بيان” مناصرة فلسطين” في اعتصام “٧٧ نكبة وصمود”

في الذِّكرى السَّابِعَةِ وَالسَّبْعِينَ لنَكْبَةِ فِلَسْطِينَ، لا نَسْتَذْكِرُ مَأْسَاةَ اقْتِلاعِ شَعْبٍ وَتَشْرِيدِ أُمَّةٍ، بَل نَعِيشُها حَيَّةً دَامِيَةً، مُمتَدَّةً بلا انْقِطاعٍ مِنْ مَجازِرِ ديرِ ياسِينَ وَصَفُّورِيَّةِ وَالطَّنْطُورِيَّةِ إلى المَجازِرِ الجارِيَةِ على تُرابِ غَزَّةَ، حَيْثُ تُمَزَّقُ الأَجْسَادُ وَتُدفَنُ العائِلَاتُ تَحْتَ الرِّكامِ، وَحَيْثُ لا يَزالُ المَشْرُوعُ الصَّهْيُونِيُّ يُواصِلُ اسْتِعْلائَهُ الدَّمَوِيَّ مُتَكِئًا على صَمْتِ العالَمِ وَتَواطُؤِ القَرِيبِ قَبْلَ البَعِيدِ.
لَقَدْ قِيلَ لَنَا في نَكْبَةِ عامِ 1948 إنَّ الجُيُوشَ العَرَبِيَّةَ لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ، وَإنَّ الأَنباءَ كانَتْ تَصِلُ مُتَأَخِّرَةً، وَإنَّ الجاهِزِيَّةَ لَمْ تَكْتَمِلْ. واليَوْمَ، وَبَعْدَ سَبْعَةِ عُقودٍ وَسَبْعِ سَنَوَاتٍ، تُبَثُّ النَّكْبَةُ على الهَوَاءِ مُباشَرَةً، مَشاهِدُ دَمِ الأَطْفالِ وَهَدْمِ البُيُوتِ وَتَدْمِيرِ المُسْتَشْفَيَاتِ تُنْقَلُ لَحْظَةً بِلَحْظَةٍ، لَكِنَّ الجُيُوشَ لا تَتَحَرَّكُ، وَالدُّوَلُ لا تَنْبِسُ بِبِنْتِ شَفَةٍ إِلا تَنْدِيدًا خَجُولًا لا يُطْعِمُ جائِعًا وَلا يَرْدَعُ مُجْرِمًا. وَما عادَ لِأَحَدٍ أَنْ يَزْعُمَ الجَهْلَ أَوِ العَجْزَ، فَالنَّكْبَةُ تُبَثُّ على الهَوَاءِ مُباشَرَةً، وَلا عَزاءَ لِلْمُتَقاَعِسِينَ.
نَرَى السِّلاحَ العَرَبِيَّ يُكَدَّسُ، وَتُعْقَدُ لَهُ صَفَقَاتٌ بِمِلْيارَاتٍ تُزَخْرَفُ بِها العَواصِمُ وَلا تُنْصَرُ بِها القَضايا، لا لِحِمايَةِ الشُّعوبِ وَلا لِنَصْرَةِ العَدَالَةِ، بَل لِيَظَلَّ حَبِيسَ المَخازِنِ أَوْ مُوَجَّهًا إلى صُدورِ الأَحْرارِ إِنْ هُمْ حاوَلُوا نَصْرَةَ إِخْوانِهِمْ أَوْ لَفْظَ الظُّلْمِ وَالاِسْتِبْدادِ. لا عُذْرَ اليَوْمَ لِمَنْ يَتَذَرَّعُ بِالجَهْلِ، فَقَدْ سَقَطَتِ الحُجُبُ، وَما عادَ السُّكوتُ إِلا شِراكَةً في الإِثْمِ، وَتَواطُؤًا مَعَ القاتِلِ.
