نجاة الفارس.. تبحر في معاني الحب وعروق الأمل وشاعرية الوجد

نجاة الفارس
(في ديوان أرملة الأمير)
تبحر في معاني الحب وعروق الأمل وشاعرية الوجد
بقلم: د. هيثم يحيى الخواجة
ذهب (جاد أمير) إلى أن العمل الأدبي لا يخرج إلى العالم بوصفه حزمة منجزة مكتملة التصنيف لمعنى، فالمعنى يعتمد على الموقف التاريخي لمن يفسر هذا العمل (1)
وبناء على ذلك فإن نقد القصيدة لا يستند إلى المعايشة فقط، وإنما لابد أن نضيف إلى ذلك عناصر مهمة، من أهمها علم الجمال الظاهراتي ، ثقافة الناقد، الحالة النفسية، وأحياناً الموقف الأيديولوجي .
إن مثل هذه الشروط وغيرها تلعب دوراً في عملية إدراك الأعمال الفنية والأدبية، ويبقى الوعي الثقافي الذي تدعمه الذائقة الجمالية هو الأساس، لأنه يجعل المتلقي يفتح مغاليق القصيدة، ويتقرى رشاقة اللفظة وسهولتها ودفئها وجرسها..
كل ذلك مهم في الإمتاع والتذوق والإعجاب، ولكن الأهم، أو الذي يقف على رأس ذلك التماسك النصي الذي يمنح المعنى قوة والدلالة رسوخاً.
إن قصيدة الشاعرة نجاة الفارس تمتلك حركتها وتدفقها، وهي إذ تغري القارئ بأسلوبها السهل الممتنع فإنها تفعل ذلكم لتوفر فرصة واسعة للقارئ من أجل الإيغال في عوالمها والتعرف إلى نمط المعنى ودلالاته:
عيونك فجر أيامي
ومن طهر كفيك
تولد ألف نجمة
ومن بسمة ثغرك
تنبت سنابل الكون
يا نبعاً من عرش الرحمن
كم سابقت جهود السحاب
بصبر يهز الجبال
أمي
كل عام وأنت الحب (2)
فالقصيدة تنبت مع أعشاب العمر ومن دواخل خافق ما يني قادراً على الحب والاستقراء والاستنتاج، والقصيدة تصاحب جعبة الذكرى والقمر الفضي والكواكب التي تسبح في خلايا الفؤاد.. القصيدة تورق في الأوراد مع يفاعة الصباح ونشيد دنيا الشاعر والنشوة العارمة التي تقض مضجع الشاعر، وهي تلح على مواجهة الظلمة والظلام والخطو باتجاه سيرورة الحياة.
إن الصورة المباشرة في قصيدة نجاة الفارس تحمل وجهين، ولعل الوجه الخفي يطغى – أحياناً – على الوجه الظاهر، مع الاعتراف بتماهي الباطن مع الظاهر:
إن تحدثت يا ويلي
ينساب شلال عطر
على غابة زهر (3)
إن التوصيف الظاهر هو جمال الحديث وتنوعه، ولكن المعنى الباطن يضيف إلى ذلك القدرة والمكنة والوعي والثقافة والإقناع والتأثير وغير ذلك.
ولاريب في أن الشاعر العربي- ويمكن أي شاعر – أسير المعاناة والتجارب، لأنه يستظل بالأمل والألم، ويزركش حياته بالتكيف، فهو يجري لاهثاً مكدوداً وراء حاجاته وخوفه من القادم، يقول الشاعر ممدوح السكاف:
(إن من جملة مهمات الشعر العربي المعاصر أن يعبر عن الحالات النفسية والمشاعر العاطفية والانفعالات الذاتية للشاعر والمنظومة الاجتماعية في شرائحها وفئاتها المتباينة وأوجه ثقافتها وتفكيرها ووعيها) (4)
عذراً يا ربة التعبير
ماذا أقول لصغار الحي؟
ماذا أقول للياسمين؟
ودالية العنب؟
وكروم التين والزيتون؟
..,.
آه يا عطرها الرباني!
