الرويعي والصفار بين المشرط والمِخيَط

بقلم: د.عباس حسن القصاب-المدير التنفيذي للجنة الدائمة للفرق المسرحية الأهلية بمجلس التعاون لدول الخليج العربية
في بودكاست رائع ومثير ونافع حقا بمناسبة يوم المسرح العالمي استمعت لأخوين وصديقين أعرفهما عن قرب حق المعرفة، أعتز بهما كل الاعتزاز، لما يتصفان من حلو المعشر، وطيب الخلق، وصفاء الفكر، وهما الأستاذ الفنان خالد الرويعي رئيس اللجنة الدائمة للفرق المسرحية الأهلية في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والأستاذ الفنان محمد الصفار رئيس اتحاد جمعيات المسرحيين البحرينيين، وإدارة المتألقة الفنانة عهود سبت ، حيث تميز اللقاء بالشفافية إلى حد كبير، وينمّ عن ثقافة واسعة متغلغلة في فكر المتحاورين، وشغف لا حدود له لأبي الفنون، يجمعهما اتساع الأفق، وحب الإنسان والحياة.
طرح الفنانان بحسب موقعيهما القيادي مجموعة من القضايا المهمة في عالم المسرح المحلي والخليجي تقودهما في توصيف الواقع المسرحي خبرتهما الطويلة، وتجربتهما المسرحية الفنية العميقة، فهما نتاج مخاض تكوين مسرحي صارم، أولدت فيهما حنكة إدارية جراء امتزاجهما والتصاقهما بإداريين مخضرمين قد ردوا إليهم الجميل بما قدّموه من عمل وجهد من أجل إنجاح التجربة المسرحية البحرينية والخليجية.
استعملا مشرط تشريح الواقع المسرحي البحريني المحلي بمحبة، وبعيدا عما ينتاب البعض من قسوة التوصيف، وشدة التشاؤم، بحيث يكسر التجارب المسرحية ويحبطها، معتمدا على نظرته ورؤيته الذاتية التي يراها مثالية، ودونها فشل مريع، بينما المتحدثان ناقشا الواقع المسرحي والمحلي والخليجي بموضوعية، وبما هو قائم كتجارب لها وجودها، وأهميتها على خريطة المسرح الدولي؛ تشهد بها المهرجانات المحلية والخليجية والدولية التي ترى بأن المسرح البحريني والخليجي له حضور فني مقدر ومشهود، وإن كانت هناك عقبات متوارثة، ولكن ذلك لا يعني الاستسلام والوقوف على الأطلال نادبين معولين، بل السعي الحثيث على تجاوز أي عقبة من أجل النهوض بالمسرح.
لم يتركا ندوب مشرطيهما بصراحتهما المعهودة باقية، فهذا لا يبني مسرحا أبدا، بل كان مخيطاهما المتمثلان في تفاؤلهما بالشباب المسرحي، والفرق المسرحية الأهلية البحرينية والخليجية حاضرا، إذ يدعوان بصدق ومحبة إلى الانفتاح إلى صناعة مسرحية مختلفة كما قال الفنان خالد الرويعي لتكون متضافرة بالسياحة والاقتصاد والمعرفة التي ستكون رافعة مؤكدة لمسرح يكون فعالا لا عبئا على أي جهة كانت إذا ما تم التخطيط الدقيق لهذه الصناعة الفنية والثقافية التي ينبغي أن تكون كذلك سواء كان للمسرح المحلي أم الخليجي.
إنهما بحثا في عدد من الموضوعات المهمة التي تشغل بال المسرحيين محليا وخليجيا، وربما عربيا أيضا، من بينها المهرجانات ومردوداتها سواء كانت إيجابية أم سلبية، ولكن تبقى المهرجانات رافدا مهما في إنضاج الاشتغال المسرحي بمساهمتها في تبادل الخبرات، والاطلاع على التجارب الأخرى، وعرض التجارب المحلية والخليجية، بشرط أن تكون تلك المهرجانات ذات أهداف صادقة، وتجارب مسرحية رصينة، تسهم في تطوير التجربة المسرحية، لتكون المشاركات هادفة، لا من أجل المشاركة فحسب.
ومن أهم القضايا التي بحثها الصديقان العزيزان الرؤية الشبابة للمسرح التي ينبغي الالتفات إليها، وعدم تجاهلها، أو الوقوف بوجهها، فالشباب اليوم وليد التكنولوجيا، والإيقاع الحياتي المتسارع، إذ ينبغي استيعاب هؤلاء الشباب واحتضانهم باعتبارهم اليوم الجسم الأكبر في الاشتغال المسرحي المحلي والخليجي، ويعول عليهم كثيرا في صياغة واقع مسرحي إبداعي غير نمطي.
ومما تناولاه أيضا دور المسرح في الحياة، وهما متفقان على أن “المسرح هو الحياة” على حد قول الفنان الصفار، بينما يقول الفنان الرويعي “شكثر المسرح يخليك بني آدم”، وهذا يفسر التصاق الإنسان فعلا بالمسرح الذي لا يمكن العيش بدونه، فالمسرح ربما يمرض، ولكنه باق ما بقيت الحياة، ولذلك لا يمكن للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أن يقضيا على المسرح مهما تغول في الحياة.
وأشار الرويعي إلى ناحية مهمة سيكون لها كبير الأثر على المسرح الخليجي والتي تتمثل في حزمة مشاريع ريادية مرتبطة بالمسرح، طبعا تعمل اللجنة على تحقيقها، والسعي إلى ألا تكون مهمة اللجنة تتركز على مجرد إقامة مهرجان مسرحي في كل سنتين، بل ليكون لها أثر فني وثقافي واقتصادي واجتماعي بارز في تغيير النظرة التقليدية والنمطية للمسرح وأدواره.
شاءت الأقدار أن يكون الضيفان من مدرسة مسرحية واحدة، وفرقة مسرحية واحدة، فكلاهما من مدرسة الراحل الكبير كاهن المسرح العربي كما أسميه دائما، وهو الأستاذ عبدالله السعداوي رحمه الله عرّاب المسرح التجريبي، وأحد أكبر القامات المسرحية في البحرين وخارجها، فكلا الضيفين الكريمين يرجعان الفضل في تكوينهما المسرحي لهذه الأيقونة المسرحية المنفردة، فتتلمذا على يديه، ونهلا منه شغف المسرح وعشقه، وإدراك معناه من خلال العمل معه، والالتصاق به فنيا وفكريا وحياتيا، وهكذا كان المخرج الكبير الأستاذ إبراهيم خلفان الذي صنع نجوما مسرحيين سواء في جامعة البحرين أم مسرح الصواري، فهو أيضا مدرسة مسرحية قائمة بذاتها.
كان لقاء ماتعا جميلا، لقد وفق القائمون على هذا البرنامج في اختيار الضيفين الكبيرين، فهما خير من يمثل موقعيهما في اللجنة الدائمة واتحاد جمعيات المسرحيين البحرينيين، فلهما كبير الإنجازات، برؤيتهما الثاقبة، وحنكتهما الإدارية المتقدمة، يقودهما في ذلك التواضع المشهود، والعقلية الناقدة الواعية التي تأخذ بزمام العمل المؤسسي نحو النماء والازدهار، شكرا لكما أيها الصديقان الرائعان، وللفنانة مديرة الحوار المتألقة دائما الأستاذة عهود سبت، والقائمين على هذا اللقاء الشيق.


