بيان “مناصرة فلسطين” في اعتصام ” الموج الثائر”

بيان جمعية مناصرة فلسطين ، في اعتصام ” الموج الهادر” المنظم في البحرين بمنطقة العدلية، الجمعة الموافق 26 سبتمبر 2025.
نص البيان:
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على المجاهدِ الشهيدِ، محمدٍ بنِ عبدِ اللهِ، صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، الذي أقامَ الحقَّ بالسيفِ والكلمةِ، وقادَ أُمّةً من رُكامِ الاستضعافِ إلى ذُرى العزَّةِ.
وقالَ ﷺ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ أَرْضِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» – وغَزَّةُ، في عامَيْنِ من أعْتَى الحُروبِ وأشَدِّها وحشيَّةً، قَدَّمَتِ الشُّهَداءَ في كُلِّ هذه الميادينِ: من صانُوا الدينَ بدمائِهِم، ومن حَمَوا الأهْلَ بأرْواحِهِم، ومن افْتَدَوْا الأرضَ بأجسادِهِم. حتَّى غَدَتْ غَزَّةُ مَيْدانًا حيًّا لمعانِي الشَّهَادَةِ كما أرادَها النبيُّ ﷺ، ومَسرحًا تَتَجَلّى فيهِ أَسمى صُوَرِ الإيمانِ والكرامَةِ والثَّباتِ.
عامان كامِلان مَرَّا مُنذُ أن أطلَقَتِ الصهيونيَّةُ حَربَها الهمجيَّةَ على غَزَّةَ، حربًا لم تُبقِ حَجَرًا على حَجَرٍ، ولم ترحَمْ طفْلًا ولا شيخًا، لكنَّها – في كُلِّ يومٍ من أيّامِها – تصنَعُ حقيقتًَا واحِدَةً: أنَّ هذه الأرضَ لا تُهزَمُ، وأنَّ هذا الشَّعبَ لا يَنْكِسِرُ.
في هذهِ الحَربِ، تَمايَزَتِ الصُّفوفُ كما لم تَتَمايَزَ من قبلٍ..
في جانِبٍ، وُلِدَت مواقفٌ سَتُسجَّلُ في أنقَى صَفَحَاتِ التَّاريخِ: رئيسُ وزَراءَ إسبانِيا الَّذي قالَ للعالَمِ ما عَجَزَتْ عنهُ عَواصِمُ كُبْرى، ورئيسُ كولومبيا الَّذي اخْتارَ الانحيازَ إلى الضَّميرِ لا إلى المَصالحِ. في مُدُنٍ أوروبيَّةٍ كثيرةٍ، خَرَجَت شُعوبٌ لا تَربِطُها بفلسطينَ إلَّا إنسانيّتُها، تُعلِنُ أنَّ الشَّراكةَ في الصَّمْتِ جِرْمَةٌ، وأنَّ الوُقوفَ إلى جانبِ المَظلومِ لا يَحتاجُ إلى جَوازِ سَفَرٍ ولا إلى نَسَبٍ ولا إلى لُغةٍ.
وفي البَحرِ، تَحوَّلَ المَوْجُ إلى ساحةٍ للكرامَةِ.
أسطولُ حُرّيَّةٍ يَبحَرُ مُنذُ أَكْثَرَ من أُسْبوعٍ نَحوَ غَزَّةَ، تَقُودُهُ إراداتٌ بشريَّةٌ آمَنَتْ أنَّ الإنسانيَّةَ لا تَكتَمِلُ إلَّا بِالفِعلِ، وأنَّ الحَيَادَ في زَمَنِ المَجازِرِ خِيَانَةٌ. رِجالٌ ونساءٌ منَ الغَرْبِ، من أمَمٍ لا تَدِينُ بالإسلامِ، خاطَرُوا بِحَيَاتِهِم لأنَّهُم رَفَضُوا أن يَعِيشُوا بِضميرٍ مُلَوَّثٍ بالصَّمْتِ. ومِن بَينِ أولئِك، بحْرِينِيُّونَ حَمَلُوا رايَةَ الشَّرَفِ، فَكانُوا هُناكَ، حَيْثُ يُمْتَحَنُ الصَّادِقونَ.
وفي جانبٍ آخَرَ من هذا العالَمِ، انكشَفَتِ الوجوهُ الَّتي ظَنَّت أنَّ التَّواطُؤَ حِكمَةٌ، وأنَّ الصَّمْتَ سِياسَةٌ، فإذا بِها تَسقُطُ في اختِبارِ التَّاريخِ، فلا يُذكَرُ مِنْها سِوى أنَّها وَقَفَتْ على الهامِشِ بينما الدَّمُ يُسفَكُ في المَيْدانِ.
