
كَلِمَاتٌ تَكْنُزُ، فِي الْقَبَضَاتِ الْمُلْتَحِمَة، أَسْرارَ الرِّيحْ.
****
أَقْدَامُ فَوَارسِ عَتْقٍ مِنْ كُلِّ قَيْدٍ وبَطْشٍ،
وَجَوْرٍ وظُلْمٍ،
وذُلٍّ،
ومهانةٍ وَهَوَانْ.
سَعْيٌ لَاهِبٌ لجَبْرِ نَقْصٍ وُجُوديٍّ فَادِحٍ، ونَيْلِ حُرِّيَّةٍ نَاجِزةٍ، وَاجْتِراحِ إنْسَانِيَّةٍ خالدةٍ تَسْعَى لإِدْرَاكِ كَمَالٍ حياتيٍّ وُجُودِيٍّ يُنْقِصُهُ ما تُدْركُهُ الذاتُ الإنسانيَّةُ المتحَفِّزةُ الوَقَّادَةُ من كَمَالٍ، فَتَنْهَضُ من فورها، لِتُكْمِلَهُ!
أَجْنِحَةُ نُسُورٍ تُوْمِضُ أَرْيَاشُها بِبَرْقِ رُؤَىً وَضَّاءةٍ، وَبَهاءِ عَزْمٍ إِنْسَانِيٍّ سَنِيٍّ، وَسَنَاءِ مَقَاصِدَ سَامِيَةٍ، وتَشَعُّبِ دُرُوبْ.
تَلَازُمِ بِسَالَةِ خَبْطِ أَقْدَامٍ هَادِرٍ، مَعْ نُبْلِ وَسَائلَ، وَسُمُوِّ أَهْدَافٍ، وَسُمُوقِ غَايَاتْ.
رَفْرَفَاتُ عَصَافِيرِ انْعِتَاقٍ وحُرِّيَّةٍ تَجُوسُ شَتَّى أَحْيَازِ الْأَرْضِ مُغَرِّدةً فِي أَثِيْرِ الفَضَاءَاتِ بِلَحْنِ حَيَاةٍ يُقَلِّدُ الشَّمْسَ وِشَاحَ حُرِّيَّتِهَا، وَيَبُثُّ فِي آذَانِ السَّمَاواتِ رَسَائِلَ الْأُرُوضِ مَحْمُوَلةً عَلَى صَوتِ وُجُودٍ يَنْطِقُ تَوْقَ نَفْسِهِ الخالدةِ، وَأَشْوَاقَ الإِنْسَانِيينَ التَّوَّاقِينَ إِلَيْهِ، وإليْهَا، مِنْ أَحْرارِ النَّاسْ.
كَلَامٌ مَحْمُولٌ عَلَى أَثِيْرِ تَأَفُّفٍ كَونِيٍّ، وَتَنَهُدَاتِ أَوْجَاعٍ، وَبُحَّةِ صَوْتٍ مُتَمَرِّدٍ، وَلَدْغٍ ومَزْجٍ وإدْغَامٍ، وَصَمْتٍ قَوَّالٍ، وَغُنَةِ رِيْحٍ وَاعِدَةٍ تَتَهَيَّاُ لِهُبُوبٍ عَظِيم.
أَقْدَامُ خُيُولٍ مُجَنَّحَةٍ؛ وَأَجْنِحَةُ نُسُورٍ بَصِيْرَةٍ؛ وَرَفْرَفَاتُ عَصَافِيرَ تُغَرِّدُ حَنَاجِرُهَا بِلَحْنِ حَيَاةٍ، هِيَ عَيْنُ عَيْنِ الْحَيَاةِ، تُبْحِرُ الآنَ فِي أَنْسِجَةِ خَلَايَا كُلِّ قَطْرةٍ مَاءٍ، وجَدْوَلٍ، وَغَديرٍ، وبِرْكَةٍ، وَبُحَيْرَةٍ، ونَهْرٍ، وَبَحْرٍ، وَمُحِيْطٍ، وَمَدَارِ وُجُودٍ، فَيَرْسَخُ وُجُودَهَا فِي نَسَغِ الْأَدِيم، وَأَثِيْرِ الْفَضَاءِ، وَنَقَاءِ الْماءِ، وَتُوْغِلُ، رَاحِلَةً، فِي السَّمَاوَاتِ، مَسْكُونةً بِمَكْنُونَاتِ مَا اكْتَنَزَتْهُ جَوْهَرةُ الرُّوحِ مِنْ وَصَايَا صَلَائِبِ نُوَاةِ الْجَذْرِ الْحَيَوِيِّ الْأَصْلِ، وتَرَائِبِ الْأَفْئِدةِ، وَحَنَايَا مَحَاِرِيْبِ الضُّلُوعْ.