إِنَّ المَشْرُوعَ الصَّهْيُونِيَّ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا مَشْرُوعَ تَعايُشٍ أَوْ تَسْوِيَةٍ، بَل هُوَ مَشْرُوعٌ إِحْلالِيٌّ اِسْتِعْمَارِيٌّ في جَوْهَرِهِ، قائِمٌ على نَفْيِ وُجودِ الآخَرِ وَسَلْبِهِ أَرْضَهُ وَتَارِيخِهِ. لَقَدِ ادَّعَى أَنَّ فِلَسْطِينَ “أَرْضٌ بِلَا شَعْبٍ لِشَعْبٍ بِلَا أَرْضٍ”، وَيَسْعَى بِقُوَّةِ النَّارِ وَالدَّمِ إِلَى جَعْلِ هذَا الزَّيْفِ حَقِيقَةً، بِتَفْرِيغِ الأَرْضِ مِنْ أَهْلِهَا، وَاقْتِلاعِهِمْ مِنْ جُذورِهِمْ، وَتَحْوِيلِ الرِّوَايَةِ المُخْتَلَقَةِ إِلَى وَاقِعٍ مَيْدَانِيٍّ يَفْرِضُهُ بِالدَّمِ، ثُمَّ يُطالِبُ العالَمَ بِالتَّعامُلِ مَعَهُ كَصاحِبِ حَقٍّ. وَما كانَ لِهذَا المَنْطِقِ الإِجْرامِيِّ أَنْ يَنْجَحَ لَوْلا نِظامٍ دُولِيٍّ مائِلٍ، يَرَى في القاتِلِ صاحِبَ “حَقٍّ مَشْرُوعٍ”، وَفي الضَّحِيَّةِ مُتَّهَمًا إِلَى أَنْ يُثْبِتَ العَكْسَ.
هذَا المَشْرُوعُ الوَظِيفِيُّ تَبَدَّلَ مَشْغِلُوهُ عَبْرَ التَّارِيخِ؛ فَبَعْدَ أَنْ كانَ يَخْدِمُ الاِسْتِعْمَارَ البِرِيطانِيَّ، تَحَوَّلَ اليَوْمَ إلى الرِّعايَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ الَّتِي تُمَوِّلُ وَتَرْعَى هذِهِ الإِبَادَةَ، وَتَتَأَكَّدُ مِنْ تَقْدِيمِ كافَّةِ التَّسْهِيلاتِ لِهذَا الكِيانِ لِيَسْتَمِرَّ في هَيْمَنَتِهِ. هذِهِ الهَيْمَنَةُ الَّتِي يُرادُ لَهَا دُولِيًّا أَنْ تَعْلُو فَوْقَ كافَّةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ لِتَكُونَ لَهَا السِّيادَةُ المُطْلَقَةُ عَلَى المِنْطَقَةِ. وَواجِبُ قِيَادَاتِ المِنْطَقَةِ أَنْ تَتَفَطَّنَ إِلَى أَنَّ الدَّوْرَ سَيَأْتِي عَلَيْهِمْ عَمَّا قَرِيبٍ، فَالْغَدْرُ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ صَدِيقٍ وَعَدُوٍّ، وَمَنْ لَمْ يَحْصِّنْ بِلادَهُ وَيَسْتَيْقِظْ مُبَكِّرًا، سَيَجِدُ نَفْسَهُ مُسْتَهْدَفًا كَمَا وَجَدَ إِخْوَانَهُ الفِلَسْطِينِيُّونَ.
السَّادَةُ الحُضُورُ،
إِنَّنا نَكْتُبُ هذَا البَيَانَ وَعُيُونُنَا عَلَى غَزَّةَ، وَقُلُوبُنَا مُعَلَّقَةٌ بِالْقُدْسِ، وَأَمَلُنَا مَعْقُودٌ عَلَى يَقْظَةِ أُمَّةٍ لابُدَّ أَنْ يَحِينَ أَوَانُ فَجْرِها.