أمّا غَزَّةُ، فَكُلُّ شَيءٍ فيها يُعيدُ تَعريفَ المَعانِي:
البيوتُ المهدَّمَةُ تُصبِحُ خَنادِقَ صُمودٍ، والدَّمُ المَسفوْكُ يُصبِحُ حِبْرًا يَكْتُبُ مُستَقبَلًا جديدًا، والطِّفلُ اليَتِيمُ يُصبِحُ رايَةَ وَطَنٍ. تحتَ القَصْفِ، ما زالَتِ الحَياةُ تُولَدُ كُلَّ صباحٍ، وما زالَ الإيمانُ بأنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يُضيءُ ليلَ غَزَّةَ الطَّويلَ:
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحَجِّ: 40]
اليومَ، بَعدَ عامَيْنِ من الدَّمِّ والحِصارِ، بَاتَتِ الحَربُ أَكبَرَ مِن حَربٍ عَسْكَرِيَّةٍ، وإبادةٍ همجيَّةٍ.. إنَّها مَعْرَكَةُ ضَمِيرٍ عالميٍّ، اخْتِبارٌ لِلإنسانيَّةِ في أعْلى مَرَاتِبِها وأحطِّها. مَن اخْتارَ الشَّرَفَ سَيُكْتَبُ في الذّاكرةِ، ومَن اخْتارَ الخِذْلانَ سَيُدفَنُ في الهامِشِ. وبَيْنَ هؤُلاءِ وهؤُلاءِ، تَظَلُّ غَزَّةُ – بِرُكامِها وأطفالِها ونسائِها – البوصَلَةَ، ودَليلاً لِلبَشَرِيَّةِ إلى مَعْنى الكَرامَةِ.
إنَّنا لا نقِفُ اليَومَ لِنَرثِي، بَل لِنُؤكِّدَ أنَّ هذه المَسِيرَةَ ماضِيَةٌ، وأنَّ الدَّمَ الَّذي سُفِكَ لن يَذهَبَ هَدَرًا، وأنَّ الأَرضَ الَّتي دُنِّسَت سَتُطهَّرُ، وأنَّ القُدسَ – كما وَعَدَ اللَّهُ – سَتَعُودُ إلى أهْلِها.
“وَلَوْ كُنتَ وَحْدَكَ”. فالمَواقِفُ العَظِيمَةُ لا تُقاسُ بِالكَثْرَةِ، بَل بِالثَّباتِ على الحَقِّ. قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «لا تَزَالُ طائِفَةٌ من أُمَّتي على الحَقِّ ظاهِرِينَ، لا يَضُرُّهُم مَن خَذَلَهُمْ ولا مَن خالَفَهُمْ». فقِفْ مَعَ الحَقِّ وَلَوْ كُنْتَ وَحْدَكَ، قاطِعْ وَاثِبْتْ، وَلَوْ كُنْتَ وَحْدَكَ، وَاثِبْتَ على مَواقِفِ الشَّرَفِ والكرامَةِ، وَلوْ كُنتَ وَحْدَكَ؛ “وَقِفُوهُمْ.. إنَّهُمْ مَسْؤولُونَ”.
اللَّهُمَّ يا جابِرَ القُلُوبِ المنكسرَةِ، يا ناصِرَ المُسْتَضْعَفينَ، يا مُعِينَ الصّابِرِينَ، نَسأَلُكَ أن تُنْزِلَ على أهلِنا في غَزَّةَ سَكِينَةً من عِندِكَ، ورَحْمَةً تُداوِي جِراحَهم، وصَبْرًا يُثَبِّتُ أقدامَهم.
اللَّهُمَّ كُنْ مَعَهُم في لَيْلِهِم المُوحِشِ، وفي خَوفِهِم، وفي جُوعِهِم وعَطَشِهِم، وفي دُمُوعِ أَطفالِهِم، وفي حُزنِ أُمَّهَاتِهِم.
اللَّهُمَّ ارزُقْهُم فَرَجًا قَريِبًا، ونَصرًا مُبينًا، وامْنَحْهُم مِن حَولِكَ وقُوَّتِكَ ما يَعجِزُونَ عَنْهُ بِحَوْلِهِم وقُوَّتِهِم.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ شُهَداءَهُم، واشْفِ جُرْحاهُم، وفُكَّ أَسْراَهُم، وأبْدِلْ خَوفَهُم أَمْنًا، وضعْفَهُم قُوَّةً، وحُزنَهُم فَرَحًا ونُورًا.
اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتابِ، ومُجرِي السَّحابِ، وهازِمَ الأَحْزابِ، إِنَّ الصَّهاينةَ والصَّلِيبِيِّينَ والمُنافِقينَ، قد طَغَوْا وبَغَوا، وقَتَلوا وشَرَّدوا، وظَلَموا عِبادَك بِغَيرِ حَقٍّ.
اللَّهُمَّ أَنزِلْ عليهم غضَبَك وبَأْسَك وأَلِيمَ عَذابِك وعِقابَك، اللَّهُمَّ شَتِّتْ شَمْلَهُم، ومَزِّقْ جَمْعَهُم، واجْعَل بَأسَهُمْ بيْنَهُم، وأخرِجْهُم مِن أَرضِنا أَذِلَّةً صاغِرِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَل دِماءَ الأَطفالِ الَّتي أراقُوها نارًا تَحْرِقُهُم، وآهاتِ الثَّكالى والجُرحى سياطًا تُطارِدُهُم، واجْعَل أَرضَ فِلسطينَ قُبورًا لِمَخطَطَاتِهِم.
اللَّهُمَّ لا تَرْفَعْ لَهُمْ رايَةً، ولا تُحَقِّقْ لَهُمْ غايَةً، واجْعَلْهُم لِمَن خَلَفَهُم عبرَةً وآيَةً.
اللَّهُمَّ طَهِّرِ المَسْجِدَ الأقصى مِن دَنسِ الصَّهاينةِ المُجرِمينَ، وأَخرِجْهُم مِنْهُ أَذِلَّةً صاغِرِينَ.
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد..
وصَلَّى اللهُ على نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ أجْمَعِينَ.


