شباب بحرينيون: فلسطين بوصلتنا والثقافة عتادنا في مناصرة نضال أهلنا في غزة

شباب بحرينيون: فلسطين بوصلتنا والثقافة عتادنا في مناصرة نضال أهلنا في غزة



زهراء غريب – البحرين
خلقت الثقافة للبوح بمكنونات الإنسانية وصوت ضمير الشعوب الذي لا ينصاع للإسكات؛ هي حقيقة ترسخت في إيمان ووعي شباب بحرينيين تصدروا مشهد التضامن المحلي مع القضية الفلسطينية بتوظيف طاقاتهم الإبداعية ضمن مجالات ثقافية متنوعة كالأدب والفن، الموسيقى، الغناء، التصوير الفوتوغرافي، والمسرح.
وفي خضم حرب الإبادة الصهيونية المستمرة ضد أهلنا في غزة، ظهرت حالة تنافسية تضامنية فريدة محفوفة بالحب والحلم بوجوه شبابية بحرينية كثيرة صنعت من مواهبها عتادا ثقافيا عتيدا من أجل مناصرة نضال الشعب الفلسطيني؛ وقد شاركتنا عددا منها تجاربها في مساندة الحراك المنادي بإنهاء العدوان على الغزيين.
مجازات تؤرخ العذاب
في محابر الكاتب البحريني الشاب نوح الجيدة؛ ترسو مجازات تبوح بحب فلسطين وتؤرخ أدبياً عذابات أهلنا في غزة باستمراريةٍ لا تكل عن المناصرة التي تتجلى نصوصاً مؤثرة تعبّر عن روح بحرينية أصيلة في التضامن مع القضية الفلسطينية ” فأنا أكتب لأني حريصٌ على المعنى والأثر، وربما لأن هذا ما أجيده، وحتماً لأني لا أملك إلا قلمي على حدّ قول الأديب الفلسطيني الشهيد رفعت العرعير”.
وفي نصوص كاتبنا الجيدة التي ينشرها بانتظام على وسائل التواصل الاجتماعي، مواكبة إبداعية سردية أدبية لمآسي الإبادة الصهيونية ضد الغزيين، نستشهد من سطورها ما يكوي الروح في توصيف مشهد الشهيد الجد خالد النبهان(أبو ضياء) خلال توديعه حفيدته الطفلة (ريم) التي قضت شهيدة بغارة إسرائيلية على منزلهم جنوب غزة:
“يحملها بين يديه جثة هامدة، يضمّها إلى صدره ضمّةً أخيرة، يمسح بشعر لحيته على وجهها، يقرّبها إليه حتى تختلج روحه بروحها، حين يسمّيها: “هذي روح الروح” وهي تغلق عينيها كأنها لا تريد رؤية العزاء في وجه أبيها، يفتح عينها حتى ترى كيف لهذا الجبل أن يبتسم للموت الذي هي فيه، لأنه لا يراها إلا من الأحياء الذين عند ربهم يرزقون، يسخّر الله لها جناحين من نور تطير بهما إلى جنة الله العالية، يقبّل داخل عينيها حين يودّعها الوداع الأخير، يتألم حين يضعها وسط الكفن الأبيض.. كيف لهذا الظلم والعدوان أن يسرق قلبًا أبيض مثل هذا؟ وكيف لقلب أبٍ أن يتحمل كلّ هذا العناء مبتسمًا: إنه الرضا في أكثر صوره أعجوبة، وإنه الإيمان في أكثر معانيه تجليًّا.. وكفى بالله وكيلًا”.