من يفرج كربة المسكين؟
من يغيث الملهوف؟
من يكرم الضيوف؟
يا أم اليتامى (5)
الشاعرة نجاة الفارس في معمارية قصيدتها الحداثية تلتفت إلى الشمس وتقتبس منها شاعرية صادقة تلفها بعبير الكلمات ومضامين المشاعر التي تلفحت بالتفاؤل وتزنرت بوشائع من عبق الإبداع، فهي حريصة على الاستبصار الفكري من أجل مصافحة المتلقي بقوة، والأكثر من ذلك التمسك بتجليات الاستحداث والتحديث لتكون ابنة العصر التي رفضت أن تعيش على رصيف الحياة وانطلقت باتجاه المحاور المركزية التي يحذر منها من لا يحبون الوطن والإنسان.
في قصيدة (سيدة الانشراح) يأخذ الخطاب الشعري مأخذاً عميق المعنى والدلالة، خاصة حينما يراوح بين الماضي والحاضر والمستقبل، ويتجاوز الأنا إلى النحن، فالأم هي أم الجميع، والمعاناة تطال الجميع:
يا ملاكاً يحنو علينا
ليتك تبوحين بالمكنون
أو تؤشرين
بطرف العين أو البنان
يا غالية
خاتم نحن في أناملك
تدللي وأمري
ونحن رهن الإشارة (6)
الشاعرة تجوس مفازات الحياة بقناديل الإصرار، على الرغم من السواد وزمهرير البرق والرعد، وخاصة: الموت، والفقدان، وغياب الحب.. وبناء على ذلك فإن الاستجارة بالأمل ضرورة، وإن الوثوب نحو الصمود والصواب هو الدرب الذي يسلكه الشاعر لمواجهة برد الصقيع الجليدي وإحباطات الحياة والهلاك والريح اللافحة:
املأ فراغات الأسئلة
يا سيد اللغة
أي لغة تليق بك
أيها الموت
قل لي:
لماذا تعشق الشعراء؟ (7)
وتقول:
شموخ وعنفوان
وإن غاب يوماً
بدر التمام
ألف نجم يسطع
بوجه الظلم والظلام (8)
ولأن الحب ترياق الحياة، فقد تحدثت الشاعرة عنه من خلال قصيدة: (أعاصير وجد)، وقد تضمخ حديثها بفلسفة خاصة ورؤية خاصة.
أذكر أنني قرأت قولاً للشاعر الفرنسي (فرلن) مفاده:
(إن المعاني الخفية كالعينين الجميلتين تلمعان من وراء النقاب)
كما أذكر أن الكاتب الجزائري محمد ديب قال: (لولا البحر ولولا المرأة لبقينا يتامى فكلاهما يغطينا بالملح الذي يحفظنا) (9)
إن الشاعرة نجاة الفارس لا تأخذ من مفردات الحب إلا المعنى والدلالة لكي تجسدها عملياً في عناصر الحياة، فحب الوطن لا يضاهيه حب، ومن المفيد التعبير عن ذلك بالوسائل المقنعة والمحفزة في آن معاً:
أي حب هذا الذي
تعبت كواكبي
تدور وتدور
في فلكك
وأزهاري ظمآى
جف ريقها
تنتظر
رذاذ ضوئك (10)
إن قصيدة الشاعرة تمثل ذوب الروح والقلب تساكنها الحياة والعشق والتاريخ وترسم معها حقائق التاريخ وبسمة البطولة، فهناك وخلف القضبان يشمخ الرجال من أجل الكرامة والنهوض، ومن أجل الأرض والوطن:
يوجعاً يشهق في الروح
ويزلزل السكون
من تكون
وحيداً غريباً منفياً
جئت ورحلت
فمن ذا
يحطم صمت القبور
انهض
فالمجد لك
امض
كوكباً وكفى (11)
والشاعرة تمزج بين الحب والعشق لتدون شعراً بحبر قلبها، قوادمه الصدق وخوافيه الفرح، لكأنها تؤمن بأن الشعر الزائف هو الذي يعتمد الإفراط في التعبير عن المعنى، ولهذا فهي ترسم بهدهدات روحها قصيدتها لكي يكون لبوسها نوراً، وتكون فتنتها نوراً، بحثاً عن شعر إنساني خالد في معناه ومبناه، وحتى يتحقق ذلك لابد من التأكيد على الجوهر دون التخلي عن الدفء والمصداقية مستفيدة في تحقيق ذلك من طبيعة التكوين والمؤثرات الثقافية ومظاهر التجليات وآثارها وشتى الظروف الطارئة:
متلهفة لتعويذة عشق
في عينيك
وشوقي إليك
متغلغل، مشتعل
في ثنايا روحي
حبنا أكبر من المجرات
وأعمق من المحيطات
دونك حياتي (12)
هناك تنوع في التعبير، وتنوع في الطرائق الأدبية، فالشاعرة في سعي دائم لتجويد القصيدة والإمساك بتلابيب بنائها الفني عبر ابتكار تعبيرات تخصها، وعبر خيال يتخصب بمفردات الواقع.
