في تراجيداته الروائية:ضياء يوسف يبدأ متحققا روائيا

بقلم: رجب عطا الطيب أبو سرية-كاتب فلسطيني
إذا كانت موهبة كتابة الشعر تظهر على أصحابها مبكرا, فإن كتابة الرواية فضلا عن كونها تشي بموهبة السرد, إلا أن كتابتها تحتاج أمورا أخرى, لذلك فإن كتّابها عادة ما يبدأون مشوارهم بعد مضي عمر المراهقة, وبعد نضج وتحصيل معرفي, ويبدو أن قدر الروائيين مثل قدر الأنبياء, الذين نزلت عليهم الرسالات بعد سن الأربعين, فكان قدر الروائيين غالبا, أن تتوالى كتاباتهم الروائية بعد أن يصبحوا رجالا متزنين, وكتابة الرواية تجمع بين الفن والمعرفة, وهي ليست كلها موهبة فقط, بل مع مرور الوقت تصبح “حرفة” لا يتقن صنعها إلا “الحواة” والحاذقون من الكتّاب, ومن ضمن ما يؤكد هذا المنحى, أن العديد من الروائيين العرب وغيرهم, قد بدأوا وهم شباب يكتبون القصة, أو المسرحية, وحتى الشعر, ثم بعد سنوات شرعوا في كتابة الرواية, وعلى هذا القول شواهد عديدة, ليس هنا مجال سردها وتعدادها على أي حال.
يناقش المشروع الروائي لضياء يوسف فكرة التعايش بين الأديان والثقافات, بعيدا عن الشعارات, وعن الأحلام والأمنيات, ففي روايته الأولى “قدر أعمى”, تصطدم بطلة الرواية كارولين مسيحية الديانة, بكون من أحبته الذي لم يسمه الكاتب, وكان الراوي بطل النص, بكونه مسلما, ورغم تجاوزهما هما الاثنان لهذا الفارق الديني, ورغم أن دين الحبيب الإسلام يبيح له الزواج من كتابية ويسمح له كذلك بتعدد الزوجات, إلا أن النهاية كانت تراجيدية, لم يكن ذلك بشكل صريح, لكن تديّن البطل لم يسمح له بإقامة علاقة غير شرعية مع من يشتهيها بقوة, لذلك لم يكن الحل إلا بالزواج, وهنا تدخلت عوامل أخرى اجتماعية الطابع, لها علاقة بغيرة النساء, وعدم تقبلهن زواج أزواجهن من أخريات, مع أن الشرع يبيح لهم ذلك.
وادا كان هذا قد ظهر بشكل أقل سفورا في الرواية الأولى, فإنه ظهر واضحا تماما وجدا في الرواية الثانية, “عاشقة الصمغ”, حين ارتبط بطل النص العربي السوداني _المتزوج والذي لديه ولد وبنت وكان اسمه “مدلل”_ عاطفيا بالأرملة راحيل التي كانت لديها ابنة من زواج سابق, ومن ثم تزوجها فعلا, لينشأ الصراع بينه وبين زوجته الأولى أولا, ومن ثم بين زوجته الأولى وابنها منه وبين زوجته الثانية وأبنائها, ولم يشفع لراحيل التي صارت المسلمة رابعة, ولا لابنتها فارديا التي صارت فريدة, اسلامهما, لذلك اضطرت الى الهرب لباريس من الخرطوم, والأخطر أنها اضطرت للارتداد عن الإسلام والتهود مجددا, وحصل نفس الأمر قبل ذلك لإبنتها فريدة التي تزوجت بعد أن تجاوزت الثلاثين من عمرها ولم تفز بزوج سوداني, بل إن مدلل نفسه الذي صار بحكم أبيها لم يهتم بأمر تزويجها, كما فعل مع أختها منه “نجمة” التي زوّجها, وهي دون الثامنة عشرة, فعادت فريدة لتكون فارديا بعد أن مزقت جواز سفرها السوداني, وحصلت على الجواز الفرنسي باسم فارديا بديانة يهودية, وفارديا تزوجت موشي وسافرت لتقيم في تل أبيب.
أما نجمة وحبيب الله اللذان ولدا مسلمين للأب مدلل والأم رابعة, فقد ظلا محافظين على إسلامهما, بل إن نجمة رفضت بشدة الارتباط بفرج بطرس الطالب الجامعي, السوداني, لأن زواجها منه مستحيل, فهي مسلمة وهو مسيحي.
يلاحظ في هذين النصين نهايتهما التراجيدية, فكارولين “قدر اعمى”, وقد باتت على بعد خطوة واحدة من الزواج من بطل الرواية, وذلك بعد الاحتيال على القانون الفرنسي الذي يمنع تعدد الزوجات, ولأن الكاتب تعمد عدم الافصاح عن جنسية البطل “رغم الإشارة” في آخر الرواية الى أنه سوداني, ليس ارتباطا بخلفية ارجاع النص للسيرة الذاتية, بل لأن نتالي أم كارولين كانت باحثة في اليورانيوم الذي يوجد في النيجر, حيث تعرضت للاختطاف ومن ثم تموت بعد اصابتها, ثم تنتحر كارولين لأن حبيبها تركها, كذلك تنتهي قصة الحب بين نجمة ووحيد “عاشقة الصمغ” نهاية تراجيدية لم تصل لحد انتحار نجمة, رغم تهديدها بذلك كما فعلت سابقتها كارولين.
هذا الموضوع جدير للغاية بالنقاش الدرامي من خلال الروايات والمسرحيات والمسلسلات, وربما كان مسرح الأحداث في الغرب الأوروبي مناسبا جدا لذلك, بسبب تعدد المعتقدات الدينية والأصول الطائفية والعرقية لمواطني الدول الأوروبية, لكن فكرة التعايش بين الأديان هي غير فكرة التعايش بين المتدينين, ورغم أن الكاتب لم يقدم شخوصا متطرفة, إلا أن المعتقد الثقافي ذا الجذر الديني يقف حائلا بين ما يسمى بالزواج المختلط, وبين نجاحه, وادا كان الزواج المختلط هذا قد فشل في “قدر أعمى” بقدرة قادر, بعد وفاة نتالي المفاجئة, وتعثر عقد قران الحبيبين, ومن ثم حيلة زوجة البطل بالذهاب للدولة الخليجية, فإن زواج مدلل من راحيل في “عاشقة الصمغ” قد تم واستمر عقدين, إلى أن توفي الرجل, وبدا الأمر طبيعيا, باسلام راحيل وابنتها فارديا, بل وبانجابها نجمة وحبيب الله, إلا أن “ثقافة” نفي الآخر المتوغلة في قاع العقلية المجتمعية “حللت” لسمير ابن حميدة ومدلل, أن يقوم بمعاقبة زوجة أبيه المسلمة وابنتها, بل وأخويه منها, بحجة أنها اليهودية و لكون أخويه منها أبناء اليهودية !
