ثقافةمقالات

عباس مجاهد يكتب: المدينة في الشعر العربي الحديث والمعاصر

المدينة في الشعر العربي الحديث والمعاصر

بقلم: عباس مجاهد/ رئيس هيئة نادي أحباب اللغة العربية الفلسطيني

لقد عكست المدن أقنعة لمواقف الشعراء الفكرية، سواء كانت المدن عربية أو غير عربية، وهذه الأقنعة أخضعوها لمادة شعرية، ولتكون رافدا من روافد ابتكار النص الشعري، فكثير من الشعراء فلتروا الصور والمشاهد، وأبقوا فضاء الخريطة الجغرافية.

 

وتباينت نظرة الشاعر للمدينة، واختلفت النظرة بدرجة العدائية للمدينة الأجنبية، والسلبية طالت مدينة الشاعر العربية، فكلما كان منتميا للريف والقرية كان أكثر هجاء للمدينة.

 

رأى الشاعر العربي المدن الأجنبية مرتبطة بالآلة والمادية، فقللت من العلاقات الاجتماعية، وقطعت التواصل الاجتماعي والأسري، وزادت من العزلة والوحدة.

 

لنأخذ لندن من المدن الأجنبية مثالا؛ فإن العاصمة الانجليزية عرفها العرب عاصمة للإمبراطورية البريطانية المستبدة، والاستعمار الانجليزي الظالم، فلندن بؤرة القرار السياسي الذي يلحق الدمار في البلاد، ويبتز عزة أهلها، ويسلبهم الحرية والكرامة.

 

الصور السلبية التي رسمها الشعراء للندن كان يختلجها شيء من الإعجاب أحيانا، فهي حضارة تمتد يمينا ويسارا، فلندن كانت في نظر البعض ذات العز الذي يضارع روما القديمة، وعلاقة العداوة التي نشأت بين لندن والشعر العربي أخذت بعدا آخر في ليلة وضحاها لتصبح غادة حسناء يتغزل بها الشعراء، وهناك نفر من الشعراء العرب حطت بهم الرحال بمدينة الضباب نتيجة ضروريات الحياة، فأقاموا فيها، فشاهدوها على حقيقتها؛ دار غربة موحشة، ومنفى كئيب، ومهجر ظالم.

 

ومن أبرز التجارب، تجربة السياب، فقد نزل لندن نتيجة المرض متأملا في الشفاء، فأضافت لندن للمرض الوحدة فاضت بها سطور الشعر، فمعاناة السياب في لندن نلمسها في قصائد؛ سفر أيوب، والليلة الأخيرة، ووصية محتضر، فهي قصائد توحي بالمعاناة، وأن الشاعر كان غريبا، يقول في قصيدة سفر أيوب:

 

من خلل الثلج الذي تنثّه السماء

من خلل الضباب و المطر

ألمح عينيك تشعّان بلا انتهاء

شعاع كوكب يغيب ساعة السّحر

و تقطران الدمع في سكون

كأنّ أهدابها غصون

تنطف بالندى مع الصباح في الشتاء

من خلل الدّخان و المداخن الضخام.

 

لقد ضاق السياب بلندن، هذه المدينة التي أثقلتها أطنان الحديد والأسفلت، واختنقت فيها الشمس بالضباب، وتجلى الريف العراقي البعيد كأجمل ما يكون، فراح يمني نفسه بالعودة لدياره جيكور قبل أن يخطفه الموت، ويقول:

 

و قبلة بين فمي و خافقي تحار

كأنها التائه في القفار

كأنها الطائر إذ خرب عشه الرياح و المطر

لم يحوها خد لغيلان و لا جبين

ووجه غيلان الذي غاب عن المطار

و أنت إذ وقفت في المدى تلوّحين.

 

هذا وصف سوداوي له أبعاد نفسية تمور في داخله، فهذه المدينة في نظره مشوهة، فهي ليست بيته، وليست مكانا آمنا بالنسبة له.

 

وفي المقابل، نزار قباني منحها الغزل، فراح يتأمل جمالها، واستطاع أن يجعلها أنثى، وجعلها منفى حسنا، يقول:

 

لندنٌ حبي..

وفي باركاتها غنيت أحلى أغنياتي

لندنٌ مجدي..

ففيها قد تغرغرت بأولى كلماتي..

