جمالية الصورة التشبيهية في ديوان (صيحة الحنظل) لسليمان الحزين

بقلم د. عبد الرحيم حمدان
الشاعر سليمان الحزين وجه شعري فلسطيني دائم الحضور على الساحة الفلسطينة لا سيما في منتدى شواطئ الأدب الذي يعقد بعد عصر كل يوم سبت من كل أسبوع، في مدينة النصيرات بغزة. وهو عضو مؤسس في مجلس إدارة هذا المنتدى، وله مساهمات متعددة في مجال الأدب، فله كتابات نثرية تحت عنوان: (تنكيس الظلال)، الذي ترجم إلى عدة لغات.
لديه عدة مخطوطات أدبية تنتظر الطباعة والخروج للنور، وهو يحلم أن يضيف علامة فارقة للقصيدة الشعرية العربية، وأن يطور أسلوب تحديث رسالة الشعر.
وله ديوان “صيحة الحنظل” وهو باكورة نتاجه الشعري المطبوع. وديوان “صيحة الحنظل” صادر عن منشورات وزارة الثقافة الفلسطينة، بيت لحم سنة ٢٠٢١م، وعدد صفحاته (55) صفحة من الحجم المتوسط، وغلافه أنيق، ومرتب يتناغم مع عنوانه، ومضامينه، وقد زين الغلاف الخلفي له بكلمة نقدية بقلم لوزير الثقافة السابق دكتور عاطف أبو سيف. ويضم تسع عشرة قصيدة نظم بعضها على النمط الموسيقي الموروث، وبعضها الآخر على نمط شعر التفعيلة، وتناول الديوان في ثناياه موضوعات ومضامين متنوعة منها: الوطني والوجداني والقومي وغيرها.
والشاعر سليمان الحزين من هذا النوع الذي تستطيع أن تراه في عمق نصه الحي أو فضائه اللغوي أو في سياقه الهامشي المجرد. تعددت الأدوات والوسائل الفنية التي استأنس بها الشاعر سليمان الحزين، في إقامة معمار تجربته الشعرية. ومن تلك التقنيات ما يتعلق بالصياغات الشعرية، القائمة على الصورة الشعرية، ومنها الصورة التشبيهية، إذ يمثل التشبيه أبرز الوسائل التي عمد إليها الشاعر نفسه في تشكيل صوره الشعرية البلاغية، فهو عنده يرتد إلى أعماق الذات، فلم يكن سطحيا ينظر فيه الشاعر إلى ظواهر الأشياء ويماثل بينها.
ومن أبرز خصائص الصورة التشبيهية في الديوان التنوع في أنماط الصورة التشبيهية، التنوع في أشكالها وأنماطها. وهذا يعكس تماسك البناء الفني وترابطه. فالصورة التشبيهية المرسلة المفردة الكامنة في ذكر أداة التشبيه فيها تكثر كثرة كبيرة، وتشغل مساحة غير قليلة في نصوصه الشعرية، إذ إن ورود (الكاف) و(كأن) و(مثل)، وهي أدوات تشبيهية مهمة كانت غزيرة، مثل قوله وهو يخاطب المحبوبة: شقي الرياح تراقصي مثل الشتاء تحرري كالنار من ثغر العواصف، إنني قد هزني كحل الغزالة كالسهام التائهة. (الديوان ص ٤١ ). ولا يعني أن التشبيه في شعره قد اقتصر على هذه الأداوت، فهناك أساليب تحذف فيها الأداة، فتتميز الصورة بقوتها، وتأكيد انطباعها في الذهن، وهذا الأسلوب يبدو غير قليل إذا ما قورن بالتشبيه الذي ذكرت فيه الأداة، ومن أمثلته قوله: أنا سندباد الهائمين وقيسهم أعطيت كل الضائعين براقي ( الديوان ص ١١).
ويقول: أنا سندباد ضفاف الأصيل سأترك ريشي يحاكي الفضاء ويقول مخاطبا السندباد بضمير الغائب: أيها السندباد رأيت الديار تضيق عليك فلماذا تحلق عني بعيدا هناك وراء المدى؟ وتخلدني للأسى. (الديوان ص؛ ٥٤). تكشف النصوص الشعرية السابقة عن أن الشاعر اتخذ من الصورة التشبيهية وسيلة للتعبير عن خلجات تجربته الشعريه، عن أحاسيسة ومشاعره وأفكاره؛ الأمر الذي جعلها مترجمة للصدق الفني، وكان الخيال آلية لتفجير العاطفة وتصويرها.
