
الفوارق بين الشرق والغرب
فيموني المصرية تسرد حياة والدتها الهولندية
بقلم: فضيلة الموسوي- البحرين
“عرفت منذ صغري أنني بين عالمين مختلفين تماما، وثقافتين تتنازعان ليس فقط بين عائلتينا هنا وهناك، ولكن داخلي أيضا، هذا الصراع الذي كان كبيرا في صغري وحسمته فيما بعد، تعايشت معه واستغللته لصالحي كثيرا خاصة في مصر”.
فيموني عكاشة
“جيردا زيلهورست” (9 يوليو 1931م – 26 ديسمبر 2019م)
قرأت السيرة باستمتاع، وحين قررت الكتابة عنها، أعدتُ قراءتها ووجدت أنه من الصعوبة بمكان تناول قصة هذه الخواجاية المتفردة، وحياتها الطويلة والشيقة بعرضها كلها هنا، لكن لفتتني الفوارق الواضحة بين عادات الشرق والغرب وكيف وازنت بينهما تلك المرأة الاستثنائية، في هذه السيرة الجذابة.
“جيردا” فتاة هولندية عادية من أسرة مثقفة متوسطة، تعلمت ثلاث لغات في المدرسة؛ الإنجليزية والفرنسية والألمانية بالإضافة الى اللاتينية مثل قريناتها في ذلك الوقت. أرادت أن تتمرد على واقعها الرتيب في المنطقة التي عاشت فيها “زوولة” البعيدة عن أمستردام العاصمة، أرادت لنفسها حياة جديدة ومختلفة عن بلدتها الصغيرة المملة، غامرت إلى عالم مغاير لما تعرفه. تريد الحياة كما تحب، وليس كما يحب الآخرون لها. تحصلت على وظيفة جليسة أطفال لدى عائلة يهودية في إنجلترا، مؤقتا على أمل أن تعين نفسها أولا ثم تحقق حلمها، لكن شاءت الظروف أن تنتقل لعمل آخر، كجليسة لطفلة أيضا لدى عائلة مصرية هناك، وشاء القدر سفرا إلى مصر، حيث يطلب منها والديّ الطفلة التي كانت تعتني بها مرافقتهم لحاجتهم الشديدة في العناية بها هناك، حتى التقت “جيردا” بعم الطفلة؛ “أنور عكاشة”.
نشأت “جيردا” في بيت بروتستانتي معتدل. وربما لأن التربية المنفتحة كان لها أكبر الأثر في تكوين شخصيتها والتي جعلتها تتقبل المذاهب والطبقات الاجتماعية ببساطة ويسر.
كانت الموسيقى شيئا أساسيا في حياة الأسرة جميعها. ويعد طبيعيا حينها لدى عائلات هولندية كثيرة لأنها التسلية المتاحة. كانت العائلة تهتم بالموسيقى خاصة الكلاسيكية، الكل يعشقها. والدها يعزف الأرغول في الكنيسة، وخالها يعزف على الساكسفون ويهيم بموسيقى الجاز.. أما “جيردا” تعزف على التشيللو. واضح ذلك من صورة للعائلة وهي تعزف، في العام 1950م. كل متلقٍ يفتح الكتاب أول ما تجذبه الصور؛ يتصفح الكتاب بشهية وفضول لمعرفة من هي “جيردا” وما هذا العالم الذي عاشته بين مصر وهولندا. كيف اندمجت في عادات بعيدة عن عالمها. مجتمع يعطي الذكور أضعاف حقوق الأنثى .. ومستمر بعادة ختان البنات، وهو ما رفضته تماما. لكن ما كان مستغربا في بعض عادات المصريين كان في هولندا أمرا عادي. عادة التدخين مثلا عندهم تبدأ من عمر مبكر تقول “جيردا”: والدي أعطى أختي سيجارة وعمرها لم يتعد الخامسة عشر، وأعطاني سيجارة وعمري أربعة عشر عاما. تستهجن فيموني: “رأيت الفتاة في سن الثامنة عشر تدخن أمام أهلها بشكل عادي، وهذا بالتأكيد لا يحدث في مصر”.
عاصرت “جيردا” ثلاثة حروب في مصر، وأكثر ما قاساه الناس هو نقص بعض المواد الغذائية والتي لا تقاس أمام ما عانته عائلتها أيام الحرب العالمية الثانية؛ من شح الأكل لذلك صارت تكره البذخ والإسراف خاصة في رمضان.. ناهيك عن تجربة ثلاثة جنود ألمان سكنوا البيت وتقاسموا معهم كل شيء، تجربة مريرة من الجوع والخوف.