لندنٌ حزني..

على كل رصيفٍ دمعةٌ من دمعاتي

لندنٌ عاصمة القلب..

وفيها قد تلاقيت بست الملكات..

لندنٌ،

تعرف وجهي جيداً..

فأنا جزءٌ من اللون الرمادي..

ومن أعمدة النور..

وأضواء الميادين..

وصوت القبرات..

منذ أن جئت إليها عاشقاً

أصبحت لندن إحدى المعجزات..

لندنٌ .. تأخذني كالطفل في أحضانها..

وطوال الليل، تتلو من كتاب الذكريات..

لندنٌ صاحبة الفضل .. فقد

علمتني العشق في كل اللغات.

فنزار قباني عرف لندن، فكثير من معالمها وطرقاتها نسجت في شعره، وحمل لها الحب، فلندن مجده، ولندن عاصمة قلبه، وجاء لها عاشقا، وواحدة من المعجزات، وعلمته العشق بكل اللغات.

وبالعودة للسياب، نراه قد انسجم مع بغداد مدينته، فهي حنينه الإنساني، وهي تفوق مظاهر الحياة وما فيها من صخب في لندن، وإذا كانت بغداد وما فيها من أوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية وباعثة هذه الأوضاع على التشاؤم بقيت في نظره كعبة، وتمنى أن تتحد مع كل العراق ليسود العراق الجمال والصفاء والإنسانية، فبغداد وجيكور توحدتا في ذاكرة الشاعر، يقول في قصيدة الليلة الأخيرة:

 

أن يكتب الله لي العود إلى العراق

فسوف ألثم الثرى أعانق الشجر

أصيح بالبشر

يا أرج الجنّة يا إخوة يا رفاق

ألحسن البصري جاب أرض واق واق

ولندن الحديد و الصّخر

فما رأى أحسن عيشا منه في العراق

ما أطول الليل و أقسى مدية السّهر

صديئة تحزّ عينيّ إلى السّحر.

 

ينفتح الشعر على التجربة الإنسانية اللانهائية، متحركًا في فضاء الخيال والدهشة، محاولا إعادة بناء الوجود عبر أصواته الحميمية القريبة من روح المتلقي، ويُعد الشعر هو الوسيلة الأكثر فاعلية في التعبير عن الأحلام والانفعالات والهواجس التي تجوب الوعي الإنساني واللاوعي أيضًا، وتتنوع روافد القصيدة من حيث الموضوع والشكل ليستمر العطاء الفني متجددا ودائما كما النهر، وكما عند السياب.

 

وأما صلاح عبد الصبور يرى أن المدينة مكان للقبح والألم والاستبعاد والزحمة، فيصف بيوتها بالتلال، وأنها موصدة في وجه الأغراب، وعد عبد الصبور نفسه من الأغراب، فهو ينظر للمدينة كواقع معاش خالفت الأشياء فيه حقيقتها، فحياة الوجع التي عاشها عبد الصبور، لأنه لم يستطع تحقيق أمانيه لم تمنعه هذه الحياة من القيام بدوره في توعية الناس من خلال شعره، والسير بهم نحو المستقبل الأفضل، وهو ممن عالج موضوع المدينة في شعره، وهو ينقم على وجهها الحضاري، فهي تمثل بشاعة النظام الرأسمالي الذي جاء بالحضارة مصحوبة بالظلم والقهر والاستغلال، وكذلك ينقم على طبيعة الحياة في المدينة، فهي تتسم بالأنانية والفردية، فكل فرد من أفرادها يسعى لخدمة مصالحه الشخصية، فالصداقة فيها مفقودة، والحب مقتول في مجتمع الماديات، ولا قيمة للإنسان فيها إن لم يكن صاحب نفوذ ومال، فهو يقرر في شعره الهرب من هذا الجو الخانق الذي يكتم الأنفاس، ولكن الهروب لا يجدي، فهي قدره الذي لا يستطيع التخلص منه، فرأى أنه من الواجب التخلص من أنظمتها الفاسدة، وبقي في شعره يقاوم الظلم والفساد والعهر حتى نهاية حياته.