وإذا كان حوار الأديان يستند للقاعدة التي تقول بأن لكم دينكم ولي ديني, فإن الحوار بين المتدينين له رأي آخر, والموروث الثقافي ما زال يرى في الآخر الذي يدين بدين آخر مختلفا, إن لم يكن كافرا, لدرجة أن يستحيل الاختلاط بين المتدينين, وبالطبع بالنسبة للأديان الأخرى الاختلاط ممنوع, لكن الإسلام فقط يبيحه من حيث النص, وهنا يختلف الرجال عن النساء, فكل منهما يقرأ شطرا من الأية الكريمة التي تقول: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا (3) الرجال يقرأون أنه قد أحل الزواج مثنى وثلاث ورباع, ويتناسون بقية الآية, فيما النساء يتشبثن بالنصف الثاني, الذي يقول فواحدة.
يبدو أن الكاتب يؤمن أو يرى _والله أعلم_ بأن الزواج المختلط ممكن فقط بين اللادينيين, أي وفق الزواج المدني, أي حين يصبح المجتمع نفسه مختلطا, وقائما على أساس عدم التمييز بين دين وآخر, لا في التشريع ولا أمام القضاء, ولا في حقل تنفيذ القوانين ولا بين الناس.
وعلى ما يبدو أيضا, بأن معطف الطيب صالح, ما زال يرمي بظلاله على الروائيين السودانيين, الذي يرسمون حاليا لوحة ناصعة, تحتل مكانا مرموقا في مكتبة الرواية العربية, فهناك إلى جانب هذا الروائي المبدع, كل من عبد العزيز بركة ساكن, طارق الطيب, وأمير تاج السر, وإذا كان الطيب صالح, أحدث فتحا روائيا على الصعيد العربي, بتناوله فكرة العلاقة بين الجنوب والشمال, كما هو الوصف عند أخوتنا في الشق الأفريقي من الوطن العربي, أو بين الشرق والغرب كما هو الوصف في الشق الآسيوي, وذلك في الرواية الشهيرة “موسم الهجرة إلى الشمال” حيث قدم صورة عن “الحوار الحضاري” إن جاز التعبير بيننا وبين الغرب أو الشمال, فإن ضياء يوسف, يتجاوز تلك اللحظة, بالدخول إلى ذلك المجتمع نفسه, الذي سبق له وأن أدهش الطيب صالح, ليتوغل بشخوصه فيه لدرجة أن يطلبوا القرب منه, بالزواج من بناته!
مقولات الروايات إذا جادة ومهمة, وتمنح النصوص المشروعية الروائية, والرواية ليست سردا أو مجرد قصص وحكايات, وليست لغوا إنشائيا عابرا أو عابثا, يمكن لأي أحد “فاضي أشغال” وفق المثل الذي يقول “الفاضي بعمل قاضي”, أو “قلة الشغل بتعلم التطريز”, يمكن لأي أحد أن يقوم به, وواقع الحال للأسف يقول هذا من خلال متابعة ما ينشر على امتداد الوطن العربي من “كتابات روائية” أو مدونات أو قصص, يوّقع أصحابها كروائيين, كذلك لابد من الإشارة إلى أن الرواية الحقيقية التي تستحق لقب الرواية النبيل, وتستحق القراءة والتنويه والإشادة, هي تلك التي تقدم كمّا معرفيا للقاريء, بين ثنايا النص, إضافة للحرفية بالطبع التي تتأتى من خلال البناء الروائي وفق عناصر الرواية المعروفة.
ضياء يوسف بدأ كبيرا
أربع رويات فقط, كتبت خلال خمس سنوات تقريبا, ما بين عامي 2020 _2025, بعد أن درس د. ضياء الدين أحمد يوسف جميل اللسانيات, كانت بمثابة منجز روائي, يضع صاحبه ضمن الصف الأول من كتاب الرواية السودانية, التي باتت _كما اسلفنا_ رفا أساسيا ومهما من رفوف الرواية العربية, المتنوعة من الخليج في الشرق إلى المغرب في الغرب, وما بينهما ما بين الشمال والجنوب العربي, ولا تظهر تلك الروايات على أنها روايات مكتملة وناضجة وحسب, أو متجاوزة لما تكون عليه عادة الروائيين والروائيات الشباب, من “تجريب” أو من “هنات” هنا وهناك, فالروايات الأربع انطوت على العناصر الأساسية للرواية العربية الكلاسيكية, كما أنها _وربما هذا يعود_لتقارب الفترة التي كتبت فيها, متاشبهة أو تسير على نسق واحد من حيث مقولات النصوص, أو الفكرة الرئيسية لكل رواية, ومن حيث اللغة والبناء, مع ملاحظة تجاوز الروايات التالية لبعض المشاكل التي ظهرت في الرواية الأولى, لكن الروايات بمجموعها تشكل مشروعا روائيا شبه مكتمل, يمكن المغامرة بقرائته على أنه كذلك, ومن ثم التعامل مع الكاتب على هذا الأساس.
جدية الموضوع = مشروعية القص
الروايات الأربع تناولت موضوع “تعدد الزوجات” أو تعدد العلاقات النسائية للرجل الشرقي, الذي لا يكتفي بزوجة واحدة, واشتركت كلها في نهايات مأساوية, أو تراجيدية, تؤكد مقولات النصوص, باعتبار ذلك مشكلة, مترتبة على موروث شرقي, إن كان ذلك الذي يبيح التعدد شرعا وقانونا, أو كان ذلك الذي له علاقة بموروث المكانة الاجتماعية المتأتية بالجمع بين النساء والجواري, أو ما له علاقة بالموروث العشائري القبلي, الذي يحصر التزاوج بين أبناء العمومة, وبالمجمل بما يخزنه وعي الرجل الشرقي من ذكورية, تجعل من تفوق الرجل بل ومن اضطهاده للمرأة حقا شرعيا وعرفيا وحتى قانونيا.
تناولت الروايات الأربع هذه المسألة باختلافات او بتباينات, ارتبطت بالمكان, فحيث أن الروايتين الأولى “قدر أعمى” و الثانية “عاشقة الصمغ” نشأتا في الغرب الأوروبي, في باريس ولندن على التوالي, بالتحديد, حيث يمنع القانون تعدد الزوجات, وحيث المرأة الثانية ليست من نساء الوطن ولا حتى من نساء الشرق عموما, واجه البطل في الروايتين مشكلة مركبة, الأولى في الارتباط بزوجة ثانية, حيث صادف أن أبطال الروايات متزوجون, وذلك حتى تنشأ عقدة الرواية, والثانية اختلاف الدين, فإذا كان البطل وكذلك زوجته الأولى مسلمان, فإن المرأة الثانية كانت مسيحية في الرواية الأولى ويهودية في الرواية الثانية, أما الرواية الثالثة فقد كانت “محلية” خالصة, رغم أنها انتهت بالبطل وقد سافر إلى اوروبا لمتابعة دراسته الجامعية, لذا كان تعدد الزوجات فيها صريحا, كما أن هذه الرواية, كان التدخل فيها بين المتخيل وسيرة الذات أوضح, والروايات كلها بتقديري _وأنا لا أعرف الكاتب شخصيا_ فيها جذور من سيرته الشخصية الذاتية, وربما لأنه كان ابنا لزوجة أولى تزوج أبوه عليها, أصل أو دافع لهذا الاهتمام بتعدد الزوجات, وهو موضوع ليس غريبا على أي حال عن الأدب العربي, وكثيرا ما تناولته الدراما_المسلسلات المصرية في آلآونة الأخيرة.