من خلال أرشيف رسائلها للأهل فهمت فيموني كيف أذابت أمها ثقافتها، ولكنها لم تطمسها وانصهرت في عادات بلد آخر دون أن تبتلعها، لكن من أين جاءت فيموني بكل تلك التفاصيل الكثيرة والدقيقة؛ رسائل ووثائق وصور؟.. لابد أنه من أرشيف والدتها. “وجدت أمي كل نسخ الخطابات التي كانت خالتي ترسلها إلى أي شخص مرفقا معها الرد، كان كل شيء معدا بعناية فائقة في ملفات في خزانة جدي لأمي الكبيرة المقسمة إلى أجزاء”. وتتعجب: “تلك عائلة لا ترمي شيئا أبدا”. لكني لا استبعد أن جزءا كبيرا من ذلك الأرشيف الهائل رمته فيموني في بطن هذا الكتاب.
ذهبت “جيردا” إلى بلد لا تعرف عنه سوى شهرته؛ الأهرامات والتراث العريق. تقول ابنتها فيموني: “أظن أن جيل أمي كان من السهل أن يعيش في مصر حينها فثقافة من ولد في الثلاثينيات أو الأربعينيات في أوروبا لم تبعد كثيرا عن ثقافة مصر آنذاك”، بدليل انبهارها بجمال الإسكندرية وشوارعها والمباني العريقة أول ما نزلت الميناء. الإسكندرية تبدو لها أجمل من أوروبا. وذلك أول ما رأته في مصر.
“جيردا” بطلة الرواية؛ امرأة حيوية تحب الحياة والمرح وارتبطت بزوج محب “أنور عكاشة” يشاطرها نفس المزاج والاهتمامات؛ وجدها امرأة مثقفة، وبسيطة، وغير متكلفة وسلسة. عاشا زوجين سعيدين؛ عاشا حياتهما كما يحبّان؛ رقصا التانجو، والفالس، وذهبا إلى السينما وسهرا مع الأصدقاء.
للأسف لم تعلمنا أمي لغتها، واكتفت بأن تحدثنا بالعربية وعندما تحدثنا الإنجليزية حدثتنا بها أحيانا .. حاولت أن أعلّم ابني الهولندية منذ صغره حيث كان يذهب مرة في الأسبوع للمدرسة الهولندية في المعادي وحدثته أحيانا في المنزل بها لكني توقفت تماما عندما ذهبت للعيش في البحرين – عاشت فيموني في البحرين ثمان سنوات؛ من 2005م إلى 2011م نتيجة لظروف عمل زوجها – اكتشفت أن الجميع هناك يتحدث الإنجليزية.
بالرغم من طغيان الثقافة الهولندية وعاداتها على حياة أمي وانغماسها في تفاصيل عائلة أبي، فكان حرصها على بقاء صلتها بجذورها الهولندية أن تعرّفنا على ثقافتها وتربطنا بعائلتها، فكانت تخصص يوم الاثنين لطبخ الطعام الهولندي الذي لم نكن نستسيغه بالطبع عدا البان كيك الهولندي. الذهاب الى الاحتفالات السنوية التي تقيمها السفارة الهولندية والخاصة بعيد ميلاد الملكة فكان أمرا مقدسا بالنسبة لها.
امرأة قوية الشكيمة وليس من السهل أن يخدعها أحد، تقول فيموني: “لم أرها قط خائفة من أي شيء”. تلك الشجاعة التي جعلتها غالبا قادرة على مواجهة مواقف عدة في حياتها بعد ذلك، وربما كانت تلك الشجاعة السبب في اختيارها أن تحضر الى مصر وان تتزوج من رجل تختلف ثقافته عما تعرفه، وان تتغلب على كل التحديات التي واجهتها في حياتها معه وحتى بعد رحيله في 1977م. تعايشت مع الناس، ولم يكن لديها نبرة الاستعلاء والتعالي التي كانت موجودة لدى صديقتها تجاه المصريين.
استفاضت كثيرا فيموني في إعجابها بأمها: “أعطتني أمي حرية لم أرها لدى أي من صديقاتي حتى اللاتي كانت أمهاتهن أجنبيات، أرادت أن تعطيني الفرصة لأتعلم من قراراتي، وأن تساوي بيني وبين أخوي الذكرين داخل مجتمع لا يعترف بذلك. تركتني أسافر وحدي بالطائرة الى هولندا وانا في الثانية عشرة. لم تعنفني قط إن تأخرت في المساء طالما كانت تعرف أين أذهب”. إلا في الكرم العربي الذي تمثل في المصريين فكان مثلا من اللائق أن يتركوا بعض الطعام في أطباقهم دلالة على أنهم شبعوا، كان هذا يعد إسرافا وهدرا بالنسبة لأمها، وعلى النقيض في هولندا حيث دعتنا صديقة أمي المقربة للعشاء؛ وسألتني: يجب أن تحددي عدد حبات البطاطس التي ستأكلينها قبل طهيها.
