معَ السَّيَّابِ في سوقِ الرَّمادي القديمْ

معَ السَّيَّابِ في سوقِ الرَّمادي القديمْ
بقلم: فهمي الصالح/ شاعر عراقي
ما زالَ شفَقُ « السُّوقِ القديمِ »
يعبَقُ بروحِكَ السَّاحرةِ أَيُّها السَّيَّابُ
الذي كُنتَ في عام 1948 مواطِناً برداناً
في « الرَّمادي ».!
لكنَّكَ أَيضاً كُنتَ في « الرَّمادي » مَلاكَ دفءٍ
لاحقٍ للْوجوهِ بِحقّ.!
……
رُبَّما القصائدُ مُشتعلةٌ في بردِ العراءِ.!
رُبَّما « السَّيَّابُ » لم يُعمِّرْ مدِيداً هُناكَ.!
رُبَّما « الرَّمادي » تنامُ على رمادِ
« مدحتْ باشا » والصَّقيعُ يُظلِّلُ شَعرَها.!
رُبَّما دفترُ أَسماءِ نُزَلاءِ
( خانِ عبدِ الحميدِ الخانَجي )
أَصبحَ شارةً في مَتحفِ البؤساءِ والمنفيِّينَ
والعُظماءِ.!
رُبَّما الرِّيحُ تتذكَّرُ ذلِكَ الظِّلَّ الذي هو: « بدرٌ»
أَقصِدُ الشَّاعِرَ المَلاَكَ: « بدِرْ شاكِر السَّيَّابْ ».!
………..
في « السُّوقِ القديمِ » المُشرئِبِّ
برائِحةِ الخُيولِ
منفى « السَّيَّابِ » الأَوَّلِ في عُيونِ الماءِ
والصَّمتِ والمغيبِ الفقيرِ
« الرَّمادي » شاحبةُ الوجوهِ مُنذُ النَّخيلِ
والصَّحراءِ والأَزلِ البعيدِ
روحُها مصلوبةٌ على دَكَّةِ الصَّبايا المكبوتاتِ
حينَ يهرُبنَ إِلى التُّفَّاحِ من غُرفٍ مُقفلَةٍ
بالمَرايا والتأَمُّلاَتِ إِلى الأَحلاَمِ والتَّلاَشي
لا أَحدَ يشعرُ بـ « السَّيَّابِ » المنفِيِّ
يخطوَ في « الرَّمادي »
يمُرُّ على قلبِها مُختَرِقاَ روائحَ التِّنباكِ
وباصاتِ العربِ
عدا عن بعضِ طُيورٍ بعيدةٍ في الغُروبِ
تُرفرِفُ لقلبِهِ الأُسطوريِّ الحافلِ بالمناديلِ
والرَّسائلِ والغرامِ.!
مناديلِ الزُّكامِ ورسائلِ الشِّعرِ وغرامِ القلبْ.!
الشَّوارعُ مُعتلَّةٌ ببراءَةِ قُمصانٍ حالِمةٍ تتمزَّقُ
أَمانِيها في تعبِ ليالٍ ثِقالٍ وخُرافاتٍ مُتأَكسِدةٍ
في الدَّشاديشِ وتتبلَّلُ أَكمامُها بأُقحوانِ خريفٍ
نَازفٍ كصَبرٍ مُعاقٍ.!
يمشي « السَّيَّابُ » خارِجاً مِنَ (الخانِ)
كخَوفٍ بَرَّاقٍ بشِتاءِ وجهِهِ الخجولِ وحِيداً
باِتِّجاهِ الشِّعرِ وسرابِ الأَرضِ إِلى جانبِ
خُدوشٍ مُختبِئَةٍ في حِيطانِ البُيوتِ الواطِئَةِ.!
كانَ « السَّيَّابُ » يذوِي بمُفرداتهِ القلِيلةِ
على بِلاَدٍ أُخرى بعيدةٍ تتوارى في الهشيمِ
يخطو بروحِهِ الهائِمةِ على استِحياءٍ كبقايا
كائنٍ حائرٍ معصورٍ بآلاَمِهِ أَمامَ تفاصيلِ
المُلوكِ.!