لكن تناول روايات الدكتور يوسف مختلف بالطبع, فهو يظهر عبرها مأساوية هذه الظاهرة الاجتماعية رغم مشروعيتها وقانونيتها, على عكس الكثير من الأعمال الفنية والأدبية العربية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة والتي تساوقت مع “أسلمة متخلفة” لتروج لها, بدءا من مسلسل “عائلة الحاج متولي”, إلى “الزوجة الثانية” أو “القاصرات” والقائمة تطول بالطبع.
المكان والفضاء الروائي
كلاسيكية روايات الدكتور ضياء الدين يوسف تظهر جلية في البناء النصي التقليدي, حيث هناك تحديد واهتمام بالمكان, وحرص على أن يكون متسعا ليحقق مع زمان ممتد بدروه فضاء روائيا رحبا, ولم يقتصر المكان على مكان محدد مغلق, بل كان يشمل التنقل والسفر وما إلى ذلك, وكان يقدم صورة عن التناقض المكاني بين مكان عصري, إن كان في باريس أو لندن, ومكان فقير كما هو حال القرية, واذا كانت الروايات الثلاث الأولى قد رافقت الكاتب في مسيرته الذاتية بين القرية التي ولد فيها في ولاية الجزيرة وهي قرية “الشبارقة” وصولا لباريس ولندن, مرورا بالخرطوم وواد مدني والفاشر, فإن الرواية الرابعة كانت مختلفة تماما, وليس لها صلة بسيرته الذاتية, وهي قد تكون كتبت بناء على “قصة ما” حكاها له صديق فلسطيني أو أردني, أو بناء على “حرفية” لابد أن تظهر في نهاية المطاف لدى الروائي الجدي, حين يبدأ في مغادرة ما له علاقة به شخصيا, ليكتب وفق المقولة “الثورية” التي يؤمن بها, أو من أجل تحقيق هدف ما, كأن يحتفي بالقضية الفلسطينية على طريقته, كما فعل في “فاتنة البحر الميت”.
اتساع الزمن لتعميق الشخصيات الروائية
والزمان كذلك ممتد, ولم يكن خاطفا ولا في أية رواية, وإذا كان قد ظهر على أنه بضع سنوات في “قدر أعمى” ارتباطا بعمر الولدين اللذين بدأ النص والبطل أبوهما يقوم فيه بإيصالهما للمدرسة, ثم وهما قد كبرا ليدخلا المدرسة الثانوية في آخر النص في بلد خليجي, فإنه كان عقودا من الزمن, وبالتحديد تجاوز العقدين, أو العشرين عاما, هي عمر نجمه ابنة البطل/الراوي من زوجته اليهودية السابقة المسلمة حين تزوجها وأنجب منها نجمة وحبيب الله, وعمر نجمة حين وصل النص نهايته, وبالطبع هناك أدلة عديدة يمكن من خلالها القيام بحسبة تؤكد الزمن الممثل في الرواية, أما في “غبار الذكريات” فقد امتد الزمن طويلا, ربما ما يقارب من مئة عام, والرواية جاءت أصلا على شكل سردية حكائية, كانت أبطالها سلالات عائلية وليس أفرادا وحسب, وقد تتبع البطل “فأل الخير” أصله عبر سلالتين, وهذه الرواية كما أسلفنا هي سيرة شخصية إلى حد كبير للغاية, وهذا كان واضحا وليس ارتباطا بمعرفة “سي في الكاتب”, سلالتي أبيه وأمه, وقد تناول خلال هذه الرواية مسألة في غاية الأهمية, تظهر جذر الكثير من المشاكل التي يعاني منها السودان حتى اللحظة, والتي تتسبب في صراعاته الداخلية وفي تفككه, أولا إلى دولتي الشمال والجنوب, وحاليا إلى دولتي الشرق والغرب, وهي مسألة العبودية التي توطدت أيام الحكم العثماني والدولة المهدية, وحاول الاستعمار البريطاني_ويا للمفارقة_ أن يضع حدا لها دون جدوى.
وعلى الأقل يمكن تتبع خيط الزمن منذ تولي يونس أفندي جد فأل الخير لأبيه, وظيفة حكومية في دارفور “وهذه واقعة حقيقية مرتبطة بجد الكاتب الناظر يوسف جميل حاكم دارفور في أربعينيات القرن العشرين”, حين وردت الإشارة إلى أنه ذهب إلى هناك مع زوجته صابرة السمحة, للعمل في الفاشر, إلى أن انتهى النص بفال الخير , حفيد يونس افندي وقد عاد من أثينا حيث كان يدرس في الجامعة, بعد موت أمه بعامين, أي وهو في العشرين من عمره.
الزمن في الرواية الرابعة لم يختلف كثيرا عن الزمن في الروايات السابقة, وإن كان المكان قد اختلف من زاوية الشرق, بحيث صار بلاد الشام بدلا من السودان, وصار الغرب بروكسيل بدلا من باريس ولندن, والزمن هنا بدأ بحب بدا مستحيلا وغريبا في نفس الوقت, فالحب كان بين ابني عم هما عياد وملاك, ومن الطبيعي أن يكونا لبعضمها منذ الولادة حسب العرف والتقليد, لكن الكاتب فضل أن “يناكف” القاريء ويضع فاصلا بين أبويهما له علاقة ببيع صقر أب عياد لقطعة أرض عليها خلاف بين الأخوين ليهودي, والمهم أن زمن الرواية يبدأ بتحدي الحبيبين لما هو عليه حال الأبوين, حيث هربا ليتزوجا, ومن ثم ينجبا بنتين وابنا, ويمكن هنا ببساطة حسبة الزمن ارتباطا بعمر صفا ابنة ملاك وعياد, التي ولدت بعد زواج أبيها وأمها, ومن ثم ماتت في نهاية النص بعد أن تخرج ابنها عياد وبنتها ملاك من الجامعة فعمل أحدهما في سنغافورة, أي أن الحديث هنا عن جيلين, أو عن زمن يتراوح بين 40_50 سنة.
مع هذا الامتداد الزمني في الروايات, إلا أنه لم يلاحظ الكثير من الاهتمام بالتغير في المجتمع, إن كان بشكله المادي أو المعنوي, وإذا كان قد ظهر التقدم التقني عبر ما يحيط أبطال الروايات من مظاهر الحياة الحديثة, إلا أن التقدم العصري أو الحداثي في الوعي, بقي على حاله _تقريبا_ وهذا يمكن استنتاجه من خلال تيسير مثلا, في “فاتنة البحر الميت” الذي بقي شرقيا مستبدا, رغم أنه انتقل من مخيم اربد إلى عمان الى بروكسل, أو من خلال نجمة وحبيب الله, فضلا عن موشي, وكل من فريدة التي عادت إلى أن تكون فارديا, ورابعة التي عادت لتكون راحيل مجددا.