وَكأنِّي بِكَ يَا وَطَني شَجَرةَ زَيْتَونٍ غَرَسَتْهَا قِيَمٌ عَالِيَةٌ فِي رَحْمِ الْوَالِدَةِ الأُمِّ، وَفِي صُلْبِ النَّفْسِ الْكُلِّيَّةِ كَيْ تَسْريَ أَنْسَاغَاً فِي أَوْشِجَةِ الرُّوحِ، فَتَغْرِسَ فِي أَنْسِجَةِ الَعَضَدِ الْجَمْعيِّ بُذُوْرَ شُمُوسٍ تَتَوهَّجُ أَنْوراً فِي كُنْهِ كِيَانِكَ إِذْ تَلْمَسُكَ، فَتَمْلأُكَ بِكَيْنُونَتِكَ، وَتُلْهِبُ، فِي كُلِّ مَداراتِ وُجُودِكَ، وَقْعَ خُطَاكْ.
***
هُوَ ذَا الْجَذْرُ الْأَصْلِ المُتَجَذِّرُ فِي لُبِّ نُوَاةِ اللُّؤْلُؤَةِ الدُّرَّةْ؛
هُوَ ذَا الْجَذْرُ الْمُتَأَصِّلُ فِي صُلْبِ كِيَانِ الْأَرْضِ الْحُرَّة؛
هُوَ ذَا الْجَذْرُ المُتَشَابِكِ مَعْ أَنْسِجَةِ الطَّبَقَاتِ السَّبْعْ؛
الْجَذْرُ المُتَشَعِّبُ فْي نَوَيَاتِ الأَوْشِحَةِ،
وَأَعْطَافِ الأَغْطِيَةِ،
وَأَوْرِدَةِ الْأَطْواءِ.
هُوَ ذَا الْجَذْرُ الأَصْلُ الرَّاسِخُ فِي صُلْبِ نُوَاةِ أَدِيْمِ الْأَرْضْ؛ الْمَتَجَلِّي كَوْكَبَ نُوْرٍ دُرِّيٍّ فِي أَعْلَى أَبْرَاجِ سَمَاوَاتِ الْكَوُنْ.
هُوَ ذَا الْجَذْرُ المُتَهَادِي أَشَرِعَةَ هِبَاتٍ وعَطَايَا فَوْقَ سُطُوحِ الأَمْواهِ الصَّافِيَةِ؛ وَفِي مَوَرَانِ هَيَاجِ الْمَوجْ.
هُوَ ذَا الْجَذْرُ الْمُتَمَازجُ أَرْوَاحَاً تَتَجَسَّدُ فِي كُينُونَاتٍ تَضْفُرُ حَاجَاتِ الْعَيْشِ الحُرِّ بِأَشْوَاقَ الرُّوحْ.
هُوَ ذَا الْجَذْرُ الْمُنْصَهِرُ، بِوَهَجِ الْعَقلِ الْوَقَّادِ، سَبَائِكَ أَنْوارٍ، وَعَنَاقِيْدَ خَيَالٍ خَلَّاقٍ مِنْ كَلِمَاتٍ تَكْنُزُ، فِي الْقَبَضَاتِ الْمُلْتَحِمَة، أَسْرارَ الرِّيحْ.
هُوَ ذَا الْجَذْرُ الْمُتَمَاوِجُ فِي أَقْوَاسِ الْمَطَرِ الْمُخْصِبِ، وَمرَايَا الضَّوْءِ الْوَهَّاجْ:
بَرْقَ زَيْتُونٍ؛ ووَمْضَ تَيْنْ؛
سُطُوْعَ رُمَّانٍ، وَلَمْعَ كَرْمْ؛
إِشْرَاقَ شَقَائِقِ نُعْمَانٍ؛
وَإِنْشَادَ عُرُوقِ رَيْحَانٍ،
وأَزَاهِيرَ بنَفْسِجٍ، ويَاسَمِين:
فُيُوضَاتِ أَرائِجَ أَثْيْريَّةٍ؛
لَأْلَآتِ أَلْوَانٍ أُرْجُوانِيَّةٍ.
هَا هُوَ ذا الجذْرُ الأصلُ تَمُّوُجَاتُ أَصْوَاتٍ وَأَصْدَاءٍ، وَرَجْعُ أَصْواتٍ وأَصْدَاءٍ تَصَدْحُ بسِيْمْفُونِيَّاتِ رَسَائِلَ مُتَبَادَلةٍ بَينَ أَرْضٍ وَسَمَاءٍ؛ فَتُحَاكِي أَنْغَامَ جَوْهَرَ كَيْنَونَةِ الإِنْسَانِ، وَتَبُثُّ مَعْنَى تَعَدُّدِ نَبَراتِ الْحَيَاةِ، وَمَغْزَى تَنَوُّعِ تَجَلِّيَاتِ كُنْهِ الْوُجُودْ وجوهر جَوْهَرِهِ الإنسانيِّ الصَّافي!
هَا هُوَ ذَا الْجَذْرُ المُتَجَلِّي فِي الأعْمَاقِ، وَفِي الْعُقْدَاتِ، وَفِي الْأَغْوَارِ، وَفِي الأَعْطَافِ، وفِيِ أَصْلَابِ الْأَنْفُسِ، وَثَنَايَا الثَّنْيَاتْ!
