
بقلم: سحر الهنيدي بالمر- كاتبة وبودكاستر بريطانية فلسطينية مقيمة في الإمارات العربيَّة المتَّحدة

قال أنور الخطيب:
دمي، آخر ناجٍٍ من عشتار
سفحته امرأة كانت ترقص
في هاوية اللذة
دمي، ثمل من شيء في اللاكأس
من لذّة في اللانساء
من صرخة في اللانداء
من جنة بلا أتقياء
لماذا؟ دمي مخذول
ويستحي لو استعدته
من تراب الشهداء
ـــــــــ
يبدأ نص الشاعر أنور الخطيب من البقايا. “دمي، آخر ناجٍ من عشتار” يضعنا أمام ما تبقّى من منظومة كاملة، لا أمام تجربة فردية منفصلة. عشتار هنا مرجعية حضارية تشير إلى البدايات الأولى، إلى الخصوبة، وإلى قدرة هذا المكان على إنتاج المعنى والاستمرار. حين يعرّف الشاعر دمه بأنه “آخر ناجٍٍ”، فهو لا يقدّم توصيفاً ذاتياً بقدر ما يحدّد موقعاً: ما تبقّى بعد انقطاع الامتداد.
هذا التحوّل في موقع الذات يغيّر طبيعة القراءة. الدم لا يظهر كعنصر حيوي داخل الجسد، بل كذاكرة حيّة، تحمل أثراً لم يعد يجد ما يحتويه. العلاقة هنا ليست بين فرد وتجربة، بل بين ذاكرة ممتدة وواقع لم يعد يعكسها. هذه الفجوة هي ما يؤسس توتر النص منذ بدايته.
“سفَحته امرأة كانت ترقص في هاوية اللذة” تدفع هذا التوتر إلى مستوى أكثر تعقيداً. المرأة لا تُقرأ كموضوع عاطفي، بل كصورة مكثفة لمدينة أو واقع حضري. الرقص يوحي بالحياة، بالحركة، بالانجذاب، لكن اقترانه بالهاوية يبدّل المعنى بالكامل. اللذة لم تعد امتلاءً، بل انحداراً. ما يحدث ليس مواجهة مباشرة، بل استنزاف تدريجي، يتم عبر الإغواء لا عبر الرفض..
هذا الاستنزاف لا يُعلن نفسه كعنف، بل يتخفّى داخل ما يبدو طبيعياً. المدينة لا تقطع العلاقة مع هذا الدم، بل تستهلكه. لا تنفيه، بل تفرّغه. وهنا يتضح أن الخلل ليس في الحدث، بل في البنية التي لم تعد قادرة على احتواء ما تحمله.
“دمي، ثمل من شيء في اللاكأس“. هذه الجملة لا تواصل الفعل، بل تثبّت حالة. الثمل حاضر، لكن الكأس غائب. هناك نشوة، لكن لا يمكن تحديد مصدرها. هذا الغياب ليس تفصيلاً، بل مركز المعنى. التجربة قائمة، لكن ما يفترض أن يفسّرها أو يحتويها غير موجود..
يمتد هذا الفراغ إلى اللغة نفسها. عبارات “من لذّة في اللانساء”، و“من صرخة في اللانداء”، “من جنة بلا أتقياء” تحتفظ ببنيتها، لكنها تفقد وظيفتها. اللذة تتحوّل إلى نسيان، الصرخة لا تبلغ أحدا، الجنة تفقد معناها الأخلاقي؛ المفاهيم لا تختفي، لكنها تُفرَّغ من معانيها.
الحركة هنا دقيقة ومتدرجة. يبدأ النص من الإحساس، ينتقل إلى الصوت، ثم يصل إلى البنية الكاملة. في كل مستوى، يبقى الشكل حاضراً، بينما يتراجع المعنى. هذه ليست حالة غياب، بل حالة امتلاء شكلي بلا مضمون.
ثم يأتي السؤال الجوهري: “لماذا؟ دمي مخذول”. السؤال لا يفتح باباً للتفسير، بل يثبّت النتيجة. الخذلان هنا ليس لحظة شعورية، بل خلاصة هذا التفريغ المستمر. ما يحمله الدم من ذاكرة ومعنى لا يجد ما يقابله، ولا ما يحتمله. الفجوة لم تعد احتمالاً، بل واقعاً.
“ويستحي لو استعدته من تراب الشهداء”. هذه الجملة تعيد ترتيب القراءة بالكامل. “تراب الشهداء” يشير إلى الذاكرة الجمعية، إلى التضحية، وإلى الشرعية الأخلاقية التي يفترض أن تمنح هذا الدم امتداداً. لكن الاستحياء يكشف خللاً أعمق. المشكلة لا تكمن في هذا التراب، بل في الحاضر الذي لم يعد يوازيه.
استدعاء هذا الماضي لا يعيد التوازن، بل يفضح المسافة. ما كان يمنح القوة أصبح يكشف الاختلال. الذاكرة هنا لا تنهار، لكنها تفقد قدرتها على أن تكون مرجعية فعّالة داخل واقع متحوّل.
هذا التوتر يكتسب وضوحه من تجربة اقتلاع يكتب منها أنور الخطيب كشاعر فلسطيني. ما نقرأه ليس بناءً رمزياً منفصلاً، بل تعبير عن واقع يُعاش. الانتماء لا يظهر كحالة مستقرة، بل كشيء مهدّد، يُعاد تعريفه تحت ضغط الفقدان.
هذا ما يفسّر دقة اللغة في النص. لا يوجد تصريح مباشر، لكن كل صورة تحمل حمولة تتجاوز نفسها. المدينة ليست مكاناً فقط، بل بنية تنتج المعنى أو تفرّغه. والإنسان داخلها لا يعيش بمعزل عنها، بل يتأثر بقدرتها على الاحتواء أو عجزها عنه.
ما يلفت في هذا النص أنه لا يقدّم انهياراً صريحاً. كل العناصر ما زالت موجودة: اللذة، الصوت، الجنة. لكن هذه العناصر فقدت وظيفتها. هذا النوع من التآكل أصعب من الانهيار، لأنه لا يظهر كأزمة واضحة، ولا يواجه كحدث مباشر.
“النص يقدّم تشخيصاً دقيقاً لعلاقة مضطربة بين الإنسان ومكانه. أن تحمل تاريخاً، قيماً، وذاكرة، ثم تجد نفسك في واقع لا يعكسها”.
النص يقدّم تشخيصاً دقيقاً لعلاقة مضطربة بين الإنسان ومكانه. أن تحمل تاريخاً، قيماً، وذاكرة، ثم تجد نفسك في واقع لا يعكسها. ليس لأن هذا الإرث اختفى، بل لأن البنية التي كان يعيش فيها تغيّرت.
السؤال يتجاوز الماضي إلى الحاضر. ماذا نفعل بما نحمله حين لا تجد له البنية التي تحتضنه؟ استعادته من الماضي لا تكفي، لأن المشكلة لم تعد في غيابه، بل في عدم قدرة الحاضر على احتوائه. وتجاهله يعني فقدان معناه.
النص لا يقترح حلاً، ولا يحاول تخفيف هذا التوتر. يضعه كما هو، بوضوح كامل. وهذا ما يمنحه قوته، ويجعل قراءته أقرب إلى مواجهة، لا إلى تفسير.


