“حِبرُ الحَبْر حُبور” الحلقة الحادية والثلاثون من ماء الكلام يكتبها وليد الخطيب

يبدو الحِبر في أعين الناس مجرّد سائل داكن، يسكبه القلم في سكونٍ على بياض الورق، لتُخطَّ به الأفكار والأحلام والهموم والتأمّلات… لكنه في اللغة العربية أعمق من ذلك بكثير، بل لعلّه من أكثر الكلمات اتّصالًا بجوهر الإنسان: وهي التعبير. “الحِبر” هو أثر العقل إذا نطق، وأثر القلب إذا كتب، وأثر الضمير إذا قرّر ألّا يصمت.
أما المفاجأة فهي في أنّ الجذر نفسه “ح ب ر” هو الذي اشتُقّت منه كلمة “الحَبْر”، والتي تعني العالِم، الفقيه، العارف بالكتاب، أو من كَثُر علمه حتى سُمِّي بذلك تشريفًا، لا وصفًا فحسب. في التوراة والقرآن على السواء، وُصف أهل العلم من بني إسرائيل بالأحبار، لا لأنهم يكتبون فحسب، بل لأنهم يعرِفون ما وراء المكتوب أيضًا.
فما العلاقة بين الحِبر والحَبْر؟
كلاهما يكتب، لكن أحدهما مادّة، والآخر معنى. أحدهما أثر ظاهر، والثاني نور باطن. الحِبر يمكّنك من أن تكتب، والحَبْر يعلّمك ماذا تكتب ولماذا. ولك أن تتخيّل ما تصير إليه الحضارة حين يجتمع الحِبر بالحَبْر، أي حين يُمسك القلمَ من يستحقّه.
ومن الطريف أن من معاني الجذر “ح ب ر”: السرور والحُسن والزينة، فكأن الكتابة زينة المعنى، وكأن العلم زينة العقل، وكأن الحِبر والحَبْر توأمان، أحدهما يسيل، والآخر يفيض. فقد ورد في لسان العرب: المِدَاد: “حِبْر” وهو الذي يُكتب به، ومكانه المِحْبَرَة. العالم: “حِبْر” و”حَبْر” للعالِم، و”الأحبار” الجمع، وذلك لأنهم كانوا كتّابًا أو مُحَسِّنِين للكلام. السُّرور: “حَبَرَهُ” أي سرَّهُ، و”الحُبُور” هو الفَرَح والسُّرور، ورد في القرآن الكريم ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ (الروم، 15) تعني يُسَرُّون ويُنَعَّمُونَ. التَّحْسِين والزِّينة: “حَبَّرَ” حسَّنَ ونَمَّقَ، مثل تحبير الشعر والخط. ويُقال: “لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْمَعُ لِقِرَاءتِي لَحَبَّرْتُهَا لَك تَحْبِيرًا”. الأثر والبَقِيّة: “الحِبار” و”الحِبر” بمعنى الأَثر. ويُقال: “حَبِرَ الجُرْحُ” أي بَرَأَ وبَقِيَتْ له آثارٌ. البهاء والحُسن: “حَسَنُ الحِبر والسِّبْرِ”، بمعنى الحُسن والبهاء في المظهر. برود اليَمَن: “الحِبَرَةُ” تُطلق على بُرْد يَمَانِيّ مُخَطَّط.
وورد في مقاييس اللغة الحِبْر والحَبر لهما الأصل نفسه وهما معنيان متداخلان، ولكل منهما استخدامات خاصة: الحِبْر بالكسر: يشير بشكل أساسي إلى المِدَاد المستخدم في الكتابة، ولكنه يُطلق أيضًا على العالِم، ويعتبر الكسر فيه أفصح عند الإشارة إلى العلم. الحَبر بالفتح: يُطلق على العالِم أيضًا، وهو اللغة فيه. ويُستخدم هذا اللفظ للإشارة إلى تحسين الشيء وتزيينه (من معنى “حَبَّر”)، وكذلك بمعنى الأثر.
فإن سُئلت: ما أجمل ما يُكتب؟ قل: ذاك الذي خُطَّ بالحِبر من عقلِ حَبْر.
فالحِبر: سائل الكتابة، أداة العقل، وأثر الفكر. والحَبْر: العالم الفقيه في اللغة والدين، أو من غلب علمُه وفهمُه حتى أصبح “محرّرًا” للمعاني.
الرابط في الجذر “ح ب ر” يوحي بالزينة والجمال، فكأن الكتابة تَزِين، والعالِم يُزَيِّن العقول بالعلم، وفي بعض المعاني القديمة “الحَبر” هو الزينة نفسها، ما يجعل كلامنا هذا مجالًا رحبًا للتأمل في العلاقة بين المظهر والمعنى، وبين الأداة والفاعل.


