هل يحتاج الروائي إلى معايشة المكان في رواياته؟

هل من الضروري أن يكون الروائي عارفًا ومتعايشًا مع المكان الذي يكتب عنه روايته؟
كتب: إياد شماسنة – روائي وشاعر من فلسطين
إن العلاقة بين الكاتب والمكان الذي تدور فيه أحداث روايته تُعتبر موضوعًا مركزيًا في الأدب. وقد أثار النقاد والروائيون جدلًا طويلًا حول ما إذا كان من الضروري للكاتب أن يكون على دراية دقيقة، بل ومعايشة حقيقية للمكان الذي يكتب عنه. للإجابة على هذا السؤال، يمكن تناول الموضوع من عدة أبعاد: واقعية الرواية، خيال الكاتب، وتاريخ الأدب.
أولًا: أهمية المكان في العمل الروائي
- المكان كمكوّن أساسي في الرواية
يعتبر المكان عنصرًا رئيسيًا في بناء الرواية، حيث يمكن أن يكون ليس مجرد خلفية للأحداث، بل شخصية مستقلة تسهم في تطور الحبكة وتشكيل مزاج العمل. عندما يكون الروائي عارفًا ومتعايشًا في المكان، يصبح قادرًا على تصوير تفاصيله الدقيقة، مثل رائحة الأزقة، ألوان السماء، أنماط حياة السكان، وحتى الإيقاع اليومي للحياة فيه. هذه التفاصيل تضفي على النص عمقًا وأصالة، مما يجعل القارئ يشعر وكأنه يعيش داخل الرواية.
مثالًا على ذلك، نجد في أعمال نجيب محفوظ تصويرًا حيًا لأحياء القاهرة، مثل الحسين والجمالية، بأسلوب يجعل المكان ينبض بالحياة. لم تكن تلك الأماكن مجرد مواقع للأحداث، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من النسيج السردي. - الواقعية والأصالة
التعايش مع المكان يتيح للكاتب التقاط الحكايات الصغيرة والشخصيات المحلية التي قد لا تُكتشف إلا من خلال الخبرة المباشرة. هذه الحكايات تضيف طابعًا إنسانيًا للرواية، وتجعلها تنبض بالواقعية، مثلما يظهر في أدب مارك توين الذي استمد رواياته مثل “مغامرات هكلبري فن” من بيئته وتجاربه.
ثانيًا: خيال الكاتب كمصدر بديل للمكان
- الكتابة عن أماكن غير مألوفة
الروائي ليس بالضرورة صحفيًا أو مؤرخًا؛ بل هو مبدع يستخدم الخيال لبناء عوالم أدبية. هذا الخيال يسمح له بالكتابة عن أماكن لم يعش فيها، بل ربما لم يزرها قط. في هذه الحالة، يعوض الكاتب نقص المعرفة الحسية بالبحث العميق والتخيّل الخلاق، ليبني عالمًا مقنعًا.
على سبيل المثال، تولكين في ثلاثية “سيد الخواتم”، الذي ابتكر عوالم لم توجد قط على أرض الواقع، لكنه قدمها بتفاصيل جعلت القارئ يصدق وجودها. - الاعتماد على مصادر بديلة
في عصرنا الحالي، يمكن للكاتب الاعتماد على مصادر متعددة لفهم المكان، مثل الكتب التاريخية، الأفلام الوثائقية، أو حتى الخرائط والصور. هذه المصادر تتيح للكاتب بناء تصور غني عن المكان دون أن يزوره فعليًا. على سبيل المثال، كتب غوستاف فلوبير روايته “سلامبو” التي تدور أحداثها في قرطاج القديمة، دون أن يزور المدينة، لكنه اعتمد على البحث التاريخي لتقديم وصف دقيق ومثير.
ثالثًا: بين الواقع والخيال – كيف يوازن الكاتب؟
- الرواية بين الواقع والتخييل
الرواية ليست ملزمة بأن تكون تصويرًا دقيقًا للواقع، بل هي عمل فني يستهدف التعبير عن تجارب إنسانية وأفكار عميقة. الكاتب الذي يعيش المكان قد ينجح في تقديم واقعية قوية، لكن الكاتب الذي يعتمد على خياله قد يبدع رؤية مختلفة تمامًا، قد تكون أكثر عمقًا وشمولًا.
مثال على ذلك، ماركيز الذي مزج الواقعية بالسحرية في روايته “مائة عام من العزلة”، فخلق قرية “ماكوندو”، وهي مكان خيالي لكنه مستوحى من تجربته الحياتية في كولومبيا. - تحرر الرواية من قيود المكان
في بعض الأحيان، قد يكون من الأفضل للكاتب ألا يرتبط بالمكان ارتباطًا حقيقيًا، لأن هذا التحرر يمكن أن يمنحه مساحة أكبر للإبداع. المكان في هذه الحالة يصبح رمزًا أو استعارةً، يعكس حالة نفسية أو فكرة فلسفية. على سبيل المثال، في رواية “الغريب” لألبير كامو، يمكن قراءة الصحراء الجزائرية ليس كمكان واقعي، بل كرمز للعبثية والاغتراب.
رابعًا: أمثلة من تاريخ الأدب
- روائيون عاشوا المكان
• نجيب محفوظ: أحياؤه القاهرية ليست مجرد مسرح للأحداث، بل شخصية أساسية في رواياته، تنبض بالحياة.
• فيودور دوستويفسكي: قدم وصفًا حيًا للشوارع والأزقة في سانت بطرسبرغ، لأنها جزء من معاناته الشخصية. - روائيون لم يعيشوا المكان
• غابرييل غارسيا ماركيز: خلق قرية “ماكوندو” الخيالية، مستوحاة من طفولته لكنها ليست مطابقة لأي مكان واقعي.
• جول فيرن: كتب عن أماكن بعيدة ومغامرات في أعماق المحيطات والفضاء، دون أن يراها يومًا.
خامسًا: الجواب النهائي
لا يمكن اختزال الإبداع الروائي في معايشة الكاتب للمكان. المعرفة بالمكان قد تكون ميزة تمنح النص عمقًا وواقعية، لكنها ليست شرطًا أساسيًا. الكاتب المبدع هو الذي يستطيع، سواء عاش المكان أم لم يعشه، أن يقنع القارئ بواقعية العالم الروائي. المسألة ليست في التعايش بقدر ما هي في القدرة على بناء تفاصيل مقنعة ومؤثرة.
إن الكتابة عن المكان تجربة ذاتية تختلف من كاتب إلى آخر. البعض يحتاج إلى أن يلمس المكان ليكتب عنه، بينما يستطيع آخرون أن يخلقوا عالمًا خياليًا لا يقل واقعيةً عن الحقيقة، باستخدام قوة الخيال والبحث.