الموظف النموذجي.
وآخر ما نلت من الشهادات “الدكتوراة الفخرية” والتي كلفتني حوالي خمسمائة دولار، موسومة بتوقيع رئيس مجلس أمناء جامعة وهمية، قدمها لي رجل يحمل شهادة دكتوراة في القانون والله أعلم.
تجرأت وسألته: لماذا اختار الدكتوراة في القانون؟ أجاب يا صديقي: “أكثر ما يصدق الناس أن هذا ما ينص عليه القانون”.
وهو رجل معادٍ للحريات، أزعج الحضور وأصابهم الملل وهو يشرح عن نوط الحرية، وأسباب تقديمهم الوسام هو جرأتي في محاربة الفساد. وهو يعلم أنني أجبن من أن أذكر اسم البيض الفاسد، وأشيد ببائع الخضار الذي يضع الفواكه الجيدة ويخفي السيئة أسفل العلبة. أعتبره وأردد مع الببغاوات أنها شطارة.
في كل تاريخي التليد، والذي أعتبر فيه نموذجًا عظيمًا، وضعت لوحة في صدر مكتبي مكتوب عليها بالخط الكوفي الجميل: “حط رأسك بين الرؤوس”. أهداني إياها منافق متمرس.
في طريقي لاعتلاء المنصة وتوزيع ابتساماتي المقيتة على وجوه سادة المنصة، كانت عريفة الحفل فتاة جميلة ترتدي الثوب المطرز، يزيدها بهاءً. أنشدت أشعارًا تتغنى بالأبطال، وأصعد مع وابل من التصفيق وفلاشات التصوير حتى شعرت أنني مثل كاظم الساهر، وكنت على وشك أن أغني.
كان يشمل الوسام والنوط والدرع والشهادة، وأنا مخمور بلذة التكريم على كل الأشياء التي لم أفعلها في حياتي.
تلقفتني قبل ذلك وسائل الإعلام والتلفزة والصحفيون. قالوا وكتبوا وبهرجوا.
وقفنا على منصة التكريم، أقسم رئيس لجنة التكريم بأغلظ الأيمان أنهم مقصرون، وأنني أستحق أكثر.
صمت الجمهور وتداعت حوامل المنصة وانهارت في حدث درامي، وانقلبنا جميعًا فوق بعض.


