يا ظريف الطول: مرثية وطن تغني للذين لا قبور لهم

بقلم : ميرا عيسى (صحفية لبنانية) – فريق البوصلة
“يا ظريف الطول، وقف تاقولك… رايح عالغربة وبلادك أحسنلك”
بصوتها الحزين، تخترق هذه الكلمات ذاكرة الفلسطينيين، من جيل النكبة إلى جيل الإبادة. ليست مجرد أغنية فلكلورية، بل شهادة حيّة على ظلمٍ لم يتوقف. واليوم، بينما يُهدم الحجر على أجساد الأطفال في غزة، خرجت “يا ظريف الطول” من قلب الحارات الفلسطينية، من أفواه الأمهات الموجوعات على أولادهنَّ الذين ذهبوا ولم يعودوا، ومن أزقة المخيمات التي حفظت اللحن كأنها تحفظ الأرواح. واليوم، حين نسمع صداها يتسلل من تحت أنقاض غزة، نعرف أن الأغنية ما زالت تقول لنا شيئاً: الغربة التي حذّرتنا منها لم تكن مجرد سفر، بل النفي، القهر، والشتات.
من النكبة إلى الإبادة: كيف تعيد الأغنية نفسها؟
لم تكن “يا ظريف الطول” أغنية حب أو وداع عابرة، بل مرآة أولى لنكبة شعب ما زالت فصولها تكتب حتى اللحظة. فها هي اليوم تُردد من جديد في غزة، لتشيّع جيلاً كاملاً يُقتل تحت القصف.
وجه الشبه بين التهجير القسري عام 1948، وما يحدث الآن في غزة، يتجاوز مجرد التشبيه، ليصبح استمرارية فعلية للنكبة ذاتها، لكن بأساليب أكثر عنفاً. آنذاك، سُلبت البيوت والمفاتيح، واليوم تمحى أحياء كاملة من الوجود، ويُجبر الناس على النزوح، وكأن لا نهاية للجغرافيا سوى البحر أو الموت.
كأن “ظريف الطول” هو كل شاب غزّاوي مقاوم يحمل بندقيته وعشقه مع لُبٍّ محروق على أرضٍ تم بيعها على يد السياسة الصهيونية الامبريالية. الأغنية التي كانت في الأصل نداءً بعدم الرحيل، باتت اليوم نشيدًا للحسرة، وتعبيراً لقهرٍ لا يوصف.
وفي مقابلة حصرية مع الصحافية الفلسطينية والناشطة الإجتماعية، روان السيد، أكّدت بأنَّ هذه الأغنية هي ليست فقط من التراث بل هي رمز وجداني فلسطيني متجذر بالذاكرة الجماعية للفلسطينيين، ليست مجرد لحن بل أغنية ممزوجة بوجع الغياب والحنين وأمل العودة. وقالت:”نستخدم هذه الأغنية حالياً كصحافيين على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لنبيّن بأن فلسطين ليست مجرد قضية سياسية بل هي قصة إنسان وهوية لا تموت”.
وأوضحت:” في الماضي، كانت تستخدم يا ظريف الطول على شكل دعوة للمغتربين كي يعودوا إلى وطنهم. أما في زمن الإبادة، فهي صوت من تحت الركام، وأصبحت كصرخة مقاومة وصدى وجع عالق بين دهاليز الدبابات والجثث المرمية للمجهول”.
وأضافت السّيد:” نستخدمها حاليا في المحتوى لأن الأخير أصبح من أقوى وسائل المقاومة الرقمية ومازالت تخلق جسر تعاطف بين الفلسطيني وأرضه التي مضت على أيدي المغتصبين فهي تعبر عن الوجع الفلسطيني، لأننا مازلنا نعيش الظروف نفسها من النكبة إلى اليوم.”