وفي سياق التشديد على جدوى الكتابة كوسيلة إسنادية لنضال الشعب الفلسطيني، يفيد الجيدة: “أنا أكتب الكلمة من أجل فلسطين بخجل العاجز، الذي يدرك أنّ اللغة بجلال قدرها لا توقف حربًا ولا تمنع دمًا ولا تمسح دمعًا، مع ذلك فإن الرواية والإعلام وجهٌ آخر من المعركة، وأنا دائم الدعاء أن يستعملني الله ولا يستبدلني، وأرجو من الله أن يعفو عني التقصير بهذه الكلمات التي كثيرًا ما قيل لي بعدها: شكرًا لأنّك تذكرنا أن الموت ما زال ينزل فوق رؤوس الناس في غزة حتى نفيق من غفلتنا، فاللهم رحماك ونصرك”.
عدسة تصنع التغيير
حبٌ ينسدل من عدسة كاميرا الفنانة البحرينية الفوتوغرافية الشابة إيناس سيستاني موثقاً ذاكرة التضامن؛ فتلك الأيدي المرفوعة بالرجاء والدموع والصرخات المنادية بوقف الحرب الإبادية ضد غزة تخلق حكاية ضياء تشع بالسحر من صور فنية تحلّق بنبضنا إلى حيث ساحات الحلم” فمنذ أكتوبر 2023 بدأت توثيق الفعاليات والمظاهرات (المرخصة أمنياً) المؤيدة للشعب الفلسطيني في البحرين؛ إذ أن التصوير الفوتوغرافي ليس مجرد فن بل مسؤولية، وأداة قوية جداً للتعبير عن القضايا الإنسانية كالقضية الفلسطينية التي تحتاج أصواتاً تعبّر عنها؛ لذلك كل صورة ألتقطها عن فلسطين تحمل رسالات التضامن، وتحاول إيصال لحظات عاطفية تعكس نبض الناس وتضامنهم”.
سيستاني التي بدأت مسيرة التصوير الفوتوغرافي خلال رحلة فردية إلى أوروربا عام 2016 ،مفتونة بتفاصيل الشوارع والقصص التي تحكيها الوجوه ، قدمت أعمالاً تضامنية مفاهيمية حول فلسطين “كانت قريبة جداً إلى قلبي وحاولت فيها الابتعاد عن التوثيق المباشر للتركيز على الرمزية؛ فكل صورة كانت رسالة تحمل في طياتها الأمل، الألم، والصمود. وبالنسبة لي تركت هذه الصور المفاهيمية الأثر الأكبر؛ فهي لا تنقل الواقع فقط بل تدعو المشاهد للتفكير والتفاعل على مستوى أعمّق؛ لأنها تتحدث بلغة تتجاوز الزمان والمكان، مما يجعلها أداة فعّالة في إيصال رسائل التضامن “.
وللكولاج الفني الذي شكلّت فيه سيستاني توليفة مميزة من صور الفعاليات التضامنية، جمالاً إبداعياً مميزاً حيث” اعتمدت على هذه الصور التي وثقتها خلال الحراك التضامني في بناء عمل فني واحد بإسلوب الفسيفساء؛ وكان لهذا المشروع طابعاً خاصاً؛ فقد شعرت أنه يلخص النضال الجماعي ويعطيه بعداً بصرياً أقوى”.
وتعبّر فنانتنا الفوتوغرافية سيستاني عن إيمانها بأهمية تسخير الفن في دعم القضايا العادلة، مبينة أن التصوير يمنح القدرة على تخليد لحظات قد تُنسى لكنه يفتح أبواباً للنقاش والتأمل”فالصورة تملك القوة لإحداث تغيير حقيقي في القلوب والعقول؛ لذلك أعتبر أن صوري عن فلسطين صوتاً يضاف إلى ملايين الأصوات المطالبة بالعدالة؛ وهو ما يحفزني ويجعلني أستمر في نشاطي التضامني الفني”.
مفتاح العودة
“هل ينسى الفلسطيني حلمه بالعودة يا جدي؟”سأل المخرج البحريني الشاب علي أبو ديب خلال أداءه المسرحي أحد أفراد الجمهور، فكان الرد :” كلا لا ينسى يا بني”.