وعدا عن بعضِ عباءاتٍ سُودٍ كغِربانٍ تتجَرجرُ
بأَجسادِها في هُدوءِ المراراتِ
لا أَحدَ يحفَلُ بهالَةِ الزَّمنِ الفوَّارِ النَّابتِ
في « الرَّمادي ».!
وخَفقاتُ الَّلحظةِ تضمحِلُّ في إِيماءاتِ
عُيونٍ شَرِيدةٍ.!
« السَّيَّابُ » الذي لمْ ينمْ جيِّداً في الحياةِ
لا هُنا ولا هُناكَ يُقاوِمُ حُفرَ المجاعةِ بالتَّغنّي
المكتُومِ أَمامَ سطوةِ الأَساطِيرِ
واقفٌ مِلءَ النَّشيجِ على سَجيتِهِ الأُولَى
بعرائهِ الفائِضِ دونَ مِعطفٍ في زمهريرِ
الرَّمادي » الحافي لِكي ينطِقَ.!
يتعثَّرُ بالأَسئِلةِ الغائمةِ المريضةِ التي تخمُشُ
أَلوانَ السَّماءِ عن مطرٍ بعيدٍ مجهولِ الغُيومِ
لا يهبِطُ على حقلٍ.!
عن مصيرٍ قابِعٍ في عاصفةٍ لا تعرِفُها ملائِكةٌ.!
سُعالهُ مريرٌ كنايٍ لا يكفُّ عنِ الدِّماءِ
ولا عن التَّوغُّلِ في أَلمِ غُبارِ الطَّباشيرِ العالِقِ
بأَعيُنِ طُلَّاَبٍ قلِقينَ غافينَ على مقاعدِ الدَّرسِ
الجَميلِ في « ثانويَّةِ الرَّمادي للْبَنينْ »
ولا عنِ الصَّدى الُّلغويِّ للصَّوتِ الإنكليزيِّ
في غَسقِ اليبابِ الذي يجوسُ روحَ بلاَدٍ
نائِمةٍ في القَرِّ وأَبناؤُها مُتقشِّفُونَ.!
يمتصُّ « السَّيَّابَ » بقَعرِ لِفافَتهِ صوراً
لِموتى الأَحلاَمِ ويُدوِّنُ في صدرهِ ملاَمحَ وجوهٍ
يتخطَّفُها بردٌ لئِيمٌ مِنَ الرِّيفيِّينَ وأَهلِ البرارِي
والدَّراويشِ وأَصدقاءِ الرَّصيفِ
حينَ تخترقُ حواسُّ المُسرِعينَ مِنَ الدَّركِ
غِبطةَ الفُقراءِ في نهايةِ الضَّوءِ المُتصاعدِ
إلى مِئْذَنةِ الله.!
لا أَحدَ يتَوَكأُ عليهِ « السَّيَّابُ » في محنَتهِ
الرَّماديَّةِ التي يضرِبُها سُلُّ البِلاَدِ المُسجَّاةِ
في غيبوبةِ كُثبانٍ ورَمدٍ
وأَنا أَصْلاً لمْ أُولدْ بعدُ وأَحتَاجُ عُقوداً
مِنَ السَّنواتِ لِأُدرِكَ بأَنَّ « السَّيَّابَ »
كانَ يمُرُّ قرِيباً من رأسي ووِسادَتي
ويُلقِي على ذائِقَتي حلاَوةَ المطرِ أَو يمنَحَ
أَطلاَليَ العبقَ الأّزرقَ للْخُضرةِ بينَما طُيورُ
الغُروبِ ينوءُ بها ظلاَمٌ بضٌ وحزنٌ مُشاكسٌ.!
يتداعَى « السَّيَّابُ » بجسدهِ الخيطِيِّ النَّاعِمِ
أَمامَ البؤسِ كشُعلَةٍ خارِقةٍ تَهوِي سريعاً
إِلى أَسرارِها الطِّينيَّةِ في الرِّثاءِ
وروحُهُ كوَمِيضٍ لَزِجٍ تشي بزئْبقِ العَويلِ القديمِ
مِراراً ليشعُرَ باِنخِطافِ الرُّوحِ نحوَ معاقِلِ
الحنِينِ إلى:
« أَبي الخصيبِ وشطِّ العربِ وجِيكورَ والأَقْنانِ
وبويبَ والشَّناشيلِ والعشَّارِ واِبنَةِ الجلبي والمطرِ».
