الوعي الموازي في ديوان “مقام البياض” للشاعر جواد العقاد

الوعي الموازي في ديوان “مقام البياض” للشاعر جواد العقاد
بقلم: مريم أبو بكر – باحثة من فلسطين
تتنامى الأنا العليا في ديوان “مقام البياض” في حضرة الاعتراف؛ إذ يستهل جواد العقاد ديوانه باعتراف لحبيبته أرض الوطن “فلسطين”، فيُجَن عبقر ويستثني قلبه المَسيرَ عَبر المدى بإفراط يثير الدهشة والانبهار، ويتجاوز كل مسافات الفراق بفرط من الجنون المتوقد المذهل.
يقول الشاعر:
يا بنتُ ما كنتُ شاعرا
لكن جُن عبقر “يجُرّ قلبي على المدى
ويغمسُ فيه أنهارَ الدهشةِ
حين تلعنه المسافةُ
فنفترق.
يقولون: صار شاعرًا من فرطِ الجنون
وكثرةِ الذهولِ المُتوقّدِ في سرّه.
(العقاد، 2023، ص 11)
تُظهر شخصية جواد العقاد الوعي الموازي من خلال “مقام البياض” فِكرها والخيال دفعة واحدة؛ إذ تخلُق طبقات من الوعي الواعي والباطني “التخيلي” لتعمل معًا ليُعلن عن ولادة ديوانه وإشراقة شغفه المكتوب حِبْرًا، والمنسوج خيالًا للمتلقي الواعي لاستنباط الرؤى التي تسردها شخصيات برزت في شعره تسرد الأحداث بلغة ظاهرها بخلاف مُضمرها؛ ليدرك لاحقًا القارئ من خلال التلميحات أن الشاعر يسرد وعيًا عاطفيًا قلقًا وصراعًا داخليًا بين الأنا العليا والأنا.
ويعي المتلقي بحسب “فرويد” أن الأنا العليا هي المايسترو المتحكم والمسيطر على الأنا وحمايتها من الخضوع للأنا السفلى “الهو” من شبهة التجربة سِرِّية المدى لتُعلن وجودها عبر وعيين متوازيين داخل نفس واحدة.
يقود الشاعر حوارات داخلية ذات رؤى متنوعة كاشفًا عن وعي موازٍ للحقيقة والخيال، ليقرأ المتلقي بدوره الأحداث من زاويتين واقعية وخيالية، ما يثير شغفه ضِمنيًا ويتصل بجوهر الوجود “الحقيقة العليا” التي شكلت جذر بيت القصيد ودلالاته.
ويستثمر الشاعر شخصية “هند” ليبوح لأبي نواس قائلًا: “إلى أبي نواس حين قال: لا تبكِ ليلى ولا تطربَ إلى هندِ واشرب على الورد من حمراءَ كالوردِ” (العقاد، 2023، ص 12)، حتى تَيَمّمَ بلغةِ الشوق والذكرى وبِدَمٍ صاعدٍ؛ ليُعبِّر بوعيه عن أوجاع الكون بموسيقى الشعر ووحيه قائلًا:
أشتاق لكَ
أشتاق لكَ
وتذكري أنّي صوتكِ,
ودمكِ وهو يصعدُ إليَّ في وجهكِ…
أنا نايٌ يبعث بأوجاعِ الكونِ,
وموسيقا شِعركِ… شَعركِ
وهي تندلقُ
في روحي.
……….
كلًّ يهذي بهنده,
يقولُ لي النواسي: هند امتلائي بالخطيئة
فأقولُ: هند زاوية أراقصُ فيها التيه.
(العقاد، 2023، ص 12-14)
يتلاشى الشاعر في أحضان الوجود سالكًا طريقه في رحلةٍ نحو الخلود حيث لا وحي يستدعيه، يمشي فوق جمرٍ بشوقٍ ممتلئ، متكورًا على نفسه يتجاوز البرزخ نحو “مقام البياض” بروحه صعودًا، بوعيه يعتلي العدم وحضور نوريٌّ بنقاءِ وصفاءِ الشمس.
يقول العقاد:
لا وحيَ أستدعيه؛
فينزّ الشِّعرُ على صحراءِ تغرُّبي
أَمشي فوقَ جمرِ خطيئتي بهدوءِ ليلي وتشوقي
…………
كنتُ متكوِّرًا على نفْسي
وأنت سماءٌ.. نواطيركِ آلهة
بيننا برزخٌ
أقطعُه
(العقاد، 2023، ص 15)
وفي نقطة التقاء الأنا العليا والفناء، برمزيةٍ عاليةِ الروحانية، يسكن الضمير الأخلاقي والمُثل العليا رقيبًا على الأنا، موجّهًا سلوك الشاعر نحو جنة التأويل، وغياهب الحُب، وقيامة الكلمات بروح الأقحوان والبنفسج، تعبر طريق الياسمين ضمن إطار شوكِ الاحتمالاتِ ووجعِ الخناجرِ، يقول الشاعر:
روحكِ مُشَبَّعةٌ بالأقحوانِ والبنفسج
عيونك سراديبُ
تغويني إلى نهايةِ الحبِّ
وقيامةِ الكلمات
………..
الأمنيات تحفُّ طريقَ الياسمين
بالخناجر وشوكِ الاحتمال..