هَا هُوَ ذَا الْجَذْرُ الأزليُّ الأَبَدِيُّ الْمتَبَدِّي، بِجَلاءٍ وسُطُوعٍ، في مِرْآةِ الْأَرْضِ، وَفي قَسَمَاتِ وُجُوهِ سُلَالاتِ الأُمِّ الْخَالِدَةِ: “فَلَسْطِيْن”!
هَا هُوَ ذَا الْجّذْرُ الْمَائِجُ فِي الْأَجْواءِ الْعَاليَةِ، وَفِي أَوْشِاجِ تَرَانِيْمِ الرُّوُحِ الْوَثَّابَةْ!
وهَا هُوَ ذَا الْجّذْرُ الْكَانِزُ جَوهَرِ مَا يَكْتَنزُ الْعَقلُ، الْقَلْبُ، الْبَدنُ، الْحِسُّ، ضَمِيرُ الْوِجْدَانْ!
وَتِلْكَ حَقَائِقُ رَاسِخَةٌ تَجْهَرُ بِحَقِيقَةِ أَنَّ فِلَسْطينَ الْوَطَّنَ الحيَويَّ الْحُرَّ هَيَ الإنْسَانُ الوطنيُّ الإنسانيُّ الحَقُّ؛ وهِيَ الْوَطَنُ الإنسانيُّ الأَزَلِيُّ الأَبَديُّ الإِنْسَانْ!
***
هَا هِيَ ذِي دُرَّةُ تَاجِ الْكَونِ الْإِنْسَانِيِّ الْوَاسِمَةُ حَضَاراتِ الْأَرْضِ الْوَاهِبَةِ الإنْسَانَ الْإنْسَانَ: “فِلَسْطِينْ”؛
فِلَسْطينُ الْوَطَنُ، الْحَاضِرةُ الآنَ، عَلَى رَغْمِ تَوَحُّشِ، وَاسْتِبْدَادِ، وبَطْشِ، الْمُحْتَلِّ الصُّهْيُونيِّ الْغَاصِبِ؛
فِلَسْطينُ الْبَاقِيَةُ عَلى رَغْمِ اسْتْفْحَالِ قُيُوظِ الْخَيْبةِ، وَالْغُمَّةِ، وَصَقِيْعِ قُعُودِ الْهِمَّة، وَالْخُذْلانْ؛
فِلَسْطينُ الْفَوَّاحَةُ، أَبَدَاً، بِرَحِيقِ حَضَاراتِ الرُّوُحِ الْخَلَّاقِ، وَأَرَجِ جَلَاءِ الْفِكْرةِ، وَصَفَاءِ الرُّؤيَةِ؛ وَسُطُوعِ الْحُجَّةِ، والبُرْهَان؛
فِلَسْطينُ الُمتَوهِّجةُ بِإشْعَاعَاتِ النُّورِ الدُّرِّيِّ الْآتي مِنْ أسِطَعِ ماَ فِي الإنْسَانِ الإنْسَانِ مِنَ الإنْسَانْ؛
فِلَسْطينُ الْمُفْعَمَةُ بِتَاريخِ صَنَائعِ شَعْبِ فِلَسْطِينَ المُتَشَبِّثِ بالْأَرْضِ الأُمِّ؛ الْأَرْضِ الْوَطَنِ، الأَرْضِ الْإِنْسَانْ؛
هَا هُوَ ذَا شَعْبُ فِلَسْطينَ النَّاهِضُ، حُرَّاً وَطَليْقَاً، فَوْقَ شِبَاكِ الْوَعْيِ الزَّائِفِ، وَالْمَتَمَاهِي، بِيَقِينِ الإنْسَانِ الرَّائي والْعَارِفِ، بِدَوامِ الْعَزمِ عَلَى اسْتِئْصَالِ صُرُوفِ الدَّهْرِ، وَنَزْعِ ضَرَاوةِ أَثْقَالِ الْقَهْرِ، وَكَسْرِ حَدِيدِ الْأَغْلالِ، وَعَتْقِ اْلأَعْنَاقِ، وَقَلْعِ ضُروُسِ وَأَنْيَابِ الْخَائِرِ، وَالْخَاذِلِ، وَالْخَائِنِ، وَالسَّجَّانْ.
وَهَا هِي ذي أرْضُ فِلَسْطِنَ الْوَاِعِدَةُ، وغَيْرُ الْمُوعُودةِ، أَبَداً، لِسَوي شَعْبِ فِلَسْطينْ؛ أَرْضُ فِلَسْطِينَ المُستَّلَّةُ، أَبَدَاً، وبِلَا أَدْنَى رَيْبٍ، مِنْ أَنِيَابِ فُكُوكِ غُزَاةٍ جُبِلُوُا بِلُعَابِ شَيَاطينِ رُؤوسِ الْأَمْوالِ المُتَوَحِّشَةِ، وَبِإفْرازاتِ صَدَيدِ قُرُونِ الْجَشَعِ الاسْتِعْمَاريِّ الاسْتِئْصَاليِّ الْوَحْشِيِّ الإِحْلَالِيِّ الاسْتئْثَارِيِّ الْحَسَدَيِّ الْحِقْدِيِّ الآسِنْ.