وكأن الشاعر يريد من الصورة روحها الرمزية، التي تجعل من كثرة الرحيل والنزوح والترحال والعودة والتمسك بالمكان صورة لحياته، وتجربته. ويدرك المتلقي أثر التشبيه البليغ، وفاعليته في بناء الصور الشعرية التي وظفها الشاعر سليمان الحزين في أشعاره. ولا ريب في أن التشبيه البليغ يمد الشاعر بإمكانات التوحد بين المشبه والمشبه به؛ فبذلك تسقط المقارنة والموازنة بين الاثنين. فضلًا عن المتعة التي يمكن أن يشعر بها المتلقي من إسقاط أداة التشبيه. وتبرز صورة المحبوبة أو المعشوقة في صور متعددة، وهي عنده تعني فلسطين والأرض، وهنا يتشابه الشاعر مع كثير من الشعراء الفلسطينين الذي مزجوا بين صورة المحبوبة يقول الشاعر سليمان الحزين عن المحبوبة/ فلسطين: عيناك صومعتان خالدتان في هذا المدى عيناك هاربتان من خزف الكواكب والندى عيناك صافيتان كالنبع الذي في كرمنا لا تكشفي قطرات كحلك عندنا كي لا تغار يمامتي في عشها. (الديوان ص٤١ ) ففي النص السابق شبه الشاعر عيون المحبوبة بأكثر من مشبه به، وبذلك تتجلى علاقة الصور التشبيهية وعناصرها بالعاطفة والمضمون بصورة واضحة وجلية.
ومن تجليات التصوير الفني عند الشاعر سليمان الحزين، الاستئناس بتقنية الصورة الشعرية، وفي سياقها يأتي توظيف الصورة التشبيهية المتراكمة، إذ يكثر في ديوانه تراكم التشبيهات، وهو دليل على تأكيد المعاني وحفظها في القلب والذهن. وهكذا يتأكد أن للصورة للتشبيهية أهمية في بناء الصورة الشعرية؛ لأنها تساهم في توضيحها وتكثيف أبعادها الفنية. احتلت الطبيعة مكانا بارزا ًمن وجدان الشاعر، أذ استقى الشاعر عنـاصره التـصويرية مـن الطبيعـة؛ لذا يجده المتلقي يمتاح كثيرا من صوره من طبيعة فلسطين بغرض توكيد الهوية وترسيخ الكينونة الفلسطينية.
وقد كانت صورة الحمام التي تنوعت وتعددت، تغريه كثيرا وتجذبـه؛ ليعـبر مـن خلالهـا عـن معـان ومشاعر ترتبط بتجربته الشعرية الصادقة فالطبيعـة عنـده مبعـث إلهـام، ودافع إلى التأمل والفن؛ لذا فكثـرة عناصرهـا في شـعره مـؤشر إلى نظـرة شعرية عميقـة، فالأرض حمامة، والأرض ربما هي أرض بلاد الشاعر فلسطين التي تحمل البراءة والجمال والقداسة. إذ يرسم الشاعر صورة الشهيد، ويجعله حمامة طاهرة والدم مسك وعطر، يقول الشاعر: هذا الشهيد حمامة نبوية والمسك قام مكبرا يختار عطرا للحدائق بعده يمضي كصلية نيزك يرمي أبابيل النعيق بصمته. ويهز ضلع سحابته ليكون نايا للعباد (الديوان ص 3). ويجعل من المحبوبة حمامة، تحمل معانى العشق والهيام والمحبة والود، والشجن والحزن، والأسى والسلام. إذ يماثل الشاعر بين صورة المعشوقة وصورة الحمامة، فيقول مخاطبا المعشوقة: كوني شقائي وادخلي في أضلعي وتمرغي كيمامة منفية في شاطئيء وتساقطي تمرا جنيا في فمي. (الديوان ص ٣٥). ترتكز هذه الصورة على التشبيه، فهو عنصرها الأساسي، ومن خلاله أراد الشاعر التعبير عن تجربته الشعرية، إذ تتجلى علاقة الحب والتفاني بين الشاعر وبلاده واضحة جلية ، يقول الشاعر: وأنت سيدة النساء جميعهن! تفاخري معشوقتي فأنا سفير الهاربين لعينك الخجلى فكوني دولتي ورسولتي ورسالتي كحمامة بيضاء أنت تطوفين صبابتي … لو تعبرين البحر يا سلمى لصار مدامة للشاربين وفتنة للعاشقين. (13 ، 14 الديوان) تبرز في هذا الخطاب الشعري تأثير وسائل التعبير الأخرى مثل الجرس الإيقاع، والجمال التَّعبيري، والتَّكثيف الَّدلالي.
وتوظيف الألوان في رسم الصور التشبيهة. وظف الشاعر صورة الحمامة للتعبير عن مجموعة من المعاني التي يعانيها الشاعر والتي منها الغربة والوحدة والشجن إلى حد تمازج مشاعره بصورة الحمامة بكل مكوناتها، فهي إذن صورة شعرية كلية. وهي نسيج تعبيري يجمع مجموعة من الصور البسيطة يعبر من خلالها الشاعر عن موقف أو تجربة أو فكرة ما .
