توتر الذات وسرد العالم: قراءة في مجموعة “أوجه” لمنى المصدر

توتر الذات وسرد العالم: قراءة في مجموعة “أوجه” لمنى المصدر
بقلم: جواد العقاد – شاعر وباحث في الفكر العربي
| رئيس التحرير
لم يعد الشعر العربي المعاصر منصرفاً إلى الغنائية بوصفها الملاذ الأول والأخير، بل صار معنيّاً بإنتاج خطاب متوتر يشتبك مع العالم لا بوصفه مرآةً للذات، بل مادة أولى للعطب الإنساني. وهذه النقلة – وإن كانت جزئية في بعض التجارب – تعبّر عن تحوّل في الوظيفة الشعرية ذاتها، من تمثيل الذات مركزاً للكشف، إلى مساءلة العالم بوصفه مركزاً للفقد والتشظي.
في نصوص مجموعة منى المصدر الجديدة “أوجه” التي نتناولها هنا، تبرز محاولة واعية للخروج من نسق اللغة المتعالية – تلك التي ترتّب المجاز على مقاس التلقّي الفوقي – إلى لغة متخفّفة من رطانتها، مشغولة بالتوتر الوجودي، مستندة إلى خطاب متشظٍّ يسعى لتوليد المعنى لا لتكثيفه في صورةٍ واحدة. لا يتعلّق الأمر بمسألة شكلية أو أسلوبية فحسب، بل هو خيار معرفي وجمالي، يستدعي أدوات تأويل جديدة تنفتح على مجالات السرد، المحاججة، وحوارية النص، لا على استنطاق البلاغة المغلقة.
في هذا السياق، تستحضر الشاعرة ألفاظاً قد تُعدّ نثرية أو تقريرية – مثل: “فإني، بالإضافة، هل، كيف” – لكنها في النص ليست عناصر دخيلة، بل مفاتيح بنيوية لفتح فضاء الحوار، لا مع القارئ فحسب، بل مع الذات بوصفها شريكاً في مساءلة الكينونة. بهذا المعنى، فإن انزياح الشاعرة عن اللغة الموحية نحو اللغة المُفَسِّرة ليس تقليلاً من شأن الشعر، بل إعادة تعريف لما يمكن أن يُقال شعرياً دون التخلي عن عمق التجربة.
| “لا تجزعوا! ليس كله، بل رطل واحد يكفيكم جميعاً
ويضيف لكم خيالات سوداء كلما أغلقتم عيونكم.
بالإضافة إلى قفز من النوم ثم هبوط اضطراري
قد تصحبه كدمة صباحية!”
هنا لا يحضر المجاز تقنية زخرفية، بل أداة تحليل شعوري للواقع، حيث تنهار الحدود بين العالم الداخلي والخارجي، بين الحلم والصدمة، بين ما هو مجازي وما هو جسدي ملموس. فالهبوط الاضطراري ليس فقط سقوطاً من النوم، بل من احتمالات النجاة، من معنى الطمأنينة اليومية، ليصبح الألم نفسه روتينًا صباحيًا يُصاحِب الذات.
هذا الانتقال من شعرية الصور إلى شعرية الموقف يُعيد تعريف العلاقة بين اللغة والواقع، ويجعل الشاعرة تموضع ذاتها لا بوصفها “كائناً غنائياً”، بل “ذاتاً سردية” تتأمل، تفكّك، وتعيد صياغة مأزقها داخل خطاب جماعي. من هنا نفهم أيضاً اعتمادها على تساؤلات متكررة:
| “كيف سأبيع الفرح بجرار مكسورة؟
سأتلو على قلبي كل يوم فاجعة؟
أضحك في بكاء صديق؟
وأحن لآخر فَضل كبرياءه على قلبي؟”
هذه التساؤلات ليست أدوات بلاغية محضة، بقدر ما هي انفعالات فلسفية، تمثل محاولة لتثبيت ذاتٍ سائبة في عالم مفكك، ذاتٍ لا تبحث عن أجوبة نهائية، بل عن توازن في الخسارات. وهنا نستعيد مفهوم التموضع التراجيدي الذي تحدّث عنه أدونيس، حين يتحول النص الشعري إلى مرآة تتكسّر على وقع التجربة لا لتعيد إنتاجها، بل لتفضحها وتعري هشاشتها.