بطولة ثنائية أزلية
ولا يقتصر البناء الروائي على قوة ظهور المكان والزمان, مع اهتمام بسرد تفاصيل مكانية, بما يشبه الفسيفساء النصّية, لخلق مناخات تضع القاريء في أجواء تلك الأمكنة التي كانت تحتضن السرد, ليشعر بأنه دخل العالم الروائي, وبات يرى أبطال النص ويرى بيتوهم وأحياءهم وشوارعم, بل كذلك شمل تقديم وبناء الشخصيات, ورغم أن الروايات الأربع تمحورت حول بطل ثنائي, هو رجل وامرأة, زوجين غالبا, لأن الروايات عالجت كما قلنا مسألة تعدد الزوجات أو تعدد العلاقات الزوجية, وهنا وبسبب من تدين الكاتب, الذي ما زال محافظا, لم يقع أي فعل غير شرعي, فحتى الرجل الشرقي الذي كان يدينه الكاتب لرغبته في الارتباط بامرأة أخرى غير زوجته, ما كان يلجأ لاتخاذ من يحب عشيقة مثلا, بل كان وقبل أن يمس حبيبته الثانية يفكر في كيفية الزواج منها, وفي “قدر أعمى” تجلى ذلك بوضوح, حين سارع البطل إلى السفر مع حبيبته “كارولين” للمغرب, حيث يمكنهما أن يتزوجا وفق عقد شرعي وقانوني, ومن الطبيعي أن يكون هذان الرجل والمرأة هما محور النص, وكانا في الراوية الأولى الراوي ولم يظهر له اسم بالمناسبة وكارولين, ثم أمها نتالي, فالزوجة وأبو كارولين, وشخصيات ثانوية أخرى مثل “فاطيمتا, وأمينتا” وحارس المدرسة إضافة لولدي البطل.
في الرواية الثانية كان البطلان أوضح, وكذلك الشخصيات الأخرى, وبتقديري هذه الرواية “عاشقة الصمغ” هي أجمل الروايات وأكثرها تشويقا, وحبكا وأكثرها رشاقة سردية, والدليل كثرة الأحداث والتقلبات, التي شهدتها, والبطل كان تاجرا سودانيا يدعى مدلل, متزوج من ابنة عمه حميدة, ولديه منها سمير وسعدية, التقى في لندن براحيل سيدة أعمال يهودية, أرملة, ولديها ابنة فارديا, اتفقا على الزواج, وبعد أن أخذهما إلى وطنه في جولة عمل المرة الأولى عاد بهما في المرة التالية, لتعلنا إسلامهما أولا أمام شيخ المسجد, ثم يتزوج راحيل كمسلمة, ويغير اسمها الى رابعة, وكذلك تسلم ابنتها ويتغير اسمها من فارديا الى فريدة, ثم تنجب رابعة له ابنة سميت نجمة, مع أنه كان ينوي تسميتها “التاية” على اسم أمه (وهذه اشارة لسيرة ذاتية فهذا هو اسم أم الكاتب) وابنا أسماه حبيب الله.
بعد أن توفي مدلل تنكر ابنه من زوجته الولى حميدة, أي سمير, لزوجة أبيه رابعة التي كانت راحيل وابنتها فريدة التي كانت فارديا, وحرمهما من ميراث أبيه, وطردهما ومعهما أخويه نجمة وحبيب الله, إلى أن تمكنت راحيل عبر أختها وأخيها اليهوديين في باريس من الهرب, حيث عادت هناك رابعة إلى راحيل وعادت فريدة الى فارديا, وتزوجت فارديا من موشي وأقامت في تل أبيب, فيما تزوجت راحيل من التاجر اليهودي الباريسي مائير, بما يوحي بأن “الدين” يمكن أو يكون مجرد انتماء عابر حسب الظرف أو المصلحة, بينما بقيت نجمة وحبيب الله مسلمين انسجاما مع جيناتهما من جهة الأب.
في الرواية الثالثة, ورغم أن البطولة استقرت بين يدي فأل الخير, إلا أن أبطالها تعددوا, وكانوا متنوعين بين الرجال والنساء, وبين الخير والشر, طرفي معادلة الدراما الروائية, وبالطبع كان خط السلالة من جهة الأب والأم, يصل إلى الجد الثاني لفال الخير من جهة الأب أي جمال إمام, ومن جهة الأم للجد عبد القدير ود الفضل مؤسسي عائلتين كانتا من بين أربع عائلات تركز امتلاك العبيد والجواري فيهما, (وهنا الإشارة للسيرة الشخصية واضحة, فأم الكاتب التاية بنت عبد القادر الفضل الحاج), وهكذا تواصلت السلسلة لجهة الأب من جمال إمام, لإبنه يونس, فإبن يونس أصيل وهو أبوه لفأل الخير, فيما كانت السلسلة من جهة الأم الكاملة ابنة الصندلية زوجة عبد القدير ود الفضل, وهكذا تنوعت الأحداث والتفاصيل ارتباطا بيونس وأصيل وصابرة وتمر النخيل زوجتي يونس, ثم بعز الدار والكاملة, ثم بفأل الخير الذي جمع النص بأكمله, كونه وريث تزاوج العائلتين بما فيهما من خير, تمثل في أمه الكامله وخاله عز الدار, الذي قام بتربيته وأخواته الأربع وأخيه الوحيد زيدان, ومن شر تمثل في أبيه الأصيل, الاسم على غير مسمى, الذي لم يكتف بالزواج على زوجته بل وقام بهجرها, وفرّق بين أولاده من هذه وأولاده من تلك, وهكذا نشأ فال الخير يحب أمه وأخواله, ولا يحب أباه وأعمامه, بما يؤكد عدم دقة الموروث في تحديد النسب, أو طلب الثأر أو ارتباط الدم, وربما لهذا السبب يحمل الدكتور ضياء الدين, اسم يوسف جده, ويسقط اسم أبيه أحمد الذي يأتي في المنتصف بين اسمه واسم جده!
وفي الرواية الرابعة كانت البطولة ثنائية أيضا, محددة بالثنائية الأزلية, كما هي عادة الروايات الرومانسية, مع ضرورة أن نلاحظ بأن هذه الروايات اجتماعية أكثر منها رومانسية, وثنائية البطولة القائمة على الزوجين, أي الرجل والمرأة, كانت ثنائيتها معادة (كلاكيت مرة ثانية), بدأت في نصف الراوية الأول بالثنائي ملاك وعياد, وانتهت بالثنائي صفا وتيسير, مع وجود شخصيات ثانوية عديدة حولهما, ليس الأصدقاء بل الأقارب عادة, الأب والأم بالنسبة لملاك وعياد, وهما نمر وصيتة, ووضاح ودلال, ثم ملاك وعياد وصقر وأسوة بالنسبة لصفا وتيسير, وأخوة وأخوات, عواد ومروة والحسين,,, وهذا يؤكد على ما ذهبنا اليه من أن روايات الدكتور يوسف تصنف اجتماعية اكثر منها رومانسية, رغم أن بعض الزيجات التي ظهرت في الروايات كانت في سياق “الرومانس”.
