
نبضات محرمة أم أنفاس وهيبة
د. عبد الرحيم محمد الهبيل
تمتد بك رواية ( نبضات محرمة للكاتبة الدكتورة رولا غانم ) نحو الغياب لا لتكون غائبا، وإنما لتكون في قسوة لا تطاق ، فأنفاس وهيبة تسري في النص ، أو في قلم أدهم الذي بدأ يروي قصة الجدة راضية (الشخصية الرئيسة)، بعدما سردت حكايتها لأحفادها، فالرواية حكاية أجيال ثلاثة ومحاورها الفكرية ثلاثة : تاريخية وسياسية وعاطفية ، لكن الكاتبة لم تعن بصورة واضحة إلا بحكاية الحدث العاطفي الذي يتشابك بالبعد الاجتماعي عبر التاريخ، أما الأحداث السياسية فكانت إشارات لا تطيل الوقوف عندها .
يمتد زمن الرواية إلى أكثر من تسعين سنة ، حيث تبدأ بالنكبة 1948م و تنتهي بسنوات وباء كورونا، وفيها تتوالى الأحداث في خط مستقيم ، وتكثر فيها المشاهد المكررة لتحقيق النسق الثلاثي ، ويتسع فيها المكان لكثير من البلاد، ولكن معظم الأحداث تدور في بيت (راضية ) الذي حرصت على البقاء فيه ، وأما الصراع فإنه يقوى عادة بوقوف الأم حائلا منيعا بين ابنها ومحبوبته، ويشتد قسوة بسيطرة الحماة على زوجة ابنها من جهة ، ومن جهات أخرى نجد تمزق الشخصيات بلهيب الشوق والاحتلال والقوى الغربية وقسوة المجتمع و الفقر .
لم تسع الكاتبة في هذه الرواية إلى تشكيل النسق الذكوري ذلك النسق العربي الموروث، ولم تقدر على إضاءة النسق النسوي في عقل القارئ للصراع الحاد بين المرأة والمرأة، وتعلقها بالماضي ، وغياب الرجل عن صور الصراع المحورية في الرواية، وشدة الهيمنة الغربية على أحداث المجتمعات العربية، وسيطرة الخوف من المستقبل ، فالشخصيات لم تهنأ بحاضرها ، ولم تقنع بواقعها، فظلت السيطرة للأسى والخوف والقلق .
غياب الرجل والحظ العاثر للمرأة:
تعددت الشخصيات في الرواية وتوالت فيها الأجيال وعلى الرغم من ذلك فإن الكاتبة حرصت على إقصاء الرجل من ساحات كثيرة ومن أهمها: قلب الزوجة وفاعليته مع الأولاد ، فزوج سعاد غاب معظم عمره خارج البلاد بعيدا عن زوجته وأبنائه، وزوج راضية (أسامة) تركها ترتب أمورها ولم يعطيها المصروف، ووهيبة توفي زوجها في شبابه ، وأمينة (محبوبة أسامة) كانت تفتقر إلى اهتمام زوجها(عبد الله)، والهام (بنت راضية) ظلت تحلم بزوج على الرغم من أنها كانت تنظر إلى عملية الخطبة على أنها عرض لبضاعة تباع فيها المرأة وتشترى، وجميع أبناء راضية (عبد القادر وكمال ورشيد) لم يقدروا على منعها من الحياكة.
لقد تعمدت الكاتبة تغييب الرجل عن دوره في الحياة الاجتماعية، فالأزواج لكل من سعاد ووهيبة وسهير قتلوا ، وسجى انفصلت عن زوجها ، وعبد الله لم يجد حبا من أمينة ، والهام لم تتزوج ، ، فكانت السطوة للحماة حيث إن سعاد لها ثلاث صفات: (متسلطة ومتجبرة وذات لسان سليط) وكانت عابسة الوجه تعاير وتوبخ ، ووهيبة لها صفات ثلاث أيضا (الجدة والحدة والسطوة ) ، أما راضية فقد حظيت ببقاء زوجها (أسامة ) لكنه كان الحاضر الغائب ، فامتداد أسامة في الحضور والبقاء لم يخدم سوى غاية الكاتبة في تغييب الرجل عن دوره الأسري ، وقد تلمست الكاتبة العذر لهذا الغياب حين ذهبت إلى أن الحب والعشق يخفف من معاناته وآلامه في الحياة ، وعلى الرغم من ذلك فإن هذا الحب لم يحالفه إلا الشقاء ، فالحرمان عصف بحياة أمينة التي كانت تلهث وراء حب ليس فيه إلا كلمات تؤجج الحرمان والشقاء .