ومما يعمّق هذا المسار، أن الشاعرة لا تسعى لإدهاش القارئ عبر توليد صور فريدة، ولا لتغريبه بجمالية اللغة، بل تقيم معه ما أسماه باختين “الحوار الداخلي”، حيث تُعاد صياغة المعنى بين طرفين، لا في معزل عن القارئ أو فوقه. فهنا يتخلّى النص عن قدسيته الموروثة ليصبح مساحةً لمساءلة الألم:
| “السؤال مصاب بالدوار لانعدام الجاذبية.
ثقلنا كله لا يكفي للتوازن ولا للإجابة.”
هذه العبارة تتجاوز جماليات الصورة إلى الفلسفة، فالسؤال هنا، بوصفه بنية فكرية، يُصاب بالدوار، لأن الجاذبية – أي الثوابت الكونية والوجودية – قد اختلّت. وهذا ما يجعل التجربة الفلسطينية، وإن كانت حاضرة في خلفية النص، لا تتجلّى شعاراً سياسياً أو موضوعية مباشرة، بل تشظاً إنسانياً. فتجربة الفقد، النزوح، والانهيار، تتحول إلى مفاتيح لفهم الكينونة لا القضية وحدها:
| “فما لنا إلّا البلاد!
وبكلّ النزوح والخوف
يعرج النازح بزاويةٍ منفرجةٍ
وبرقبةٍ قائمةٍ
بحثًا عن أفقٍ
ومسافة قربٍ حميمةٍ
ليحتضن البلاد،”
هذا المقطع نموذج لتوليد العلاقة بين الذات والفضاء السياسي، بين الشاعر والأرض، لا عبر استعارات تقليدية (الأرض-الأم، الوطن-الجرح)، بل عبر توصيف دقيق لحركة الجسد والنفس في علاقتها بالمنفى الدائم. فـ”الرقبة القائمة” لا تُشير فقط إلى الكِبرياء، بل إلى مقاومة الانحناء تحت ثقل المنفى.
من هنا يمكن القول إن نصوص منى المصدر لا تقوم على ثنائية المباشرة أو الترميز، بل على تعددية الأصوات داخل النص الواحد. هذه الحركية الخطابية، التي تنتقل بين الاعتراف، التساؤل، التهكّم، والحكمة، تكشف عن تطور لافت في تصور الشعر ذاته: بوصفه مساحةً للتفاعل الوجودي لا للتجمّل اللفظي.
وفي ضوء هذا، فإن شعراً كهذا لا يُقاس بمقاييس الجماليات التقليدية، ولا يُحتكم فيه إلى بلاغة الصورة فحسب، بل إلى عمق المساءلة، إلى قدرة النص على زعزعة يقين القارئ لا إراحته، وعلى إنتاج لغة جديدة للعلاقة مع المأساة، حيث لا تبقى اللغة أداة بل تصبح معركة.
خاتمة: نحو بلاغة القلق لا بلاغة اليقين
تجربة الشاعرة تُعيد طرح أسئلة مركزية حول ما يمكن أن يفعله الشعر اليوم، إذ إننا أمام خطاب لا يكتفي بأن يكون جمالياً، بل يُطالب بأن يكون وجودياً، لا لأن يتجاوز اللغة، بل ليُفكّكها من الداخل. فالبلاغة الجديدة التي يُمكن أن يُنتجها هذا الشعر ليست بلاغة اليقين، بل بلاغة القلق، بلاغة الذات المتشظية التي تحاول أن تستعيد شكلها وسط رمادها. وهذا النوع من الشعر ليس مريحاً، لكنه ضروري. لا يمنحك إجابة، بل يضعك أمام مرايا الحيرة، لا ليفضح عجزك، بل ليدعوك إلى المشاركة في صياغة المعنى، في زمن فقد فيه العالم جاذبيته، وثقله، واتزانه.
ويذكر أن الشاعرة منى المصدر هي شاعرة من مدينة غزة. صدر لها مجموعتان شعريتان: “لأنني أخشى الذاكرة” و”أعد خطاي”. بالإضافة إلى مجموعة سردية بعنوان “توقيت”. حاصلة على ماجستير في الأدب المقارن. شاركت في أنطولجيتين شعريتين عن غزة برفقة شعراء آخرين. ترجم لها عدة قصائد إلى الإنجليزية والفرنسية.