الذاكرة الموسيقية كأداة مقاومة
في مواجهة آلة الحرب، يظن البعض أن لا قيمة لصوت الغناء، لكنه في الحالة الفلسطينية، يُعاد تعريف كل شيء، حتى الأغنية تصبح سلاحًا. تلعب الموسيقى دوراً مركزياً في الحفاظ على الهوية، خصوصاً في حالة شعب تعرض لتشويه روايته ومحاولة طمس ثقافته. حين يُحرَق كتاب أو يُهدم متحف، تظل الأغنية قادرة على التنقل بين الحناجر والقلوب دون أن تُعتقل أو تُصادر. “يا ظريف الطول”، وغيرها من الأغاني التراثية، لا تحفظ فقط لحناً، بل تحتفظ بلهجة الأرض، باسم القرية، بشكل الطريق، بنكهة الزعتر والحنين.
فلنعد إلى الماضي مع “أبو علي”، الرجل الذي شهد النكبة وما قبلها، ولد في قرية “البصة” من قضاء عكا ونزح منها لاجئا مع عائلته إلى أجل غير مسمى. مازال يحتفظ في مفتاح بيته عله يعود في يوم من الأيام، لم يفقد الأمل ولم يستسلم فهو على ثقة تامة بأن أصحاب الأرض لا يمكن أن يبقوا يتامى، دون وطن، دون هوية ودون حقوق.
فقال بأن الأغنية كانت تستخدم سابقاً في الأعراس والتي كانت تسمى في قريتهم “التعليلة” وهي عبارة عن سهرات متتالية تمتد من 7 أيام إلى 10، أو كانت تستخدم لفراق العاشقين عن بعضهم البعض إما لظروف قدرية أو بسبب الهجرة.
“لم تكن هذه الأغنية ندبة كاليوم بل كانت من فلكلورنا، نرقص عليها ونغني على الرغم من أن ظروفنا المادية كانت تعيسة؛ فكنا نقتات العيش من خلال ري الأغنام والعمل بالزراعة، فنحن قبيلة لديها عاداتها وتقاليدها والأغنية جزء لا يتجزأ من هذه العادات، ولم يكن الشتات فكرة تراودنا في تلك الأيام”.
وأكمل: ” الآن أشعر بوخزة في قلبي عندما أسمع لحنها حتى ولو من بعيد، لا أطيق سماعها لأنها تغلب جبروتي وتنزل مدامعي، لطالما كنا أقوياء أمام الطغيان وتكسرنا أغنية”.
وأوضح بأن اللوم الأساسي يقع على العرب وحكام الدول العربية منذ الإحتلال البريطاني إلى اليوم؛ فلقد وثقوا كثيرا بالعروبة، ولم يجنوا سوى العنصرية والتهجير والغربة الأبدية.
مضت السنين وأهلها فكأنهم وكأنها أغراب، هكذا أصف حال هذا الشيخ الذي يختصر معاناة شعب صامد، يحاولون كسره ولا يعلمون بأنه قائم من رماد، الشعب الذي يمضي نحو طريق الجلجلة، مصلوبا، منهكا، مستشهدا، سينهض من فوق صليبه، ويعلن القيامة.
يا ظريف الطول متغرب على القوم…..لا تبعد عنا وتحط علينا اللوم..
انشالله بترجع بترجع عالكروم…..نحصد القمحات ونجمع شملنا..
ستعود القدس يوما كما وعدتنا فيروز، وسنصلي لزهرة المدائن مادمنا أحياء، وللحلم بقية كما قال درويش والتحرير هو ذلك الحلم الباقي، سنقاوم كما قاوم غسان كنفاني، ناجي العلي، وريم البنا، بالكلمة، باللحن، بالرسم وبالشعر. سنحصد القمح سويا عندما نسترجع يافا وحيفا وبلادنا التي سرقتها يدي الصهيونية المجرمة، بدعم من السياسة الغربية والدول التي تدعي الانسانية وتسرق حقوق شعبنا وتبيده وبتخاذل عربي حقير كالخنجر الذي يذبح من الوريد إلى الوريد، لن يطول النوى، سنبقى نصدح بصوت عالٍ فلسطين حرة حرة، لن تمحو ذكرانا حتى لو استشهدنا جميعا ستبقى فلسطين عربية.