إِنَّ مَا يَجْرِي في غَزَّةَ اليَوْمَ يُضاهِي النَّكْبَةَ الأُولَى، وَرُبَّمَا يَفُوقُها فَظَاعَةً، لَكِنَّ شَعْبَنَا لا يَزالُ واقِفًا، يَحْمِلُ جِرَاحَهُ وَيَصْنَعُ مِنْها دِرْعًا لِلْمُقَاوَمَةِ، وَيُصِرُّ عَلَى أَنْ لا تَكُونَ نَكْبَتُهُ نِهايَةً بَلْ بَدَايَةً، لا اِسْتِسْلَامًا بَل صُمُودًا يَتَحَدَّى الزَّمَنَ وَالخَذْلانَ.
نَعْتَصِمُ اليَوْمَ لِنَقُولَ:
إِنَّ النَّكْبَةَ لَمْ تَكُنْ لَحْظَةً في التَّاريخِ، بَل مَشْرُوعُ اِحْتِلالٍ مُسْتَمِرٍّ لا يَقِفُ عِنْدَ حُدودٍ، وَلا يَكْتَفِي بِأَرْضٍ.
وَإِنَّ الكِفاحَ الفِلَسْطِينِيَّ، بِمُقَاوَمَتِهِ المُتَجَذِّرَةِ، هُوَ الضَّمَانَةُ الوَحِيدَةُ لِمَنْعِ العَدُوِّ مِنَ التَّمَدُّدِ وَالإِفْلَاتِ مِنَ الحِسَابِ.
وَإِنَّ صَمْتَ الجُيُوشِ وَالدُّوَلِ لَيْسَ قَدَرًا، بَل خِيارًا سِياسِيًّا مَدَانًا، لا يُعْذَرُ فيهِ أَحَدٌ.
وَإِنَّنا كأَحْرارِ هذِهِ الأُمَّةِ، لَنْ نَكُونَ شُهُودَ زُورٍ، بَل أَصْوَاتًا تَصْرُخُ في وَجْهِ الصَّمْتِ، وَقُلُوبًا تَنْبِضُ بِحُبِّ فِلَسْطِينَ، وَسَواعدٍ تُوَاصِلُ الكِفاحَ وَلَو بِالكَلِمَةِ وَالمَوْقِفِ وَالمُقَاطَعَةِ.
يا أَبْناءَ أُمَّتِنا،
لِتَكُنْ هذِهِ الذِّكرَى نِداءَ يَقَظَةٍ، وَدَعْوَةً لِمُراجَعَةِ المَوْقِفِ.
فَمَنْ لَمْ يَهْتَزَّ لِغَزَّةَ الجَريحَةِ، فَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القُدْسِ نَسَبٌ وَلا عَهْدٌ ولا دين.
وَمَنْ لَمْ يَغْضَبْ لِقَتْلِ الأَطْفالِ، فَلا مَكانَ لَهُ في صُفُوفِ الأَحْرارِ المؤمنين.
سَنَظَلُّ نَنْحازُ لِلْحَقِّ الَّذِي نُؤْمِنُ بِهِ وَنَعْرِفُ، نَعُضُّ على نَوَاجِذِنا بِهِ، وَنُقَاطِعُ مَنْ يَدْعَمُ الاِحْتِلالَ وَيَدْعَمُ إِبَادَةَ أَهْلِنا.
وَإِنَّ مَآلَ كُلِّ اِحْتِلالٍ إِلَى زَوَالٍ، وَإِنَّ مَصِيرَ المُقَاوِمِ النَّصْرُ،
وَسَتَبْقى فِلَسْطِينَ، كُلُّ فِلَسْطِينَ، مِنَ النَّهْرِ إِلَى البَحْرِ، أَرْضًا عَرَبِيَّةً حُرَّةً عَصِيَّةً عَلَى الاِنْدِثارِ.
هذَا البَيَانُ صَادِرٌ عَنِ جَمْعِيَّةِ مُنَاصَرَةِ فِلَسْطِينَ وَفاءً لِدِماءِ الشُّهَداءِ، وَإِسْنَادًا لِغَزَّةَ في نَكْبَتِها المُسْتَمِرَّةِ.


