ريتا عودة بين الأسطرة والواقع… بقلم: محمد نصار

ريتا عودة بين الأسطرة والواقع
بقلم: محمد نصار/ أديب فلسطيني
في روايتها الجديدة ” إلى أن يزهر الصبار” تأخذنا ريتا عودة إلى نبع الحكاية الأول، تحملنا على جناح الحكاية، المفعمة بجماليات اللغة وشاعريتها، نحو الحلم المنشود، أو الأمل الذي نقاتل من أجله، لكي نحقق ذاتنا، فتقول: المستقبل لأولئك الذين يؤمنون بجمال أحلامهم وحلمي كان جميلا”
بين حلم نرنوا إليه جميعا وواقع يكاد يمزقنا بسطوته وجبروته، تنسج الكاتبة خيوط روايتها، بحرفية واضحة في التكنيك المتكئ على تقسيم الرواية إلى ثلاثة فصول وثلاث رواة، آدم، حياة، حواء، فيما الكاتبة ممسكة بخيوط الحكاية، تحركها من خلف الستار، وفق الاتجاه الذي تريد، رغم بروزها في بعض الأحيان، خصوصا في حديثها عن حياة، التي أحبت وتحدت وحاربت من أجل حبها وضحت بالكثير الكثير، من أجل حلمها، حين تبدأ الحكاية بالعودة إلى الأصل الأول، حيث آدم وحواء زوجان في بيت الأب، أو قصره العامر إن شئت وحدائقه الغناء، يعيشان الرغد بعينه، ثم عصيانهما لأمره بعد الاقتراب من درج مكتبه، بتحريض من ابنة عمه” الأفعى”، التي خدعت حواء ودفعتها لفتح الدرج وقراءة الوصية المحفوظة بداخله، فغضب الأب عليهما وطردهما من البيت شر طرده، ليظلا هائمين على وجهيهما بلا لقاء، يراودهما الحلم بالعودة من جديد، في إسقاط ديني عن بداية الخلق، ذكرني برواية أولاد حرتنا لنجيب محفوظ، حين اختار لها طريقا مشابها فذكر الجبلاوي وأدهم وغيرهم من أسماء الأنبياء، ليكونوا شخوصا لروايته، فلا أدري إن كان هذا من باب تلاقي الخواطر بين الكاتبة ونجيب، أم هو تأثر بما كتب، ثم تمضي بنا الكاتبة في الفصل المعنون بحياة الفتاة المسيحية المسالمة، التي تعيش وفق تعاليم أسرتها المحافظة، لتقابل آدم المسلم الجامعي والسياسي البارز بين طلبة الجامعة، التي يدرسان فيها ” جامعة حيفا”، لترى فيه الفارس المرجو ومن خلال هذه العلاقة، تبدأ في معرفة الكثير من الأشياء التي كانت تجهلها، حول طبيعة الصراع القائم بيننا وبين المحتل، جهل ترسخ بحكم الطوق الذي فرضته الأسرة عليها، أو كما قالت: “أنا المغيبة عمدا عن المشهد السياسي، تحرسني تعويذة أبي، امشي الحيط الحيط وقولي يا رب الستر”، لكنها مع آدم بدأت تستعيد هويتها وتعرف الكثير مما غاب عنها ولمست عن قرب مدى العنصرية، التي يمارسها المحتل ومتطرفوه ضد شعبها، خصوصا في اعتدائهم على آدم، أثنا كلمته داخل أسوار الجامعة، بمناسبة يوم الأرض، الذي لم تكن تعرف عنه الا اسمه، فتقول:” شلني الفزع وأنا أبصر قطعة معدنية تنزل على راس آدم، الذي استبسل في الدفاع ورد ذلك الهجوم الشرس عنه”، تتطور العلاقة فيما بعد بينهما وتصبح حبا يفتش عن مأوى يضمهما، تحت سقف واحد، فيقابلهما الموروث الديني والاجتماعي، شاهرا سيفه في وجهيهما، هنا تبدأ أولى المعارك والتحديات، حيث تصر حياة على الزواج من آدم وتصمد في وجه أبيها وتدخل الأقارب والاصدقاء وحين تفشل كافة المساعي، يقرران الزواج رغما عنهم وخارج حدود المدينة، ليعيشا معا قسوة الحياة وشظفها، حتى وصل الأمر بالشين بيت، إلى مساومة زوجها آدم للعمل معهم، فيرفض، يمضي الوقت، والوقت كفيل بتغيير أشياء كثيرة في الحياة، فيتدخل أحد أصدقاء الوالد لرأب الصدع وينجح في ذلك، فتعود للحياة المستقرة نوعا ما ووظيفة تعينها على الحياة، فترزق بابنتين من آدم، الذي كان بدوره يجتهد لتوفير حياة آمنة كريمة لأسرته .
