أنور الخطيب واقتحام المحظور

بقلم: جواد العقَّاد – شاعر
النص- أنور الخطيب:
قبل ذهابك في ميتتك الصغرى
خذ حافظة النقود
لترشي الملائكة عند الحدود
وضمّخ بالعطر نواياك
لتغوي حارسة النار
من يدري، قد لا تعود
وتمشي في جنازة ذاتك
فإن لم تعد
تكن قد حملتَ ما أعدَدْتَ للنجاة:
فضيحة الأجنحة
وهي تهبط في جنة كالحة.
التعليق – جواد العقَّاد:
يكتب أنور الخطيب الشعر بوصفه تفكيكاً جذرياً للفكرة أو المعنى، فلا نجد المعنى مستقراً أو مكتفياً بنفسه، بل قلقاً، منزلقاً، مراوغاً، يتشكّل لحظة القراءة ثم يتشظّى. وهذا بالضبط ما يجعل مقاربة شعره تفكيكياً أمراً مشروعاً، وأحياناً ضرورياً.
ينطلق أنور الخطيب من هدم البداهة، ويتعامل مع اللغة باعتبارها بنية سلطوية ترسّخت فيها دلالات جاهزة: المقدّس، الموت، النجاة، الجنة، الملائكة، النار. وهو لا يصطدم بهذه المفاهيم من الخارج، إنما يتسلل إليها من الداخل، يعيد ترتيب وظائفها، ويقلب أدوارها، لتفقد يقينها وتتحول إلى أسئلة مفتوحة..
في المقطع الشعري:
قبل ذهابك في ميتتك الصغرى
خذ حافظة النقود
لترشي الملائكة عند الحدود…
نحن أمام تفكيك مزدوج:
تفكيك لفكرة الموت، وتفكيك لفكرة القداسة.
الموت هنا ليس نهاية كبرى.. “ميتة صغرى”، أي حالة مؤقتة، قابلة للتفاوض، والقداسة تظهر بوصفها منظومة يمكن اختراقها، وحتى رشوتها. الملائكة، في هذا السياق، لا تقوم بوظيفتها اللاهوتية، ولكن بوظيفة شرطية/حدودية..
هذا الانزياح ليس لغوياً بقدر ما هو معرفي. أنور الخطيب يزعزع مركزية الطمأنينة الدينية؛ ليكشف هشاشة التصورات الجاهزة، وهنا يعمل التفكيك على فضح التناقض الداخلي في المفاهيم: كيف يمكن للنجاة أن تمر عبر الفساد؟ وكيف يتحول المطلق إلى قابل للمساومة؟
“وضمّخ بالعطر نوايا
لتغوي حارسة النار”
النية، التي تمثل في المخيال الديني جوهر الفعل الأخلاقي، تُعاد صياغتها بوصفها قناعاً عطرياً، فالأخلاق هنا أداء. والنار، التي يفترض أن تكون أداة العقاب، تمتلك “حارسة” يمكن إغواؤها.
أنور الخطيب يفكك الثنائيات الصلبة: خير/شر، نجاة/هلاك، طهارة/خطيئة، ويعيد تركيبها داخل منطقة رمادية، قَلِقة، إنسانية.
أما الذروة التفكيكية فتتجلى في:
“وتمشي في جنازة ذاتك”
هنا يبلغ النص أقصى درجات الوعي بالذات بوصفها بنية قابلة للانقسام. والذات كيان يشاهد موته وهو حي. التفكيك هنا لا يطال اللغة فقط، بل يطال الهوية نفسها. الذات تنقسم إلى: ذات فاعلة، وذات محمولة، وذات شاهدة. وهذا التشظي هو جوهر القلق الوجودي الذي يشتغل عليه أنور الخطيب.
وفي الخاتمة:
“فضيحة الأجنحة
وهي تهبط في جنة كالحة”
يبلغ النص أقصى درجات الانقلاب الدلالي. الأجنحة، رمز الخلاص والسمو، تتحول إلى “فضيحة”. والجنة، رمز الصفاء، تُوصَف بالكَلَح. لا شيء ينجو من التفكيك: لا الرموز، ولا الوعود، ولا النهايات السعيدة. المعنى يُفضَح.
بهذا المعنى، يكتب أنور الخطيب شعراً يفضح الأسئلة الزائفة. شعره تمرين دائم على الشك. وهو في ذلك لا يكتفي بتجديد اللغة، لكنه يعيد مساءلة علاقتنا بها، وبما رسّخته في وعينا من مسلّمات.
إن اختراق المقدّس عند أنور الخطيب هو فعل معرفي. والمجاز لديه أداة تفكيك. ومن هنا، فإن شعره لا يُقرأ براحة، ولا يُستهلك بسهولة، لأنه يضع القارئ داخل حقل ألغام دلالي، حيث كل خطوة هي احتمال للانفجار.
ولعمري، هذا هو عين الشعر: حين تتجاور الجرأة الجمالية مع العمق الفكري، ويتداخل السياسي بالوجودي، والعاطفي بالفلسفي، دون أن يفقد النص توتره أو شعريته.
أنور الخطيب يعيد للشعر وهجه مع كل نص. شاعر لا يتوقف عن التجريب، وأحياناً عن التخريب الخلّاق، ذاك التخريب يعيد بناء الشّعر من الداخل. ولهذا أنا شديد الإعجاب بهذه التجربة التي لا تهادن، ولا تطمئن، ولا تكرر نفسها.