إلى الأَحلاَمِ في قاعِ الخليجِ بعيداً
عن النَّخلاَتِ والبَطِّ والماءِ والجداولِ
يجلِسُ « السَّيَّابُ » مشدوهاً أَمامَ مَوقِدِ الشَّاي
المحروقِ بمقهى الرَّاحلينَ العُربانِ
في « سوقِ الرَّمادي القديمِ »
يتذكَّرُ عراءَ ” ماركسَ ” بينَ مخطوطاتهِ
والبيانَ الشُّيُوعيَّ واِنْكِساراتِ ” لينينَ ”
في حومَةِ جلطاتِهِ البلشِيفيَّةِ.!
يغمُضُ عينيهِ عندَ بروقِ « سيزيفَ »
والمتاهةِ والعِراقِ.!
الرِّجالُ مُسرِعونَ نحوَ المساءِ والمرضَى
يلعبونَ في الغيابِ
الصَّحراءُ تشتبِكُ بعُزلةٍ لقَضْمِ الملاَمحِ
والسَّنواتِ والمُعلَّقاتِ
فتنْزَوي روحُ « الشَّاعِرِ » لحظتَها عندَ الأَرِيكةِ
المهجورةٍ وتتأَجَّجُ أَنَّاتُهُ مكتومَةً أَمامَ لَهفةِ
غُروبٍ وَشيكِ النِّهايَةِ في « الرَّمادي »
الشَّاحِبةِ وجوهِها وشوارعِها وأُغنِياتِها
حيثُ يُتمتِمُ « السَّيَّابُ » بأوَّلِ قصيدَتهِ
الحزينةِ الكُبرى:
« الَّليلُ والسُّوقُ القديمْ
خفتَتْ بهِ الأَصواتُ إِلَّا غَمْغَماتُ العابرينْ
وخُطى الغرِيبْ
وما تبُثُّ الرِّيحُ من نغمٍ حزينْ
في ذلِكَ الَّليلِ البهيمْ
الَّليلُ والسُّوقُ القديمُ وغَمْغَماتُ العابرينْ
و… و… و… و… و… و… و…
و… و… و… و… و… و… »
………..
تنامُ « الرَّمادي » وروحُ « السَّيَّابِ » مُجهدةً
ترحلُ بكُلِّ السُّعالِ وراءَ شاراتِ القصيدةِ الثَّكلى
عندَ التُّخومِ.!
طبعاً.. طبعاً..
في ذلِكَ المساءِ الرَّماديِّ الشَّاحبِ بصَفصافِ
بِلاَدٍ مُختصَرةٍ من عام / 1948 بحرائقهِ
المُوغِلةِ بالشِّعرِ والنَّارِ والهزِيمةِ
لا أَحدَ يشعُرُ بكُلِّ ذلِكَ التَّجلّي الخفِيِّ
مِنَ النُّبوءَةِ الهائِلةِ باِسْتِثناءِ السَّيَّابيِّينَ الجُددِ
الذِّينَ يحلُمونَ ببياضِ المطرِ وأُولئِكَ القِلَّةِ
المخمورينَ المولَعِينَ بأسرارِ حُروفِ المطرِ
بعُزلةِ « السُّوقِ القديمِ » مِنَ « الرَّمادي »
بلا وحلٍ.!
بعُزلةِ النُّفوسِ التي تتحجَّرُ جَهشاتُها في أَعيُنِ
المَرايا السِّحريَّةِ للْحُبِّ في قلب « الرَّمادي ».!
بعُزلةِ «السَّيَّابِ » معَ ذاتهِ المُحلِّقةِ إِلى الغُيومِ
في « سُوقِ علي سُليمانْ ».
بعُزلةِ السَّيَّابيِّين الجُددِ الذِّينَ لمْ يولَدوا بعدُ
في « الرَّمادي » إِلَّا عقِبَ عَشرِ سنَواتٍ
حرَّى بالنُّدوبِ والاِنقِلاَباتِ والأَلآمِ مِثلي أَنا.!