لابد من الإشارة هنا, إلى أن للشخصيات علاقة وثيقة بالمكان والزمان, نقصد تحديد طبيعة ومواصفات وتطور الشخصيات, فاتساع المكان وامتداد الزمان, يساعد جدا على خلق فضاء رحب للروايات, وبالتالي يسمح للشخصيات بالتعبير جيدا عن نفسها من جهة, ومن جهة ثانية, يمكنها من التطور عبر الزمان الممتد, وعبر المكان المتسع, بينما ضيق المكان وضآلة الزمن تمنع الشخصيات من التحقق فضلا عن التطور.
أسماء الشخوص والأماكن
كثيرا ما كان يردد الراوي بأن لكل أمرىء من اسمه نصيب, بما يؤكد هذه المقولة, كما كان الحال مع صابرة السمحة, عز الدار, فأل الخير, كذلك كانت أسماء الأجانب كما العرب دالة على انتسابهم وعلى بيئتهم, عياد وعواد وصيتة ونمر في “فاتنة البحر الميت” أسماء تنتمي للبداوة من بلاد الشام فعلا, كذلك أسماء مدلل, عبد القدير, أصيل والمهتدي تذهب بنا للبيئة السودانية, وكذلك كان الحال مع كارولين ونتالي, راحيل وفارديا وموشي, لكن ما هو جديد في روايات الدكتور ضياء هو أنه كان فيما يبدو مسكونا بالقاريء السوداني, أو القروي على وجه التحديد, لذلك كان يقوم بتعريف وشرح معاني ودلالات الكثير من الأسماء التي كانت ترد في رواياته, والأمثلة كثيرة في هذا المجال, نذكر على سبيل المثال, لا الحصر: تيسير اسم علم مؤنث ومذكر يعني اليسر والليونة والسهولة وصفات حامل الاسم ذكي ذو شخصية قوية مجتهد في عمله يصل الى ما يصبو اليه ,,,, ص62 “فاتنة البحر الميت”.
أما أسماء الأماكن فكانت صريحة وواضحة فيما يخص مدن باريس, لندن, الدار البيضاء, الخرطوم, الفاشر, الكسوة, داريا, مخيم اربد وعمان,,, الخ, لكنه حين كان يقترب من القرى والأحياء لتحديد المكان, بما يوحي بأنه قد ذهب إلى حيث كان مسقط الرأس أو موطن الصبا, وليخرج من حتمية الدخول بالسرد إلى عالم المذكرات اليومية مثلا, كان يحرص تماما على إخفاء اسم المكان, فيقول شرقي النهر وغربي النهر, بل ولا يحدد إن كان النهر المقصود هو النيل أم النيل الأزرق, هذا رغم أن الحديث عن المكان في “غبار الذكريات” كان يحوم حول قرية “الشبارقة” مسقط رأس الكاتب, التي تبعد عن واد مدني 30 كم وعن النيل الأزرق 3 كم, وكان واضحا أنها هي مكان وقوع أحداث تلك الرواية, إلا أنه تجنب ذكر اسمها, بينما قام بذكر أسماء واد مدني عاصمة ولاية الجزيرة التي تتبع لها “الشبارقة”, وكذلك الفاشر حيث عمل الجد يونس.
نهايات تراجيدية
لم تكن قفلات الروايات أي نهاياتها غير متوقعة, بالنظر إلى تطور الأحداث والخط الدرامي العام, أو خط السرد خاصة بعد أن يتجاوز الحبكة أو عقدة النص, ولم تكن أيضا على طريقة نهايات الأفلام الهندية أو حتى العربية والمصرية تحديدا, أي نهايات سعيدة, بل غالبا ما كانت نهايات مأساوية, كما كان حال الرواية الأولى “قدر أعمى” التي كانت مأساوية جدا, تمثلت بإشارة شبه مؤكدة إلى انتحار “كارولين”, بالنظر الى كم الأدوية التي وجدت في غرفتها, حين وجدت ميتة, كذلك رواية “عاشقة الصمغ” انتهت بموت مفاجيء لرابعة أو راحيل, واخفاق نجمة في الزواج من وحيد, بينما عادت فريدة ليهوديتها, ورغم أن النهاية كانت أقل مأساوية من نهاية سابقتها, لكنها لم تكن سعيدة بالتأكيد, كذلك لم تخل نهاية “غبار الذكريات” من هذه الخاتمة المأساوية, حيث لم يتكمن فأل الخير من رؤية أمه عند موتها إلا بعد عامين, بسبب الفقر, بينما كاد أبوه أن يقتله ببندقية الصيد, كذلك كانت نهاية “فاتنة البحر الميت” بعد أن فشل زواج ملاك من ابن عمها, وصحيح أنها نجحت في تعليم ابنها وبنتها, لكنها ماتت وحيدة, لدرجة أن يكتشف الجيران موتها بعد انبعاث رائحة تعفن جثتها!
ومن الطبيعي أن تكون الأقدار الظالمة أو بمعنى أدق الظروف الاجتماعية وقوانين العرف والتقليد التي تحكمت بحياة وخيارات أبطال الروايات, والتي أدت إلى أن يعانوا جرّاء استلاب حرياتهم في الاختيار, قد أدت إلى تلك النهايات المأساوية, والتي ظهرت بشكل جلي في الرواية الأولى, والتي كان العنوان نفسه دالا عليها, والتي انتهت بانتحار “كارولين” في “قدر أعمى”, كذلك ظهرت بدرجات متفاوتة في نهايات الروايات الأخرى على التوالي: “فاتنة البحر الميت”, ” عاشقة الصمغ”, و “غبار الذكريات”, من الطبيعي أن تكون الأجواء المأساوية قد أثرت, بل طبعت لغة السرد, بلون سوداوي, وبألفاظ ترتبط بالقهر والمعاناة, كذلك كانت خلفية لكثير من المونولوجات, بل والأشعار, كما تجلت فيما نظمته أخت فأل الخير من شعر, حين توفي خالها.
عتبات نصوص متنوعة:
عتبات النصوص هنا تقتصر بالأساس على عناوين الروايات, وعلى الإهداءات, وهي لها دلالات بالغة, فإهداء الرواية الأولى “قدر أعمى” كان لكل من العشيقة كارولين والزوجة التي لم يتم ذكر اسمها في النص, الأولى لأنها أدخلته النار والثانية لأنها أخرجته منها, وهذا ينطوي على مقابلة مدهشة, وعلى وشاية بالعلاقة الوشيجة بين بطل الرواية والكاتب, أي أن العمود الفقري للرواية المكوّن من مثلث الشخصيات الذي شكل دراما النص (الزوج والزوجة والعشيقة) يبدو كأنه هو نفسه في الواقع كما هو في المتخيل, أما إهداء الرواية الثانية فكان لأم أولاد الكاتب نادية ولزوجته كريستيان, ولولديه سامي ورامي, ورغم أن الوشاية هنا أقل سفورا, إلا أنه لا يمكن التغاضي عنها, فمدلل بطل النص كان متزوجا من حميدة, وله ولد هو سمير وبنت هي سعدية, وتزوج بعد ذلك من راحيل, التي صارت رابعة, لكنه أنجب منها نجمة وحبيب الله, وهذا افتراق فيما هو متخيل روائي عما هو متحقق واقعي, أما إهداء الرواية الثالثة فقد كان واضحا وضوح الشمس, والنص هو أصلا سيرة ذاتية بل سيرة عائلية أو حتى عشائرية, وأهداه لأمه وقد ظهرت شخصيتها في النص كأقرب الأقربين لفأل الخير, أي للكاتب ضياء الدين, وأكثر من ذلك أكمل الاهداء لأهل أمه (ولعل ممثلهم كان هو عز الدار) ولأخواته الأربع وأخيه الوحيد, وهذه معلومة دالة على حقيقة الكاتب نفسه.