ويتابع الشاعر استعداده لصوره التشبيهية من عالم طبيعة بلاده فيقول: إن السياسة في بلادي ذئبة وبلابلي لا شمس في أعساشها وتفرعنت في الدوح أصوات الغراب. (الديوان ص 6). ومثل صورة البلاد. هذا صباحك يا بلادي شاحب كالعوسج البري في زنزانة. ( الديوان ص6). امتزجت بهذه الصورة صور فنية أخرى مترعة بالدلالات والرموز ترمز للغدر والافتراس. والمراوغة والكذب، والدوح يشير إلى فلسطين الجميلة ، والغراب يوحي بصورة العدو وما يظهره من تشاؤم وسوء.
ويتجلى في المقطع القدرة اختيار ألفاظ اللغة وانتقائها التي تلائم طبيعة تجربته التي يعيشها. ومن جماليات الصورة التشبيهية في نصوص الشاعر اتخاذه تقنية التناص – والاستئناس بطاقاته الإيحائية والدلالية؛ لإثراء المعاني والمضامين في الديوان- وسيلة للتعبير عن تجربته الشعرية، لا سيما عنصر الشخصيات، وكان يوحد بين شخصية الفلسطيني، وهذه الشخصيات ويشابه بينها، فهو سندباد، ومحبوبته/ فلسطين بلقيس ومريم (عليها السلام)، يقول: بلقيس ردي عشقنا لو مرة إن القلوب ترملت اغضب لها اغضب (الديوان ص ٥).
يونس صاحب الحوت يا بحر كن صهوته قلق والخلائق تفرط في مكرها (الديوان ص٥٤). ويقل في موضع آخر: بلقيس كيف سنستريح من الرحيل؟وأنت عاصفة على الجوزاء (الديوان ص٥٢).
هي مريم في المهد كنت صغيرها والآن صرت شريعة الأغراب. (الديوان ص٤٤). ويقول: أنا حزن يعقوب ضري عتيق تضيق علي طلول الضياء ولا يوسف الآن يأتي إلي ليرمي قميصا قبيل البلاء. (الديوان ص ١٨ ) أنا يوسف الحزن هذا قميصي وهذي رؤاي لصمتي الكليم.
( الديوان ص٤٠ ). ويقول: أيوب يرفض صمتكم فلتخرجي يا نار من صمت الحصى كي تهتفي حريةحريةحرية (الديوان ص٢٨). ويقول حاشدا جملة من الشخصيات التي تدخل في إطار تقنية التناص: بلقيسنا في حالة الآهات، والحرية العذراء عبرائيل يشرب نخبها! ورأيت هولاكو هناك يضحك هازئا بخيولنا في حفلة التطبيع مع خنزيرة في تل أبيب! ( الديوان ص٧ ).
يا شهرزاد مواقدي هيا اسكبي عسل الشفاه كنحلة بدمائي. (الديوان ص ٥١ ، ٥٢ ) فالشخصيات وما تحمله من دلالات “بلقيس، عبرائيل، هولاكو، خنزيرة، شهرزاد”تصور جميعها في سوداوية مرة الواقع العربي المعاصر المخزي وهذا التناص في النصوص الشعرية يجلي الصورة ويكشف عن أبعادها الفنية والجمالية، ويوضح سعة ثقافة الشاعر وتنوعها. وبالنسبة للغته، فقد كانت لغته سهلة تميل إلى الإيحاء والرمزية، وتتعاطى مع مصطلحات العصر ومفاهيمه الواقعية.
لقد اتخذ الشاعر من اللغة الرقيقة والسهلة الواضحة المأنوسة أداة للتعبير عن مشاعره الوجدانية وأحاسيسه تجاه المحبوبة، يقول: بماذا يفيد الكلام؟ إذا لم ترشي هديل اليمام أحبك فجرا وعصرا وفي كل يوم أفر إليك لأشعل عشقي بعطرك سرا تطيرين فوق البحيرات مثل ملاك صغير. الديوان وتأتي إليك الحساسين قبل الغياب (الديوان ص ١٤) وقد أضفى التناص على النسيج الشعري جمالية على صعيد البناء الشكلي، وعلى صعيد البناء الدلالي.
وخلاصة القول، أن الديوان بخطابه الشعري يمثل قطعة شعرية جميلة وممتعة، وهو يستحق الدرس والتحليل بوساطة النقاد والباحثين، لما يحمله من قيم فنية وجمالية عالية. أتمنى للشاعر سليمان الحزين مزيدا من الإبداع والتجويد، وكتابة القصائد الرائعة ذات الدلالات الواسعة والصور الخيالية المبتكرة والمتفردة.