وإذا كان هذا يعكس تجربة شعرية عميقة، فإنه من جهة أخرى يجسد معايشة صميمية للحدث الذي تجلى في البعدين الأسلوبي والنفسي.
لقد تغلغلت في قصيدة (لحظة ميلاد) إلى أعمق أعماق النفس الإنسانية بدءاً من الطفولة وانتهاء بالواقع والشهادة، وما بينهما كان التجلي ممتداً بين الأهداف والوجع والألم والتضحية، وفي ذلك تمطر السماء، وأي مطر يكون؟!
حبيبي ما عاد الانكسار يليق بنا
لا حبر التاريخ ينصفنا
ولا جغرافية الوطن
حبيبي ضع يدك في يدي
نربي النرجس والريحان
نسقي شجيرات الزيتون
في وادي الباذان
ونقول لها
لا ظلم اليوم ولا فساد (13)
إن المعاناة وتجارب الحياة تفيدان الشاعر كثيرا، والشاعرة نجاة الفارس استفادت من ذلك في تنضيح شعرها وتعميق رؤيتها ولهذا ليس غريباً أن تتخذ مواقف صلبة وأن يتشح شعرها بالزخم والكثافة والحيوية.
وقد أتجرأ وأقول: إن تجربة الشاعرة نجاة تتضمن مغامرة في الروح لكونها صورة من صور الاختلاجات الداخلية الحارة للنفس قبل أن ترسمها على أديم الأرض أو على سطح القمر:
لا تختبئ بين مسام جلدي
لا تلاحقني في مرايا حلمي
أتوسل إليك
اهجر سواقي روحي
لا تسكن بين رمشي ورمشي
أسألك الرحيل (14)
لم تعد مسرحية (في انتظار غودو ) تخص المسرح فقط ، لأن الانتظار غدا علامة روحية لدى الإنسان المعاصر ، وغدا حركة ضوئية في النفس البشرية ، لأسباب لاتعد ولا تحصى بسبب الغيلان وكثرة الخفافيش والحروب ، وليس من أمل عند الإنسان سوى انتظار الفرج بأي شكل وأي لون وأي أسلوب:
انتظرني عند منتصف الجرح
أرتب حقائب ألمي
وأتبعك
ما عاد في القلب متسع
لسواك
ما عاد بالنفس عشق
غير هواك (15)
ولأن الشاعر معني بتعميق علاقته بعصره يحاول جاهداً أن يجمع تكوينات منجزاته ويرصدها في أوراقه وقلبه، والشاعرة نجاة الفارس قد فعلت ذلك عندما دونت في قاع حركاتها الفنية والفكرية والاجتماعية والسياسية والفلسفية على بردة تقلبات حياتها وغاصت في المسامات، ليغتني الإنتاج الشعري، ولكي توظفه في إذكاء قبس الإبداع، فالثنائية الضدية تراوح وتتبدى كلوحة لا تشيب، لأنها تبرز الكره والحب وتظهر الأتراح والأفراح وتدخل بوابات الجنون العقلاني الذي أتعبه التأمل والتفكير.. كل ذلك عبر تشخيص الرحيل الذي يقض مضجع الشاعرة:
امرأة من تضاد
كيف تفهمني
مجنونة عاقلة
أحبك حد الكراهية
وأكرهك حد العشق
من يضمد نزيف حبري
من يرمم أشلاء قلبي
من يقايض أتراحي بأفراح
من سواك أيها الرحيل (16)
الشاعرة نجاة الفارس تمتشق حسام الشعر لتعبر عن آمالها وآلامها الذاتية والوطنية ، ولأن الشعر جنس أدبي فياض بالمعاني والدلالات ، وصوت فني وثري ، فقد عد حاضناً رئيساً للإبداع وصوت الحياة، وهذا ما حدا بالشاعرة أن تعتمده ليكون صوتها المعبر عما يجيش في نفسها.