لكن فيموني تنحاز لنسبها المصري؛: “افتخر بكون جدتي لأبي “فيكتوريا” ممثلة مسرح وأن جدي أثرى المسرح الغنائي بالمسرحيات التي قدّمها. شعرتُ بالفخر دوما أن لي أبا مسلما وأمّا بروتستانتية، وجدّة يهودية الأصل حتى وان أسلمتا في السنوات الأخيرة. اهتممت بحكم دراستي للتراث بتاريخ اليهود في مصر، وبأن يعرف الناس أن هؤلاء اليهود كانوا مصريين أحبّوا مصر واستقروا هنا مئات السنين”.
أما في الأعياد فلم تهتم أمي قط بأن تشتري لنا ملابس جديدة مثل اقرأننا لم ترد أن تحمّل أبي مصاريف جديدة، تقول: “أحضرت لكم جدتكم وخالتكم ملابس جديدة من هولندا ليس لدى أحد من أصدقائكم مثلها”.
“جيردا” هي قطب الحياة والعائلة، انغمست تماما في ثقافة ذلك البلد حتى أنها طلبت أن تدفن بجانب زوجها، لكن أولادها الثلاثة تأثروا في حياتهم العملية كون الأم هولندية؛ عبدالله عمل في شرطة الطيران الهولندية وكمال تعامل مع شركات سياحية هولندية كثيرة بينما عملت فيموني كمرشدة سياحية باللغة الهولندية لسنوات عديدة.
أبدعت السيدة عكاشة في توثيق سيرة والدتها، وكل العائلة؛ الأب الذي غادر الحياة باكرا جدا، بالإضافة إلى رحيل أخيها كمال ثم زوجة أخيها عبدالله. قدمت للقارئ سيرة مستفيضة المشاعر بكل ما خطر في بالها. سرد متقن ووافر من مشاهد ومواقف الحياة المتباينة؛ يتخللها العادي اليومي، والإنساني لكنها جعلته مختلفا ومثيرا ولافتا في نفس الوقت، مما يحسب للسيدة فيموني نجاحها في سرد الحكاية بصدق، وإخلاص، وفن لا يخلو من الجرأة والشجاعة؛ لم يشاغبها الرقيب الذاتي ولا الرقيب الآخر في دلق ذكرياتها.
أما الصور فهي السيرة البصرية الداعمة .. 130 صورة، ألبوم يحتاج لوحده إلى قراءة لتأمل تلك الحياة؛ تعرّفنا على الهندام والأزياء الأنيقة في زمن بعيد؛ الثلاثينيات، أثاث البيوت، الحفلات الموسيقية العائلية، اللقاءات العائلية الاعتيادية عند شاطيء البحر، وفي المناسبات، الصور الرسمية في الأستوديوهات، العمال في مصنع غزل النسيج، العائلة على السفينة في السفر إلى هولندا، “جيردا” وأنور والحب العظيم، حياة باذخة بالإنسانية والجمال والعطاء، تدعو إلى الإعجاب. لكن تمنيت لو كانت تعليقات الصور بشكل أشمل، بمعنى تحديد أسماء الناس في الصورة فردا فردا، من اليمين إلى اليسار؛ كي تريح القاريء في التعّرف على كل الوجوه بأريحية.
كما جاءت حياة فيموني الشخصية، ووالدها وأخوتها كلهم والأصدقاء وحتى عاملات البيوت اللاتي مررن من هناك، كذلك جميع الأهل في هولندا وكل هؤلاء يدورون في فلك “جيردا”. وكأنها وجدتْ في هذه السيرة ملاذا لتحرير نفسها من هموم عائلية عديدة وحساسة، وكأنها فضفضت كي تريح روح والدتها، أو تعتذر إليها باستعادة غيابها، أو غياب ذهنها في أواخر حياتها، مما صعّبت الحياة على فيموني، أو ربما أرادت تكريمها بتأريخ حياتها بعاطفة جليّة، وجيّاشة من الحب وفائض البوح، وعلى عكس أطباع الهولنديين الذين يعتبرون العواطف الجيّاشة لا تعني إلا إهدارا للطاقة بدون داع. إلا في هذه السيرة فللعواطف كل الداعي واللازم والمهم والممتع.

فيموني عكاشة

فيموني ووالدتها جيردا

عائلة جيردا والطفلة هي فيموني

العائلة في 2013

جيردا والشاعرة فضيلة الموسوي