أما العناوين فهي جاءت في كلمتين “قدر أعمى”, “عاشقة الصمغ”, غبار الذكريات” وفي ثلاث كلمات “فاتنة البحر الميت”, تحيل اثنتان إلى شيء معلوم, القدر والذكريات, مع تحديد لطبيعة القدر بأنه أعمى, أي قاسي أو ظالم, وكنه الذكريات أو الشكل المحدد منها وهو غبارها أو المرير منها أو السيئ, في حين يحيل عنوانا الروايتين الأخريين, إلى أنهما تحكيان عن نساء, بل وأن بطلتي الروايتين امرأتان, أحدهما عاشقة والثانية فاتنة, حالة الأولى وصفة الثانية, وهذا يفتح الباب لتشويق القاريء للوقوف عند كنه هذا العشق للصمغ, وهل هناك عشق للصمغ أصلا ؟ وهو لم يقل عاشقة المدلل مثلا, أما فاتنة البحر الميت, فكان أقل إدهاشا لأنه وشى بأن النص يحكي عن امرأة حسناء من ذلك المكان, أي من محيط البحر الميت, إن كان من الناحية الغربية الفلسطينية أو الشرقية الأردنية !
إسهاب في الوصف , اقتصاد في التكنيك
كان السرد متتابعا, وفي بعض الأحيان كان يتقطع, وفق أسلوب التداعي والاسترجاع, ووفق ما يعرف بالراوي العليم, الذي كان في كثير من الأحيان “يتوقع” _أي الراوي ما سيحدث لاحقا, وهنا الخيط رفيع جدا بين أن يساعد ذلك على توفير حالة من التشويق, أو على العكس أن يقطع على القاريء حالة التساؤل, ويعلمه سلفا بما سيحدث أو سيقع من أحداث, بينما كانت الجملة السردية وهي تحدد إيقاع النص عموما, طويلة دائما, بل وأكثر مما يجب, كما كان الحال في الرواية الأولى, وهذا مفهوم وفق منطق الروايات الأولى, كذلك لوحظ بأن الكاتب يكثر جدا من الوصف, الخارجي خاصة, للأمكنة كما هو حال السيناريو عادة, أو وصف الشخصيات, النساء خاصة, للوقوف على جمالهن وما إلي ذلك, أو وصف الحالة الشعورية, إن كان عبر المونولوج الذاتي, أو عبر سرد الراوي الملتصق بالشخصية لحد الدخول إلى أعماقها.
وهذه أمثلة على التوقع, أو التقدم أو تجاوز الزمن في الحدث, وفق منطق الراوي العليم: هنا الرواي العليم يقدم خبرا مهما فيقول: أكبر منك بعشرة أعوام, وديني غير دينك, ولوني أسمر, ومتزوج وعندي ولدان, لو كنت مكانك لنزلت هنا,,, فترد عليه قائلة: أقسم لك سأنتحر وأقتل نفسي.
“قدر اعمى ص 28 ”
التشويق من خلال الراوي العليم عبر ايحاءات قرب الأجل (مدلل ومرتضى الضابط زوج نجمة, كما كان حال نتالي في “قدر اعمى” ).بدأ مدلل يتقدم في العمر ص46, كبر أولاده الأربعة: سعدية وسمير, نجمة وحبيب الله, سعدية تزوجت وسمير يشارك أباه في ادارة الشركة, (هنا اشارات تراجيدية للراوي العليم, مدلل قرر أن يسجل منزل رابعة باسم حبيب الله, بدأ يقرأ فصول روايته الحزينة, فريدة تتحدى ما يخفيه القدر اللعين).
(ودع نجمة باحساس غريب كأنه لن يعود) ص60
وقد تولد لدينا الانطباع بأن الكاتب مغرم بالإيحاء بما سيأتي:
رعاية سرورة لولديه ستؤدي لعدم استقرار عاطفي, اكتوت بها الكاملة لاحقا ص65 , ذهبت لوداع أبي,, كأنه يخفي علي حربه القادمة لقتل أمي ويأخذ بيتنا ويعطيه لأولاده البالغين ص 155) “غبار الذكريات”
واستمرت المغامرة 5 سنوات (قفز على الزمن باسلوب الحكواتي _المذكرات ) ص 4
أما التكنيك
فقد كان متنوعا ومحسوبا ودقيقا, واحتوى التضمين, حيث احتوت النصوص على العديد من القصائد الشعرية للآخرين, وعلى بعض الأغاني, والكثير من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية, والكثير الكثير من الأمثال الشعبية مع تفسيراتها, لأنها عادة تكون باللهجة المحلية السودانية أو الفلسطينية _الأردنية, وقاريء الروايات هو القاريء العربي لأنها مكتوبة بالعربية الفصحى بالطبع.
ومن أمثلة التضمين ما يلي:
(تضمين ممتع لقصة فاطمة السمحة وشعرها الشعبي ص47, ص58, عز الدار ينشد شعر الشافعي ص95, فال الخير يسرد شعر كلثوم التغلبي ص110, كذلك شعر عبلة أخت فال الخير بطل الرواية),
أما الأمثلة على دلالات السيرة الذاتية الدامغة في غبار الذكريات, فمنها:
فأل الخير وهو في السابعة يواصل كتابة الرواية وينهي المأساة. لم تحرر لي شهادة ميلاد بل تقدير عمر. هو الكاتب وهذه رواية السيرة الذاتية! سرت شائعة بأن أبي يريد أن يتزوج ثالثة, ممرضة أهلها عبيد, فهدده عمي المهتدي بالقتل, كان عمري 12 سنة عندما توفي جدي يونس أفندي, (قام أهل القرية بشراء تلفزيون أبيض أسود _أي السبعينيات).
جاء عمي المهتدي وطلب يد أختي فائزة لابنه صالح, فرفض طلبه لأن صالح عاطل عن العمل, فدبّت العداوة بينهما, تقدم لفائزة ابن خالتها موظف بالعاصمة, بعد عامين وعمري 14 سنة, تزوجت أختي سهاد ابن خالتها الآخر, ثم تزوجت نجوى, صارت أمي تستلم 3 رواتب سهاد ونجوى وعبلة, (هنا التداعي بعد زواج سهاد ونجوى, يعود ليسرد ما فعلنه مع أمهم حين توظفن, من شراء ثوب مزركش لأداء الحج ص 123).