(العقاد، 2023، صـ20)
تُوَجِّه الأنا العليا أناة الشاعر إلى الفناء في وطنه “فلسطين” حتى آخر شهقةٍ، لتحلق أنفاسه على جناح الخلود، تزيل برزخًا لا مرئيًا محسوسًا لا ملمس له حد التلاشي، ليبلغ مقامًا أسمى، مقام الوعي الكوني والروحي، يقول العقاد:
سآوي إلى قلبِكِ يعصمُني من النساء
وأفنى فيكِ حتى آخر شهقةٍ
تُصعِدُ أنفاسَنا على جناحِ الخُلود
……….
أنا نارٌ وأنتِ جنَّة
حذارِ من لقائنا
(العقاد، 2023، صـ28)
يستفيق الشاعر على وعيٍ يؤرّقه، وعيٌ كونيٌّ يفوقُ وعيَ الإنسانِ العادي، وعيٌ روحيٌّ تمامًا، يستقي من عبثية الموت حياة أبدية في محاولة لإيقاف تناسل الأرق، منتصرًا للخلود في أنقى معانيه؛ إذ يقول:
أرَّقني وعيي الأبديُّ،
طريقتي في الشِّعرِ
غناءُ الحساسين عن الحبِّ
سماؤنا العطشى
الشعراء المرهقون
وما قالتْه الصحراءُ عن تاريخِنا العاري
أرقٌ يتناسلُ…
شاعرٌ ينتحر.
(العقاد، 2023، صـ32)
ينبض شعر العقاد بدلالات عميقة الوعي ليحتفي بميلاد رمزية الحلم والعودة، ينسج من عبير قصائده حكاية اليُتم والحصاد بعيد المدى، يخطو كرصاصة في قلب الغياب، ليأتي المطر والخصب والبعث من جديد، ثم يغرق في صوت أزرق خفي خلف بحار الجنون، ثم عتق وعناق؛ إذ يقول:
وأغرق في صوتِك الأزرق
خلف بحار الجنون
اغرقي معي
فانعتاقنا في العناق
(العقاد، 2023، صـ42)
لا شك أن الطبيعة تشي في لغة خاصة بحضورها وجمالها ورونق عطرها؛ لتثمر بعد نضج الغياب واقعًا حضاريّ الوجود، تنبض بذكرى عبر تاريخ الوجع حتى الخلود، تفنى في غياهب الصبح والصمود، ويتلاشى في وعي العقاد وخياله؛ إذ يقول:
يهزُّ شجرةَ خيالي
فتسقط أسئلة الغيب ناضجة..
وغالبًا، سيلفظُني
وأصبحُ لاجئًا على بابِ الله،
وتكبرُ أوجاعي فيكِ.
(العقاد، 2023، صـ50)
وتُضمر رسالة العقاد للمتلقي إشراقة الفهم والحقيقة، ليتجاوز جسر هواجس التساؤلات العميقة، ويتماهى وعيه الموازي مع الوجود وما بعده، مع الطبيعة وما وراءها، ليصير ظلًا لروحه في صفاتها الكاملة، يقول الشعر:
أسئلة الروحِ المنهمكةِ في الخرافة
وانصهار قلبي في جحيم المسافة..
أيها الضوءُ الخافتُ في لغتي
لا تكنْ ظلًا لوجعٍ موغلٍ في جُرحِ المعنى
(العقاد، 2023، صـ57)
ازداد يقين العقاد باغتراب الذات، ووجعٍ في الروحِ ينظم إيقاعَ التلاشي حدَّ الفناء، هاجسُ غربةٍ يعزف على وترٍ وحَّدَ نبضَ لحنِ الصمتِ والعدمِ؛ ليتدفقَ نزفُ حنينٍ يمتطي ظهرَ الحقيقةِ، قائلًا:
الغُربةُ فيَّ أبدٌ يتناسلُ من أبد
أسكنُ هاجسي
والعدمُ يتركُ فراغًا في النّصِ
لجرفٍ قادمٍ
سينزفُني..
أيُّ جرفٍ هذا يا حبيبتي؟
والقصيدةُ اغترابُ الذات.
(العقاد، 2023، صـ58)
يؤسسُ الشاعرُ حدودَ دولةِ وعيهِ حتى تتلاشى في حبيبته، لتفنى حدودَها فيهِ، وتنصهرُ اللغةُ في لغةِ الشاعرِ ظلًا يطفو على ماء عُمرهِ أبجدية خلف السياج وما بعده، قائلًا:
الحدودُ فيكِ والحدودُ فيَّ
أنتِ كلُّكِ فيَّ
لغةٌ في لغتي
……….
أمشي فيكِ ولا تمشين فيَّ
أشربُ خمرَكِ ولا تشربين عمري
لا أريدُكِ أبجديَّةً
(العقاد، 2023، صـ85)
تعكس “دوائر الجنون” محطات التسامي خارج أناة العقاد وذاته، ويُنشدُ مواجعَه على ربابةِ روحه صعودًا نحو نفسه، ويندغمُ وعيُ الشاعرِ ورُؤاهُ الداخلية ليكشفَ عن وعيٍ موازٍ يلتقي برمزيةٍ عاليةٍ مع الأنا العليا على أرضِ الوجود، أرضُ فلسطينَ بلا حدود، ويَبْلغَ “مقام البياض” والصمود.
المصادر والمراجع:
العقاد، جواد (2023): مقام البياض. ط1، الإمارات: دار عشتار للنشر والتوزيع.