لقد كان الحب في الرواية سببا للشقاء ، فكانت راضية تحب أبناءها وتشقى بغياب زوجها ، وأحبت وهيبة ابنها أسامة فكانت أمينة ضحية ، و ظل كمال في عناء إلى أن تزوج (سجى) بعد ضعف سطوة أمه (راضية) ، وعبد القادر ظل ينبض في قلب ولد وجدان نبضا فيه ألم وغياب لسطوة أمها وغياب دور أبيها في بيته ،و أما رشيد فإنه كان خجولا فتزوج زواجا تقليديا فظل بعيدا عن قسوة الفراق.
وعلى الرغم من كل هذا الغياب لدور الرجل في الحياة وإدارة شؤون البيت فإن المرأة لم تنتصر على الرجل في هذه الرواية، بل كل زوجة في الرواية كانت تندب حظها العاثر، ولكنها كانت أكثر صلابة من الرجل في مواجهة الحياة.
النسق الثلاثي وبناء الروية :
قام البناء الروائي على حدة النسق الثلاثي ، فالشخصية الرئيسة راضية تقيم في بداية حياتها بين ثلاثة أشخاص وهيبة (الحماة) والزوج أسامة والهام شقيقة زوجها ، وأبناء راضية ثلاثة (عبد القادر وكمال ورشيد) ، وحينما تبدأ بحكاية سيرتها الذاتية نسمع صوت أحفاد ثلاثة (أسماء وأدهم ومهند) ، وذلك في حضرة ثلاثة إناث (سهير بنت راضية والهام شقيقة زوجها وأم أدهم زوجة ابنها عبد القادر) . ويتشكل النسق الثلاثي في بيت سعاد والدة راضية حيث أنجبت أربعة فتيات وحين تزوجت راضية في مدينة(طولكرم) ظلت سعاد في القرية مع ثلاث بنات ( صفية وفاطمة وسمية) ، وأسامة ولد وهيبة قبل الزواج كان وحيدا بين ثلاث[ بنات ، وبيته مكون من ثلاثة أجزاء رئيسة (غرفتان وصالة) ، و بيت سهير الجديد يقابل عمارة أخوتها الثلاثة (عبد القادر وكمال ورشيد) .
ويبرز النسق الثلاثي كذلك في تكرار الحدث إذ إن وفاة زوج سعاد الأول كانت بقصف طيراني ، و زوج سهير يقتل من الاحتلال ، و رياض ولد سعاد يقتل في العراق. فسهير تشابه جدتها في أنها صارت أرملة وعادت لبيت أهلها بطفل.
و وهيبة حينما تخرج للقرى المجاورة تخرج ثلاث مرات: مرة للشيخ من أجل حمل راضية ، ومرة ثانية لزيارة ابن عمها ، ومرة ثالثة لزيارة قريبة لهم ،وفي كل مرة تخرج راضية مع وهيبة والهام ، ويبقى أسامة في البيت.
وفي محاولة إخراج أسامة من البيت حيث وقعت الحادثة ثلاث مرات أيضا مرتان بالحوار مع أمه وثالثة بمحاولة وهيبة حرق البيت. وفي ثراء الشخصيات نجد ثلاثة أشكال متشابهة في الادخار والحرمان، فالجدة وهيبة تضع أموالها تحت الثرى وتحرم الجميع منه ، وأسامة يضع ماله في البنك ويحرم أبناءه وزوجته من الإنفاق ، وأهل وجدان أثرياء يحرمون ابنتهم من عبد القادر ليبقى حبها جرحا غائرا في قلبها.
و في تبادل الرسائل بين أسامة وأمينة نجد تكرارا للنسق الثلاثي ففي كل مرة نجد أمينة تنتظر أسامة في بقالة ، ثم يضع الرسالة في يدها وترجع إلى بيتها ، ثم تستبدل ملابسها ، ثم تشم الرسالة ، ثم تقرأ الرسالة ،ثم تمسك بالقلم لترد عليه .فالهيكل العام لبنية تبادل الرسائل تكاد تكون واحدة ، ومتشابهة عند كل من أسامة وأمينة .