بعد الابتدائية ذهب للمتوسطة الحكومية في واد مدني على ما يبدو ص 127, ذهبت وأمي للعاصمة لأن فائزة تنتظر مولودا, دخلت السينما مع أولاد خالي الفاضل وخالي أسعد, فائزة وضعت بنتا. أعرض على أمي أن تطلب الطلاق من أبي وأن تعطي ما ادخرته وأساورها لخالي الفاضل ليشتري لنا بيتا في العاصمة, دخلت عامي السابع عشر, أستعد لدخول الثانوية, أذاع الراديو خبر وفاة الفاضل عبد القدير, وسيدفن بأمدرمان, سافرت للمدرسة الثانوية, أخذت اذنا ليوم واحد لزيارة أبي الناوي للحج, وذهبت لواد مدني, ودّعت أبي وزوجته الحنانة وهما ذاهبان لبورتسودان. جاء لزيارتي في المدرسة خالي عز الدار,,,,
حتى آخر الرواية, يبدو السرد كما لو كان فصلا من سيرة ذاتية !
هذا وقد لفت انتباهي بشكل مدهش ورود مقطع بريختي عن عادة يونس في قضاء يوم العيد في الغابة ص62 “غبار الذكريات” كذلك إيراده تشبيهات ذكية وغاية في الروعة مثل: تتشابه ألوان الأبيض: فستان الزفاف والكفن, كذلك حب البطن الواحدة, وكانت هناك اشارات صريحة على مقولات النصوص, أو رسائلها وهي بالغالب محافظة من قبيل: (الانسان يسير في طريق قدره _توضيح فكرة عاشقة الصمغ) ص107_108.
كما تضمنت النصوص تكنيك الحوار بين الشخصيات, وللأمانة هنا كان ذلك محسوبا بدقة, فلم يظهر الحوار زائدا لدرجة أن يصبح النص أقرب للمسرحية, أو أنه كان أقل مما يجب, بما يدل على “استبدادية” الراوي أو الكاتب, الذي لا يسمح لأبطال رواياته بالحديث بلسانهم دونما وسيط هو الراوي أو السارد الخارجي, كما تضمنت النصوص كتابة الرسائل, النصية غالبا, وهذا ظهر في الراوية الأولى, حين كانت ترسل كاترين للبطل الراوي الرسائل النصية, وكما أشرنا تضمن التكنيك أيضا الاسترجاع أو التداعي, والتذكر, كما تضمن التوقع, ورغم أن السرد سار متتابعا وفق تراتب زمن الرواية, إلا أنه في أحيان لم تكن كثيرة على أي حال, كان يجري اعتراض طريق هذا الزمن المتتابع بالاسترجاع أو التجاوز.
تتابع السرد دونما توقف
لوحظ بأن الكاتب لم يهتم كثيرا بهندسة الروايات, أو تقطيعها الى فصول أو أجزاء أو حتى مقاطع, وكثير من الروائيين يختارون أحد أشكال عديدة, وفق هذا البناء الهندسي السردي, فمنهم من يقوم ببناء الرواية وفق هندسة الفصول, ارتباطا بالمكان أو الشخصيات أو حتى استنادا للزمان, ويطلق على كل فصل عنوان فرعي, أو يكتفي فقط بترقيم الفصول: أول, ثاني, ثالث وهكذا, ومنهم من يقوم بهندسة النص على أساس الأجزاء, وهذا عادة يناسب الروايات كبيرة الحجم, كما هو حال رواية عبد الرحمن منيف “مدن الملح” أو روايات ابراهيم الكوني “رباعية الخسوف” أو “المجوس” أو “عدوى السرى” أو “سأسر بأمري لخلّاني”, أو روايات ديستوفيسكي, أو ما كان يوصف بالرواية التاريخية, وهناك من يكتفي بتقطيع روايته الى مقاطع, ويعنون كل مقطع بإسم شخص أو شيء ما, أو بجملة دالة, أو حتى بمجرد رقم, فتجد أن الرواية قد جاءت في 20 مقطعا مثلا.
لم يفعل أيا من هذا د.ضياء الدين أحمد يوسف جميل الشبارقة, ولا في أي من رواياته الأربع, بل كان يقدم الرواية كسردية واحدة, يجد القرايء نفسه منكبا عليها, وبهذا يضع الكاتب قارئه أمام أحد خيارين: إما أن يظل يقرأ الرواية ليلا نهارا حتى ينتهي منها, أو أن لا يقرأها, أو أن يختار الحل الوسط, فيقرأ ما تيسر له منها, الى أن يقرر أن يرتاح, فيقوم بطي الصفحة, أو بوضع اشارة على آخر فقرة قرأها حتى لا ينسى, وواضح بأن الكاتب كان مدفوعا بقوة هائلة وهو يكتب رواياته, فلم تكن هناك “هنات” أو “تأتأت” تدل على أن خيط السرد قد ضعف, أو أن صاحبه يبحث عن قصة أو حكاية ليواصل سرديته الرئيسية, وهذا يدل على أن الكاتب قبل أن يشرع في الكتابة كان يعرف ماذا سيقول وماذا سيكتب, والأهم أنه يعرف قصته جيدا, بإطارها العام وبتفاصيلها وأحداثها الكبيرة والصغيرة, لذلك فإنه على الأرجح قام بكتابة معظم هذه الروايات, على وقع السيرة الذاتية, وحتى الرواية الأخيرة “فاتنة البحر الميت”, حيث يستحيل أن تكون لها علاقة بسيرته الذاتية, فهي قد وقعت في مكان آخر وفي زمان آخر, مع ذلك نرجح أن يكون قد تعامل معها وفق منطق المحترف, أي أن يكون قد سمع القصة من أحد أصدقائه مثلا, وقرر أن يكتبها, حبا وعرفانا, وتقديرا للفلسطينيين.
أما السرد فغالبا ما كان وفق ضمير الأنا الحاضر, أو ضمير الهو الغائب, حيث يكون السارد إما خارج النص, ومن يكثر من هذا الأسلوب من الروائيين, عليه أن يحاذر من انتقال السرد لعالم الحكاية بدلا من الرواية, أو داخله أي بطله, ولم يظهر السارد بضمير المخاطب مثلا, كأن يحدّث الراوي أو البطل نفسه, بما يدل على صراع داخلي أو تردد في اتخاذ قرار ما, أو كمحاولة للكتابة الروائية على الطريقة البريختية المسرحية.
ويمكن القول بأن السرد قد تنوع بين سرد حكائي موجه للقاريء, وبين مونولوجات داخلية, وسيناريوهات جماعية, أو أنه جاء كوصف خارجي.
