مقالات

«الخيال.. تنفس الروح»

بقلم: بتول حميد-كاتبة وشاعرة بحرينية

لعلّ أجمل ما قاله أينشتاين بالنسبة لي “الخيال أهم من المعرفة”؛ هذه العبارة الساحرة كافية لئن أغمض عيني بسلاسة ليس كفعل عضلي بل كأني أغرق في لحظة حالمة.. ففي هذا العالم المجنون لو خيّروني بين خيالي وواقعه.. مافرطت في خيالي! أنا مفتونة بخيالي وممتنة له. ربما لهذا دوماً أهرب إلى الشعر والموسيقى، وأحبّ الكتب لمفارقتها الرهيبة في كونها تحافظ على وحدتي وتملأها. أحب أن تأخذني إليّ من دون تدخلات بشرية قريبة، ترسم في عيني قصيدة صوفية وفي الأخرى معلقة جاهلية، تبكيني بشدة في رواية لاتينية، تُقوس شفتي لبلاغة سطر من الأدب الروسي وتعطيني حرية صياغة موسيقاها التصويرية وتخيّل أبطالها.

قد يكون المساهم الأول في تشكيل نظرتنا الميتافيزيقية للخيال هي ديكتاتورية الواقع، فحين نستدعي تطوير الشاعر الألماني فريدريك شليجل لمفردة “الخيال” عبر رؤيتها من شرفة رومانطيقية عالية سنجد أنه أطلق عليها مسمى “تنفس الروح”. ولكن هل يمكن أن تكتفي رئة الخيال على شهيق الدهشة وزفير الألم؟ حين نرقب أخيلتنا تبدو مثل غواية لمرآة آسرة من زاويتين حسّيتين، الأولى حكراً للخيال الخلّاق المهتم ببناء أشكال جديدة يزاوج فيها الصور والأشكال الموجودة سلفاً، والثانية الخيال “البلدوزر” الذي يحطم ماهو موجود وآني ويركن إلى الاستشراف والاستباق والافتراض وإعادة بناء واقع جديد مغاير للواقع المُعاش.

في مقاله “الشاعر والخيال”، تعامل فرويد معه عبر استقراء الميْل اللاشعوري في سلوك الإنسان “لقد اتضح أن مملكة الخيال ملجأ يتأسس خلال الانتقال المرير من مبدأ اللذة إلى مبدأ الواقع، كي يقوم محل إشباع الغرائز التي ينبغي الإقلاع عليها في الحياة الواقعية. ينسحب الفنان كالعصابي من واقع غير يرضي إلى دنيا الخيال، لكن بخلاف العصابي، يعرف كيف يعود منه لكي يجد مقاما راسخا في الواقع”، ويستدرك فرويد تحليله النفسي بأن أفق الخيال لدى السعداء ليس بقدر سعته الهائلة لدى التعساء –باعتبار الكآبة أكبر محركات ومنشطات الخيال-.

يربط فرويد بين الحالات الوجدانية للشعوب والكينونات السياسية وبين الدوافع اللاشعورية الجماعية والمضامين المتخيّلة أثناء الصراعات بين قوى المجتمع واعترف بوجود استثمارات وجدانية للخيال لا سيما في حالات الشدة وعند التعرض للخطر بغية تكثيف نقاط المقاومة والمحافظة على الذات. كما يؤكد فرويد على أن عمليات إنتاج الحلم هي عمليات إنتاجية مبعثها الخيال تعبر عن عمليات دفينة خارج الوعي وأن استعاضة الإنسان بالتخيل في السخرية والنكتة هو بالضرورة بحث متفاني عن مصدر اللذة والتخلي المؤقت عن بذل الجهد في عملية الكبت والصمود وما يرافق ذلك من تخلص من الإرهاق وتفادي للألم.

سعت الفلسفة فترة طويلة لتعريف الخيال وإقرانه بالفانتازيا لتجعل منه ملكة حيّة تجمع بين الصور في لوحات وفق التتابع الذي يحاكي الطبيعة، فسواء كنت معجباً بمعزوفات شوبان أو مفتوناً بلوحة النجوم لفان جوخ فأنت على الأرجح تتفق أن هذه الأعمال تستند على خيال هائل لم يكن معضلة ذهنية أمام تقديم تشكيلات جوانيّة متنوعة بل كان المحفز الرئيسي لبلورتها.

زر الذهاب إلى الأعلى