وتنتهي الرواية وفق النسق الثلاثي فأبناء راضية ثلاثة ولكل منهم ثلاثة أبناء فرشيد له مهند وطارق وقيس ، وكمال له أسامة مع بنتي سجى، وعبد القادر له أدهم وأسماء، أما وجدان محبوبة عبد القادر فليس لها إلا ابن وحيد فكأن عبد القادر ووجدان طرف واحد. فما دلالة النسق الثلاثي ؟ وكيف تجلت قواه في النص الروائي؟ وما السبل التي لجأت إليها الكاتبة لمواجهة قوة النسق الثلاثي وحدته؟
لقد اتسع الحرمان في الرواية حتى قست القلوب وصارت حجرا في وجه الحياة وما فيها من ظلم ، فكل الشخصيات كانت تعاني الحرمان حتى أمينة لم تخل بأسامة إلا مرة واحدة ، و وهيبة حرمت من بلدتها ، وراضية حرمت من رعاية زوجها ، وعبدالله حرم من حب أمينة ، ووجدان حرمت من عبدالقادر فحرم زوجها من حبها ، وزوجة كمال حرمت من زوجها الأول ، لكن هذا الحرمان لم يكن من صنيع المجتمع فحسب ، وإنما من التعلق بالماضي والخوف من المستقبل أيضا، فأم إلهام لم تستمع بحاضرها وأموالها لتضمن لإلهام حياة كريمة ، وأسامة ظل متعلقا بحبه لأمينة ، وراضية عاشت متعلقة ببيتها القديم فحرمت من بيتها الجديد الذي يقيم فيه أولادها وأحفادها.
أما السبيل الذي حاولت من خلاله تخفيف حدة النسق الثلاثي فقد أظهرته الكاتبة في تحوط مدفأة الغاز برفقة الجدة راضية ، والالتفاف حول التلفاز مساء لسماع نشرة الأخبار،….وفي الطاولة المستديرة التي يحيط بها أفراد العائلة ، وفي قولها : “لفت الداية روحية الجنين بالمنشفة” فالالتفاف والشكل الدائري قوة في مواجهة من هو خارج الدائرة .
الجنس في الرواية:
وهنا يجب أن نتوقف قليلا عند أمور مختلفة يتعلق بعضها ببعض ، ومن أهمها ما علافة الحب بالغريزة والتواصل الحميمي بين الرجل والمرأة ؟ وكيف تجلت أوصاف الجسد في الرواية؟ وما دور البعد الجنسي في التشكيل الروائي ؟ ولماذا لم تنجب أمينة سوى طفلة ؟ ولماذا أصيبت بالسرطان ؟ ولماذا لم يعمر أسامة من بعد وفاة أمينة؟ وهل كانت العلاقة بين أمينة وأسامة علاقة حب فقط؟ أم كانت بينهما علاقة قرابة أيضا؟ وهل للقرابة دور في امتداد علاقة الحب ونشأته؟
يبدو أن القرابة بين أسامة وأمينة كانت فاعلا في استمرارية العلاقة بينهما فقد كان يصرح بذلك لصاحب البقالة وهي تسوغ لنفسها أن تأتي إلى بيت أسامة ، وعلى الرغم من ذلك فإن اللقاءات الحميمية لم تتحقق بين أمينة وأسامة في بيته إلا ثلاث مرات : الأولى والثانية حينما غادرت وهيبة وراضية والهام البيت إلى قرية خارج طولكرم ، لكن في اللقاء الثاني لم يصل التلاقي الجنسي إلى نهايته لعودة راضية للبيت فجأة، أما في المرة الثالثة فكان اللقاء خاليا من المظاهر الحميمية حيث كان في حضرة زوجته بعدما صار أسامة هرما ومثقلا بالمرض.