 

وفي الوقت الذي يبحث فيه القارئ النهم عن دلالات شعره يلحظ أن المدينة في توظيفها سببت تمزق النفس الإنسانية في علاقتها بنفسها وبالآخرين، فقد رفع موضوع المدينة إلى واجهة الاهتمام، فكأنك تلحظ إلى حد واضح أنه تبنى أسلوب إليوت في تعبيره وتجلياته ومواقفه، فدراما العزلة مستمرة ما استمرت الهوة بين الفرد والمكان، هذا المكان الذي ينكر حق التعبير، هذا المكان الذي لا يعرف الابتسامة، وفي هذه المدينة وجد الانسان المثقف نفسه إنسانا مدمرا، فتلحظ أن عبد الصبور أخذ من إليوت تشاؤمه والموقف السلبي من قضايا المجتمع والحياة.

 

هدَف عبد الصبور إلى تشكيل مدينة الحكمة، وهدفه أن ترأس الثقافة المجتمع ولا يتحقق هذا إلا إذا خرجت من أيدي التجار لأيدي المثقفين، ويحاول عبد الصبور الإجابة عن عصر النهضة الذي غير المفاهيم، وهذا التغيير حصل بفعل الزلزال الثقافي الأوروبي الذي خض العقل، فامتد للعالم، إنها حضارة العالم الحديث التي تحاول أن تهتدي إلى فلسفة جديدة نستطيع أن نسميها الإنسانية الجديدة، تمييزا لها عن النزعة الإنسانية السابقة لعصر النهضة، فعبد الصبور يبحث دائما عن واقع مختلف ورؤيا جديدة، يقول:

 

خرجت لأنظر الماشين في الطرقات، والساعين للأرزاق

وفي ظل الحدائق أبصرت عيناي أسراباً من العشاق

وفي لحظة

شعرت بجسمي المحموم ينبض مثل قلب الشمس

شعرت بأنني امتلأت شعاب القلب بالحكمه

شعرت بأنني أصبحت قديساً

وأن رسالتي ..

هي أن أقدسكم.

 

هذه النزعة الخطابية التي يشي بها المقطع السابق تعكس مدى الضياع الذي يعانيه كل نازح إلى المدينة، التي تصدمه بواقعها المختلف، سواء من حيث أشكالها المعمارية أو شوارعها، وأشكال الساعين للأرزاق…

وأما عبد المعطي حجازي كانت المدينة معاكسة ومتخارجة تماما مع ما كان يأمله منها، فهي قاهرة وفيها منطق الاستبعاد في العلاقات، ويبين مدى القطع الوجداني الذي يشعر به الذاهب إليها، فالعلاقات في المدينة ترسي فيها التنافر والتصادم بين الأنا والمجموع، والمدينة الكل منشغل بنفسه، وغارق في بحر همومه، ولا يهمه الآخر، وهو سلوك يبدو عاديا لسكان المدينة، ولكنه محير للريفي، يقول:

 

لقد طردت اليوم

من غرفتي

وصرت ضائعا بدون اسم

هذا أنا ،

وهذه مدينتي !

 

وإذا كانت المدينة هي الموضوعة الأبرز لشعراء الحداثة العربية في عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين مع تصاعد التيار الواقعي في الفكر والأدب، أما عن علاقة حجازي بالمدينة يشوبها القلق والارتياب، والشعور الكبير بالاغتراب، يقول:

 

شوارع المدينة الكبيره

قيعان نار

يجترّ في الظهيره

ما شربته في الضحى من اللّهيب

يا ويله من لم يصادف غير شمسها

غير البناء و السياج ، و البناء و السياج

غير الربّعات ، و المثلّثات ، و الزجاج

يا ويله من ليلة فضاء

و يوم عطلته

خال من اللّقاء

يا ويله من لم يحب

كلّ الزمان حول قلبه شتاء !

والبنى اللغوية والصرفية تبين أحوال المدينة، فالمدينة قيعان نار…، فكل أشياء المدينة باعثة على الويل.

وعليه فالفضاء المكاني وهو المدينة انهارت ركائزه، وأصبح الشر من أبرز خصائصه، فالمدينة خلاصة مريرة لواقع الانسان المتشبع بالمعاناة المريرة، والقهر السياسي، وافتقاد خيوط الأمل، وافتقاد الكرامة الإنسانية، وكل ما جاء من شعر عند الرواد في مجمله يدعو للتحرر الإنساني من تدليس وتزوير المدينة بوعي شعري مكين وصريح.

زر الذهاب إلى الأعلى