“الإنسان في تجربة زياد الرحباني”.. جلسة حوارية في فضاء مشق للفنون

البحرين-فضاء مشق للفنون
ضمن فعاليات معرض «زياد» للطباعة اليدوية، نظّم فضاء مشق للفنون مساء الثلاثاء 28 أكتوبر 2025 جلسةً حوارية بعنوان «الإنسان في تجربة زياد الرحباني»، شارك فيها الكاتب الدكتور حسن مدن والموسيقي محمد حداد، وأدارها الفنان علي البزاز، بحضور جمهور واسع من المهتمين بالموسيقى والفكر والثقافة.
استهلّت الجلسة بكلمةٍ استحضرت مقولة زياد الرحباني الشهيرة:
“بدّي غيّر العالم… بس العالم ما بدّه يتغيّر ” بوصفها مدخلاً لفهم رؤيته الإنسانية والفنية التي جمعت بين النقد والسخرية والصدق الفني.
بين النشأة والتمرد
تطرّق الدكتور حسن مدن إلى بدايات زياد الرحباني ونشأته في بيئة فنية استثنائية، مؤكدًا أن وجوده في عائلة موسيقية مثل فيروز وعاصي الرحباني منحه الموهبة والأساس، لكنه في الوقت ذاته دفعه إلى التمرّد عليها بحثًا عن هوية مستقلة. وأوضح أن زياد كان ابن بيئة لبنانية متحوّلة، شهدت انفتاحًا ثقافيًا وتوترات سياسية أسهمت في تشكيل وعيه المبكر، مشيرًا إلى أن بيروت في تلك الحقبة كانت مركزًا للحداثة العربية، وأن زياد عبّر عن ذلك بروح ناقدة وساخرة.
أما الموسيقي محمد حداد فسلّط الضوء على البعد الموسيقي في تكوين زياد، معتبرًا أن استقلاله الفني بدأ من لحظة قراره التحرر من الإرث العائلي. وأشار إلى أن زياد استخدم موسيقاه كأداة فكرية، وفضّل أن يكون «مع الشعب المسكين» لا مع النخبة، وهو ما جعله قريبًا من نبض الناس وهمومهم.
التحولات السياسية والاجتماعية
ناقشت الجلسة أثر الحرب الأهلية اللبنانية والخيبات العربية على تجربة زياد، حيث رأى د. مدن أن الحرب لم تكن بالنسبة إليه مجرد حدث سياسي، بل تجربة وجودية شكّلت رؤيته للإنسان والمجتمع، بينما أشار حداد إلى أن زياد وظّف الموسيقى والإيقاع كسلاح تعبيري ونقدي دون شعارات مباشرة.
كما توقّف المتحدثان عند تأثير المدّ اليساري العالمي وحركة 1968 على فكر زياد، وكيف انعكست تلك المرحلة في نزوعه إلى العدالة الاجتماعية والدفاع عن المهمّشين، مع حفاظه على حرية فنية لا تذوب في الأيديولوجيا.
الموسيقى كلغة فكرية
قدّم محمد حداد قراءة فنية لتجربة زياد الموسيقية، موضحًا أنه اختار ثلاثة أنماط موسيقية تعبّر عن الفئات الكادحة والمظلومة: الجاز القادم من ذاكرة الاستعباد، والموسيقى اللاتينية ذات الجذور الثورية، والموسيقى الشعبية الشرقية التي تمثّل الناس العاديين. وبيّن أن هذا الاختيار لم يكن عشوائيًا، بل جزءًا من وعيه الاجتماعي والسياسي، حيث جعل من الموسيقى أداة تفكير وموقف.
فيروز: الصوت والذاكرة
توقّف النقاش عند العلاقة الفنية بين زياد الرحباني ووالدته فيروز، حيث اعتبر د. مدن أن زياد أضاف بعدًا جديدًا لصوتها، وجعلها تغنّي قضايا الناس بلغة مختلفة. وأوضح حداد أن زياد استخدم صوت فيروز أحيانًا كـ«آلة موسيقية»، ليعبّر من خلالها عن رؤيته، بل وصل إلى إعادة تعريف علاقتنا بصوتها عبر أعمال مثل كيفك إنت وضيعانه.
زياد بعد الحرب.. خيبة الأمل والانسحاب
تناولت الجلسة مرحلة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية، حيث أشار د. مدن إلى أن زياد عبّر عن خيبة جيله بعد اتفاق الطائف، وشعر بأن الحلم بلبنان مدني وعادل قد تلاشى. وأضاف أن زياد عاش إحباطًا شخصيًا وعامًا انعكس في أعماله الأخيرة، فيما وصفه حداد بأنه «فنان أنقذته الحرب من أن يكون عازف بيانو كلاسيكي عابر»، إذ فجّرت الحرب فيه طاقة الإبداع والنقد.
زياد المثقف والإنسان
أجمع المتحدثان على أن زياد الرحباني مثّل نموذج الفنان المثقف الذي يجمع بين الحس الفني والوعي الفلسفي، وأنه كان يمتلك ذكاءً لافتًا وقدرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى أسئلة فكرية عميقة. ورأى د. مدن أن روح السخرية عند زياد لم تكن للتسلية بل أداة مقاومة فكرية، بينما أكّد حداد أن زياد كان قادرًا على الموازنة بين الموقف السياسي والإبداع الموسيقي دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
الإرث الفني والفراغ بعد الرحيل
اختُتمت الجلسة بنقاش حول إرث زياد الرحباني وغيابه عن الساحة، حيث شدّد د. مدن على أن الفراغ الذي تركه في المشهد العربي كبير، لأنه لم يكن مجرد فنان، بل حالة فكرية وإنسانية متكاملة. ودعا محمد حداد إلى ضرورة أرشفة أعماله الموسيقية والمسرحية والإذاعية، معتبرًا أن حفظ هذا الإرث مسؤولية ثقافية تجاه الأجيال القادمة.
في ختام اللقاء، عبّر الحضور عن تقديرهم للمداخلات الغنية التي قدّمت صورة متكاملة عن زياد الرحباني كإنسان وفنان ومفكّر، فيما أكّد فضاء مشق للفنون أن هذه الجلسة تأتي ضمن جهوده في فتح فضاءات الحوار حول رموز الفن العربي الذين تركوا بصمة خالدة في الوعي الثقافي.