لم تسع الكاتبة إلى تعرية العلاقة الجنسية بين أسامة وأمينة ، لأنها امتداد لحياة عاطفية نشأت في وقت مبكر، كما أنها لم تصف جسدا لامرأة وصفا حسيا إلا على لسان الهام حسرة على ما أصابها بمرور الزمن ، فالزمن والعمر والقدر يدفع الذاكرة نحو مزيد من الألم والحزن والحسرة إذا لم يحقق الجسد رغباته ،أما إذا أنهك الجسد من عمل ووجد ما يشبع رغباته فإنه يسمو على الحسرة والحزن، ولذلك لم تكترث وهيبة بجسدها ولم تلتفت راضية على امتداد الرواية إلى جسدها..
يبدو واضحا من بداية الرواية إلى نهايتها أن التحدي كان مسيطرا على أحداثها سواء في مواجهة القيم أو الاحتلال ولذلك اختارت الكاتبة أن تضع ثالوثا قويا أمام كل شخصية رئيسة في القصة فإذا انكسر الثالوث مات الطرف المقابل له، فكيف يعمر أسامة بعد تحطم ثالوث أمينة وزوجها والابنة ؟ وظلت راضية قوية بقسوة ثالوث (وهيبة وأسامة وإلهام) وحين ماتت وهيبة بدأ الضعف يدب في كيان راضية فقبلت بالزيارة الثالثة لأمينة وردت الكنز لإلهام ثم قبلت بزواج كمال من سجى، فالكاتبة حافظت في روايتها على تكنيك واحد في قوة الشخصية فإذا انكسر طرف من ثالوث التحدي تهشمت الشخصية ، فالحياة كما يبدو من روايتها تقوم على قوة الإرادة والتحدي، ولذلك تربط بين استمرارية الحب الذي يمزق الروح ومرض السرطان الذي ينهش الجسد.
أما الطفلة الوحيدة لأمينة فهي لتؤكد فكرة الثالوث (أمينة و زوجها والطفلة) الذي ينازعه أسامة في الوجود .ومن زاوية أخرى إشارة لسوء العلاقة الجنسية والاجتماعية بين أمينة وزوجها، فالكاتبة لم تسمح في الرواية إلا بمظهر جنسي وحيد بين أمينة وزوجها وعلى الرغم من ذلك فإن أسامة كان حاضرا فيه بقوة تخيلها.
للعلاقة الجنسية في الرواية بعد قوي في التشكيل البنائي ، وفي تصوير العلاقة القائمة بين الأزواج ، فأسامة لم يكن في حبه قويا كما كانت أمينة ، ففي أثناء علاقته بأمينة كان يدخر لأبنائه المال ويرضي زوجته غريزيا ويحرص على استمرارية بقاء بيته، أما أمينة فكانت أكثر جريا وراء عاطفتها إذ لم تستطع تشييد كيان بيتها حتى غابت ملامح ابنتها من الرواية.
وإجمالا ، فإن الكاتبة في هذه الرواية لم تكسر النسق الذكوري أو لنقل لم تحاول تقويض الهيمنة الذكورية ، وكذلك لم تؤسس للنسق الأنثوي بل تجاهلت جسد المرأة في الكينونة والتأثير ، فالشخصيات كانت أسيرة للقضايا المجتمعية والاحتلال ، حيث إن الرواية سيرة لشخصية فلسطينية واجهت المخرز بكفها، فامتزج التاريخ بالسياسة ، واختلط فيها الحب بالغربة و الاغتراب ، حيث إن حب أمينة سرق منها الأمان وأبعد أسامة عن بيته، وإذا كانت هذه الرواية عبرة لكل امرأة ظلمت في حياتها فإنها تاج محبة من الأحفاد الذين هتفوا لراضية تحيا تحيا تحيا.
وأخيرا مهما يجتهد الكاتب لا بد أن تقع بعض الأخطاء التي يسهو عنها حين المراجعة فلا يقال (فلا يتجاوز) ولكن لا تجاوز ، ولا يقال (كادت أن ) وإنما كادت فقط ، ولا يقال : (رغم ….إلا أن) وإنما على الرغم من أن…..فإن، كما لا يقال : (مهما عصفت) وإنما مهما تعصف.
وفي النهاية ، فإن تقديري يكبر للكاتبة بحجم ما تثير من حزن وألم وقسوة في نفس القارئ، فجماليات الرواية أكثر من جمال المحبوبة في عين الحبيب وقلبه وعقله.