كم هي صادقة تلك الاجابة ؛ فنسيان الأرض مستحيل حيث سيتغلب الفلسطيني بالحلم على تيهٍ لا حد لأنين عذاباته؛ لأن ما بين يديه مفتاح منذور لتحرير الوطن المحتل بعد عقود من النضال. ولا مناص من الظفر بذلك وتجسيده واقعياً إنتصاراً لإرادة الشعوب؛كما برهنّت مسرحية (المفتاح) لمخرجنا علي أبو ديب الذي شارك فيها كممثل أيضاً مؤدياً دوراً بارعاً في مخاطبة الجمهور، وإشراكه في الفعل المسرحي للعرض الذي رافقه عزفاً موسيقياً بديعاً تخللته وقفة شعرية مميزة.
أبو ديب الشغوف بالمسرح والمؤمن بجدوى اتصاله بأوجاع الناس والتعبير عن قضايا الأمة العربية بلمس جرحها مسرحياً، وظّف في رؤيته الإخراجية للعرض أساليب إبداعية مؤثرة حيث “تعمدت أن يكون العمل الذي يناقش حلم العودة بالنسبة للفلسطيني المتشبث بمفتاحه رغم كل المحن ،قريباً من المشاهد فاتجهت للفضاء المغاير؛ فقدمنا المسرحية التي انتهت أحداثها بفتح الباب والانتصار، وسط طاولات الجمهور حيث جسّد الممثلين أدوارهم بين الحضور؛ بهدف خلق أجواء تجعل المشاهد جزء من أمل العودة، والاستبشار بأن قضيتنا الفلسطينية باقية لا تموت”.
ويذكر أن مسرحية (المفتاح) التي أنتجتها فرقة (فن تولك المسرحية ) برعاية الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني، عرضت في نادي العروبة بتاريخ 28 فبراير 2024 ، وهي من تأليف بدر الحمداني وإخراج عضو( مسرح الصواري )علي أبو ديب، وإدارة إنتاج جاسم طلاق. وتمثيل كل من صادق عبد الرضا، علي يحيى، كامل البوسعيدي، نادية الملاح،ومخرج العمل أيضاً. فيما شارك بالعزف الفنان حسن حداد.
ضمير يشدو بالفن
بعروج نحو السحر المُنادي بحرية الأرض؛ تتوهج ألحان الفنان البحريني الشاب محمد المرباطي حباً وبلسماً لجراح الغزيين في أمسيات موسيقية وغنائية تضامنية لم يتوانى مع الصحب عن تقديمها انتصاراً لفلسطين؛مستثمراً حنجرته العذبة في ترنيم الحلم بشراع فن ” يجب أن يكرس كلياً لدعم القضية الفلسطينية ؛ لأن فلسطين هويتنا، وهي البوصلة وبداياتنا ونهايتنا، وإليها سنرجع مهما طال الزمان. ولذلك إن استمرار الايمان بها مصدر إلهام لكل فنان ذو ضمير حي”.
ومن بين أبرز مجموع الموسيقى التضامنية الملتزمة التي قدمها فناننا المرباطي الحاصل على جائزة الميدالية الذهبية في الموسيقى العالمية، أمسية (طريق آخر إلى شجرة الزيتون) التي نظمت في مساحة الرواق للفنون، ونجحت بجدارة في سكب دموع القلوب” إذ قدمتها برفقة مزيج متنوع من العازفين المرموقين في البحرين ، وبأغانٍ من تأليفي وتوزيعي الموسيقي. واستلهمت من أجلها قصائد لمحمود درويش وزاهي وهبي و نزار قباني؛ فكانت من أنجح الأمسيات التضامنية التي تركت أثراً كبيراً لدى الجمهور الكبير لدعمها أهلنا في غزة والقضية الفلسطينية، وامتيازها بروح الانسجام بيني وبين زملائي الموسيقيين”.


