كل الأوقات هنا كفيلة بالنسيان… نص: رند قنب

كل الأوقات هنا كفيلة بالنسيان
بقلم: رند قنب/ سوريا
نافذة السكن الجامعي المطلة على كلية الهندسة المعمارية، كنت أتصورها في مخيلتي المجنونة كمومياء ملفوفة، محاولةً بذلك طمس معالمها بتخيلاتي الخائفة بأن تفك وثاق ذكرى محنطة، ناظرة إليها من بعيد خلف ستارةٍ جزعة متوسلةً أن ترسل لي قطعةً من إحدى خيوطها عربونًا للاستسلام ولأجل ذكراها وعدم طمسها.
~كل الأوقات هنا كفيلة بالنسيان~
أمامي الآن جارتنا الحلبيّة بقامتها الرشيقة ولهجتها الجميلة وحاجبيها الكثيفين وحفرة الابتسامة التي تزين وجهها عند الضحك. كنت أستمع إلى حديثها مصوبةً نظري إلى وجهها لأتعلم طريقة الضحك التي تجيدها بامتياز يوميًا، وفي كلِّ ثانية، محضرةً كرّاسةً لأرسم تفاصيل تلك الضحكة، فالنسيان يروداني بشدّة، وأقول في نفسي: إن وجنتاها تتوسع كجناح فراشة مبقعة تتهيأ للطيران رغم الحزن الطفولي الذي يتربص ضمن نظراتها في أثناء مشاهدتنا لحلقة من مسلسل “شبابيك” وهي تقول: (ما التقوا!).
طرحت في نفسي سؤالًا راودني منذ بداية الرحلة:
《ما هو معيار الحب؟! بماذا يقاس؟
بالعبرات أم بالنظرات أم بالكلمات؟!》
~كل الأوقات كفيلة بالنسيان~
أنزل باتجاه ساحة الجامعة أبحث عن بسطات الكتب استوقفني بائع يعتمر الشارع كتكية له، ينظف أسنان الكتب وظهرها وعيناها وجسدها، كما ينظف الإنسان جسده في أثناء الاستحمام بفارق وحيد وهو عدم البكاء البشري.
تقدّمت باتجاهه، أتأمل كتبه، أفترس النظر إلى شكله وأشم رائحته عابقة الّتي كانت تشبه رائحة إنسانٍ مستحمٍ فعلًا ممزوجة برائحة الكتب المنسية والمهملة.
على غرار تلك التجربة، وجدت كتابًا كنت قد قرأته في طفولتي وكان (البخلاء) للجاحظ.
مدَّ يده واستلّه كفراشةٍ نزقة كسرت جناحاها ضاحكةً، وبعد ذلك بدأ يتحدّث عن الشعر والأدب وعن نجيب الكيلاني وبراعته بالكتابة، مسهبًا بحديثه يرمش كل ثانية، قلت له بأنني أبحث عن رسالة الغفران للمعرّي. قال وهو يصوّب أحجاره الهرمة تجاهي: وما حاجتك لهذا الكتاب
أطرقتُ رأسي صوب الأرض وأنا أطرف بعينيَّ، مع القليل من دموعٍ مكتومة قررت أن ترمش لوحدها باكية: لأجل نسيانٍ مؤقت.
قال بمرحٍ وهو يقف بجانبي يربت على كتفي ويمد يده بكتابٍ يحوي على دراسة تحوم حول الشعر الجاهلي قائلًا: أنت تشبهين الأبيات الأولى من القصيدة الجاهلية (الطل)، كشاعر يبدأ قصيدته بالدعاء لزمن الوصال بالسقيا مثلًا، ثمَّ يبدأ الحديث عن مدة الوصل ويصفها بقصيرة وكأنها حلم أو نظرة مختلسة تطول لجمال المحبوب الذي تعددت مسمياته، وأنتِ تريدين كتاب رسالة الغفران للنسيان أم للذكرى المؤقتة على مضض الأيام.. كالشعراء الجاهليين.
في أثناء علمية الرمش الباكية استجمعت قواي واتجهت أنظر إلى عينيه وعزمت أمري بأن أنسى بكل ما أوتيت من قوة ولا مبالاة.
أومأ رافعًا حاجبيه: وبشراء الذكرى المؤقتة على مضض
أرأيتِ كم تشبهين مقدمات قصائد الجاهلية؟! أتعلمين أنني أراها مجرد تكبيل للضمير والروح، ولمَ؟! لمجرد حسرة لا أكثر.
أجلسني على كرسيه وبعدما أشدّت عملية الرمش، وأنا أفكر بحديثه، ثمَّ سألته: وكم تشبه أنت مقدمات قصائد الطلية وكم تشبه الأشياء شبه المنتهية! تشبه رماد السجائر الذي أدخنه في أثناء نفضها، ولطالما تساءلت لمَ إنسان ينزل يده وينقر سيجارته ليسقط رمادها؟!
إنَّ رماد السيجارة ومقدمة القصيدة الجاهلية تربطهما علاقة وثيقة قائمة على انتهاء معذب بغرائبية يسودها سحر ملوث وعجيب مثلك تمامًا، ولأجمع طرف مشابه كدت أنساه بأنني لطالما وصفت نفسي بالوشاح المثقوب يدفئ رماد السجائر لا أكثر!
ر.ن