ولما كانت القصيدة الحديثة موقفاً ورؤية وسلوكاً، فقد أدركت الشاعرة نجاة الفارس ذلك، وبرهان هذا الرأي الحفاظ على طفولة الدهشة في أورادها، ورعشة الخفق العارم في قلبها بأسلوب مستمر لا يتلاشى وبإصرار على الحب وحرص على إنسانية الإنسان.
فالشاعرة تبحر عبر الأزمنة من أجل استشراف المستقبل ومن أجل التخلص من تجاعيد الظلام، وقد حققت ذلك بالاعتماد على طاقة لغوية متجددة، وبالاهتمام بالتفاصيل التي تسكن الأعماق.
الفراق أدمى روحي
والهجر أشعل دمي
ترفق بي
تجرعت المرارة بعدك
اشتقت لدفئك
كلما فكرت فيك
يختل اتزاني
أعود مراهقة
تتهجى أبجدية الحب (17)
إن راهن قصيدة الشاعرة تستند إلى الحب، حب الأم والزوج والأسرة والوطن وإنسانية الإنسان.
لقد وضعت الشاعرة إصبعها على العصب الحساس وانطلقت في فضاءات الشعر، كما أصرت على شفافية الشعر ليكون سفيراً في توصيل شجون الإنسان والإنارة على طموحاته، ومن المفيد القول: إن الشاعرة كثيرة التأمل بسبب حزنها الدفين على وطنها السليب والخوف من المجهول، ومن المفيد أيضاً الإشارة إلى انحيازها إلى الحداثة، فالمتصفح لشعر نجاة فارس يتأكد من ذلك عبر الخيال المجنح والصورة المبتكرة والإصرار على التواصل مع المتلقي، إما عبر تحريك نبضه وإنسانيته ووطنيته ، وإما من خلال طرح الأسئلة الاستفزازية التي تتمحور حول : ( كيف ؟ ولماذا؟ وإلى أين؟ )
الشاعرة نجاة الفارس صوت شعري يخطو باتجاه نيسان جديد، ولا يأبه بالألم، ولئن طالت النثرية بعض الجمل الشعرية، ولئن تفاوتت بعض المقاطع الشعرية في المستوى الشعري والشاعري، فإن ذلك لم يؤثر على شعر وشاعرية الشاعرة وعلى إبداعها المتألق وأبجديتها الشعرية التي تعد بالكثير.
د. هيثم يحيى الخواجة
الهوامش:
1- رامان سيلدن، النظرية الأدبية المعاصرة، تر: جابر عصفور
دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1998م ، ص 171
2- نجاة الفارس، أرملة أمير، ديوان شعر، 2023 م
3- السابق نفسه، قصيدة من تكون؟ ص 14
4- ممدوح السكاف، في تأمل الشعر، اتحاد كتاب العرب، دمشق ص 22، 2008 م
5- نجاة الفارس، هامش سابق قصيدة جدتي ص 18
6- نفسه قصيدة (سيدة الانشراح) ص 23
7- نفسه قصيدة (أي لغة تليق بك) ص 31
8- نفسه قصيدة (نجم يسطع)، ص 35
9- ممدوح السكاف، هامش سابق، قصيدة (أعاصير وجد) ص 37
10 – نجاة الفارس هامش سابق قصيدة أعاصير وجد ص 37
11 – نفسه قصيدة (شهيق الروح) ص 42
12 – نفسه قصيدة (تعويذة عشق) ص 44
13 – نفسه قصيدة (لحظة ميلاد) ص 49
14 – نفسه قصيدة (أسألك الرحيل) ص 51
15 – نفسه قصيدة (انتظرني) ص 54
16 – نفسه قصيدة (تضاد) ص 56
17 – نفسه قصيدة ( فراق ) ص 67