الحبكة_العقدة_الحل:
في “قدر أعمى” كانت العقدة, هي زواج الراوي/بطل النص من أم ولديه, مع حبه في نفس الوقت من “كارولين”, وصلت العقدة إلى ذهابه مع كارولين إلى المغرب للزواج منها كامرأة ثانية وفق منطق تعدد الزوجات, فيأتي حل مؤقت بموت أم كارولين “نتالي” المفاجيء, ثم تأجيل الحل أو بتعقيد اضافي للعقدة, بسفره مع زوجته وولديه الى البلد الخليجي, وحين يهم بحل يتمثل في طلاقه من أم ولديه والزواج من كارولين, يكون الحل المفاجيء بانتحارها, وقد كان الحبك في هذه الرواية جيدا للغاية, فمنذ الصفحة الأولى, والمشهد الأول, رأيناه وهو يوصل ولديه للمدرسة يقع في حب كارولين, ثم سرعان ما ترسل له هي تخبره بحبها له, بما يفتح الباب لأن يرافق هذا الحدث سلسلة السرد, طوال النص, بحيث يتصاعد الحبك, مرورا بلقائه مع أمها, مترافقا برغبته الجنسية فيها كلما التقيا, الى أن يصل الذروة بالسفر للمغرب, حيث تنفجر الحبكة بموت الأم.
أما في “عاشقة الصمغ” فيبدأ الحبك بعد قليل من بداية النص, حيث كانت البداية بلقاء بين مدلل وراحيل كرجل أعمال وسيدة أعمال, ثم بدأ الحب ينشأ بينهما, فيتصاعد الحبك بهدوء, أي دون توتر, لأن مدلل سرعان ما اتخذ قراره بالزواج منها, ومن ثم أخبر زوجته, ولأنها أسلمت, فقد كانت العقدة تبدو أقل صعوبة عما كان عليه حال الرواية السابقة, لكن العقدة بدأت في التشكل حين كبر مدلل وبدأ يشعر باقتراب نهايته, ليتصاعد الصراع ومعه الحبك بعد وفاته, بإقدام إبنه سمير على معاقبة زوجة أبيه وبنتها من اليهودي, وإبنها وبنتها من مدلل, أي أخوة سمير, ثم يستمر في التصاعد والتعقيد, أي يجري الانتقال من عقدة لأخرى, حين ينشأ حب بين نجمة أرملة الضابط مرتضى ووحيد, ويعود الحب بين فريدة وموشي, ويظهر حب بين راحل ومائير, ثم يأتي حل العقد أو مجموعة العقد بشكل “واقعي” أي بعيدا عن أحلام نجمة, وحتى بشكل مأساوي حين ماتت أمها, وسافر عنها حبيبها.
في “غبار الذكريات” كان الحبك هادئا جدا وبطيئا, نظرا الى أن النص امتد طويلا في الزمن, ومرّ عبر أكثر من جيل, لكنه ظل يتصاعد نحو عقدة مركزها تلاقي نسل عائلتي “جمال إمام” و” عبد القدير ود الفضل”, وكان ذلك في شخص “فال الخير”, حيث كانت عقدة النص في اختيار فال الخير لنسبه وحبه وهواه, ليختار أهل امه, أي أخواله, وليس أباه وأعمامه, لأن الخير كان بجانب أخواله الذين لا يعرفون تعدد الزوجات, منذ جدهم عبد القدير, والشر كان بجانب أعمامه منذ جدهم جمال إمام, وتكرس في جد فال الخير يونس أفندي, وكانت العقدة قد بدأت مع زواج الأب أصيل من حنانة, على أمه الكاملة, فيترافق الحبك مع تصاعد خط السرد نحو العقد لحلها, ويكون ذلك, حين قام الأب أصيل بطرد أخوات فال الخير وأخيه بعد موت أمه من البيت, وكان هو خارج البلد, فذهب حين عاد مع أخيه, إلى أبيه في منزله, فلم يكتف الأب بطرد ابنه, بل هدد بقتله, ثم يأتي الحل بقدرة إلهية حيث مات أصيل و معه إبن عمه متوكل أخ زوجته الحنانة الذي كان قد شجعه على الزواج على أم فال الخير من أخت المتوكل.
كذلك في “فاتنة البحر الميت” بدأ الحبك مبكرا حول الثنائي “عياد وملاك” ورافقهما خط السرد بشكل درامي, حيث نجحا في حياتهما بعيدا عن عائلتهما, التي دبّ في صفوفها الشقاق, وفي سياق عودتهما المتوقعة, كان الفقر يلازم العائلة التي استقرت في مخيم اربد, ليبدو الحبك بعد ذلك هادئا دونما توتر, بعد أن عادا, ليدس الكاتب ما ظهر من “أطماع” وترتيبات تيسير إبن وضاح, للزواج من ابنه عمه صفا طمعا في ثروة أبيها, ومن ثم يرافق التوتر علاقة الزوجين في الغربة, ليقوم الكاتب بنسج العقدة حول هذا الثنائي, ومن ثم تزداد احتمالات الحل من خلال انفجار ذلك الزواج, رغم انجاب كل من عياد وملاك, فيما احتمالات الحل كانت مأساوية, أقلها الطلاق, بينما كان يمكن أن يقع الحل بجريمة قتل مثلا, وفعلا يقع الطلاق بالمحكمة البلجيكية, ثم يهبط السرد من قمة التوتر بعد حل العقدة, إلى أن ينتهي النص بمشهد موت صفا وحيدة.
أخيرا يمكن وصف الروايات باختصار شديد كما يلي:
قدر أعمى
رواية أولى فيها مشكلات متعلقة بالجملة الطويلة, وبالأخطاء النحوية الكثيرة, لكنها بالمجمل رواية مكتملة وقوية خاصة لجهة مقولة النص.
عاشقة الصمغ
أظهرت تمكن الكاتب من حرفته الروائية, فقد كانت الجملة أقصر وأكثر رشاقة والأخطاء أقل, عما كان الحال في سابقتها, وكان التشويق أعلى وكذلك كان التنقل بين الشخصيات والأماكن سلسا وسهلا, وتميزت بالسلاسة السردية .
غبار الذكريات
هي عودة لبئر جبرا الأولى, قاع الذاكرة, ومسقط الرأس, رواية تاريخية اجتماعية, تبدأ قبل مئة عام, وتنتهي حديثا, وتدور في قلب أفريقيا الموغلة في الفقر والجهل, لتنتهي في وسط أوروبا ببطلها الذي خرج “من القفة لدانها”. هي سيرة ذاتية لمجتمع بأكمله, قدمت الماضي لتقرأ الحاضر.
فاتنة البحر الميت
كانت محاولة لكتابة الرواية بطريقة احترافية, أي من خارج التجربة الشخصية, وكانت رواية التنقل في المكان وتتابع الأجيال بامتياز.
هذا وتجمتع الروايات كلها في تقديم صورة عن الاصطدام الثقافي بين شرقنا وجنوبنا العربي والغرب والشمال الأوروبي, لتصوغ سؤالا ثقافيا مهما للغاية, ولتجعل من السرد الروائي مجددا أداة كفاح تقدمي, لتجاوز الفقر والجهل, وفتح آفاق المساواة والتعايش بين البشر, ولعمري ليس هناك ما هو أنبل من هذه الرسالة في عصرنا الحالي.


