الحبُّ بوصفهِ خطابًا مقدسًا يلقي بظلاله على التناص في الديوان
قراءة نقدية في ديوان "امرأة من عطر الغيب" للشاعر يوسف أبو ريدة

بقلم د. مريم أبو بكر / المدير الثقافي في هيئة نادي أحباب اللغة العربية الفلسطيني
جاء العنوان “امرأة من عطر الغيب” بوصفه عتبة نصية دلالية مكثفة ليبني المعنى على الغموض, ويتداخل الحسي بالميتافيزيقي والزمني المتخيل يستدعي خطابًا برمزية المرأة في الذاكرة وطنًا يحررها من الفردية؛ ليجعلها قابلة لأن تكون فكرة لأثر موسوم في الذاكرة وأبعد نقطة في الوجدان؛ فيلتقي الشوقُ بالغيابِ ليتجاوزَ تفصيلًا جماليًا عابرًا, إلى مفتاحٍ دلالي؛ يظهرُ بأثرهِ لا بكيانهِ, يتسربُ إلى وجدانِ المتلقي, دونَ أن يُدركَ أصلهُ… يسكنُ في بساتينِ الذاكرةِ والحنين…
وبين الصعودِ والارتقاء, يهبطُ وحيُ القداسةِ؛ حيث يتحولُّ الارتباط العاطفي إلى تجربةٍ روحيةٍ مقدسةٍ, ويستحضرُ الشاعرُ في تناصٍّ ديني, مشهدَ نزولِ الوحيِّ في غارِ حراء؛ ليمنحَ النصَّ عمقًا روحيًا مقدسًا؛ قائلًا (أبو ريدة, 2025, 12):
وكُنتِ, ما كُنتِ,
وَحْيَ القَداسَةِ يَأتِيهِ مُؤْتَنِقًا مِنْ حِراءْ
ويتخذُ الشاعرُ من التناصِّ التاريخيِّ بوعيٍ بُنيويٍ, وسيلةً يعيدُ بها إلى ذهنِ المُتلقيِ تاريخَ الخلافةِ؛ إذ يمثلُ معاوية, السلطةَ السياسيةَ الطموحةَ, بينما يمثلُ علي, في جوهرِ الذاكرةِ التاريخيةِ, رمزَ العدالةِ والحقِّ والصلابةِ, وبوعيٍ جمالي, حوّل الشاعرُ المشهدَ إلى لوحةٍ أدبيةٍ في خطابٍ شعريٍ غنيٍ بالمعاني والدلالاتِ التاريخيةِ والثقافيةِ, يقول يوسف أبو ريدة (2025, 43):
أو كانَ يَمْدَحُ في سِرٍ مُعــــــاوِيَةً
وَيَسْتَجيرُ إِذا ضاقَتْ بِجَيشِ عَلِي
لا خَيْرَ في الحُبِّ إِنْ وافى مُوارَبَةً
وَراح يَرْكُضُ بَيْنَ الجَدْيِ وَالحَمَلِ
ويستدعي الشاعرُ عبرَ التناصِّ الأدبيّ شخصياتٍ من الشعرِ العربيِّ القديمِ “قيس, جميل, كُثيِّرُ عزةَ, وعمرو”, ويضعُ شعرهُ في سياقِ التراثِ الشعريِّ, ليُصبِحَ النصُّ جزءًا من خطابٍ شعريٍّ سامقٍ في قيمتِهِ الفنيةِ, وينفتحُ على تأويلاتٍ لا حصرَ لها, يقولُ أبو ريدة (2025, 124):
وأُذيبُ قيسًا طَيَّ قافيتي
وَأَرَى جَميلًا كاذِبًا أَشِرًا
وأرى كُثَيِّرَ عَزَّةَ قَزَمًا
يَسْعَى بِبابِ الشِّعْرِ مُسْتَتِرًا
وَيَقولُ أَهْلُ النَّقْدِ عَنْ غَزَلي
أَخْفى بِشِعْرِ نَسيبِهِ عُمَرَا
ويتحولُ الحبُّ إلى خطابٍ مقدّسٍ ليُصبحَ مصدرَ إلهامٍ وتَجَلي, والمحبوبةُ رمزٌ مقدسٌ مُستدامُ النقاءِ, يقول الشاعر (أبو ريدة, 2025, 124):
فَأَقولُ: مَولاتي وَمُلْهِمَتي
قَدْ صَيَّرَتْ شِعْري بِها دُرَرَا
ويستلهمُ الشاعرُ أسطورةَ طائرِ الفينيقِ “العنقاء” رمزَ القيامةِ والتجددِ, ويربطُ الحبَّ بفكرةِ الانبعاثِ من جديد والخلود, ليصيرَ قوةً روحيةً مقدسة, تنبعثُ في القلبِ بصوتٍ متدفقٍ يتجاوزُ الزمانَ والمكانَ, قائلًا (أبو ريدة, 2025, 137):
فَتَلُمُّنِي روحي لِأَنْهَضَ عاشِقًا
فِينيِقَ حُبٍّ في دَمِ الوَرْقاءِ
يَعْبُر الشاعر من خلال أسطورة الفينيق إلى عالم البطولة والحكاية؛ لأن الأسطورة منحته بوابة إلى زمن الرمزية المكثفة, فالفعل أكبر من واقعه, والشاعر بطل أسطوري تجاوز حدود الإنسان العادي, فالأسطورة طريقه للمواجه, قناع قديم نشهد من خلاله أسئلة حداثوية؛ كالسلطة والمصير والخسارة والتمرد, والبحث عن المعنى وبلوغ عمقه.
غالبًا ما يُحْدِثُ التّناص, وفرةً في تعزيزِ النصِّ وَفْقَ سياقِهِ وعُمْقِ المَعْنَى, ويُلَخِّصُ النَّصَّ باقتصادِ اللفظِّ الذي يَخدُمُ المَعْنَى بوعيِ العاطفةِ والخيالِ… ويعلنُ الشاعرُ عن تمسكهِ بالمحبوبةِ وطنهِ “فلسطين”, فيجودُ بتناصٍ دينيٍ وتاريخيٍ وأدبي؛ بهدفِ ربطِ أجزاءِ الديوانِ وتماسكهِ ضمنَ دائرةٍ واحدة, في نسقٍ شعريٍ متناسقٍ, يثيرُ دهشةَ المتلقي, ويدفعُ الحركةَ التعبيريةَ للأمامِ, بقوةٍ إيحائيةٍ ذاتَ أفقٍ مفتوحٍ؛ ليثري النصَّ بعمقِ الدلالةِ وتعددِ المعانِي, ويثيرُ حماسةَ المتلقي لتتبعِ الإيحاءِ والتأويلِ.
المصدر: أبو ريدة, يوسف(2025): امرأة من عطر الغيب. ط1, دار أزرق للنشر والتوزيع بالتعاون مع الأرض الواسعة للطباعة والنشر.