في هذا العرض السريع تبرز الكاتبة في الكثير من المواقف، الموروث الديني والمجتمعي المتجذر في نفوسنا وسلطته الراسخة في الأذهان، كما تبين مرارة الواقع الذي يعيشه أهلنا تحت سلطة الكيان الغاشم ومدى العنصرية والتمييز الذي يتعرضون له في حلهم وترحالهم وسؤال الهوية الحاضر في كل حين، هل نحن فلسطينيون، أم إسرائيليون، أم عرب 48 ، أم عرب الداخل، سؤال يتفجر في كل مناسبة وعند كل معبر وفي كل مدينة والمصيبة أن يأتي من أبناء جلدتنا العرب، الذين لم يرسوا على مسمى لنا، بالإضافة إلى القمع والتنكيل اليومي الذي يتعرضون له لأتفه الأسباب وبحج ودوافع واهية، كما حدث لآدم الذي اعتقلته الشرطة الإسرائيلية بعد مداهمة بيته، بحجة التخابر مع جهات معادية ورغم رحلة الكفاح الشاقة التي خاضتها حياة من أجل ضحد ادعائهم وسعيها المستميت للإفراج عنه، بمعية حشد من المحامين والمناصرين، إلا أن كل تلك الجهود باءت بالفشل وحكم بالسجن مدى الحياة، في تلك اللحظة الفارقة تظهر حواء، التي كانت نزيلة دير طيلة فترة غيابها وتشهد الحكم بعدما علمت بتاريخ المحكمة ومكانها من صفحات النت، فتقرر الخروج من ذلك الدير وحضور الجلسة، التي لم تحظ منها إلا بنظرات متبادلة مع آدم وشحنة من التعاطف مع حياة وبناتها، لتنتهي الرواية بمشهد خروجهم من قاعة المحكمة، مرددين كأننا عشرون مستحيل.. في اللد والرملة والجليل.. الخ، مشهد يؤكد على التحدي، رغم كل عوامل القهر الممارسة في حقهم ورفضهم المطلق، للرضوخ لنهج المحتل الهادف إلى إذلالهم والنيل منهم، هذا التحدي كان واضحا وضوح الشمس على مساحة الرواية كلها وفي كل محطات الصراع فيها، حتى لمست في لحظات بعينها، أو انتابني إحساس، بأن الكاتبة في اندفاعها العاطفي، خلف الفكرة التي تؤمن بها وتريد إيصالها، مختبئة بين السطور وكأنها هي من تكلمني وليست حياة ، خصوصا حين تقول: “الكتابة، هذا الوجع السرمدي، صارت لي بطاقة هوية أفتخر بها وأجدها وسيلة للبحث عن الذات، فقد أتاحت لي المجال لطرح العديد من الأسئلة الوجودية”. وفي موضع آخر تقول: كم كنت ممتنة للتجارب الحياتية، التي نشلتني من قاع العجز والهزيمة، حررتني من الإحباط وسلحتني بالقوة على المواجهة لتحقيق حلم حياتي.
لا أدري إن كان هذا الإحساس حقيقيا وصادقا، أم زائف مخادع، كون الكاتبة أنثى وبالتالي اللاوعي الذكوري المترسخ فينا، يسقط كل ما نقرأ على الكاتبة.
كذلك جاءت اللغة شاعرية بكل ما تعني الكلمة، بل تكاد ترى أمام ناظريك قطعا من قصائد نثرية، أكثر من كونها سرد روائي، لا يحتاج إلى كل هذا الإثراء اللغوي، ” حبي لآدم ما كان زلة قدم أو قدر ولا كان وعكة عاطفية كما ادعى البعض، إنما هو قدري الأجمل”، خصوصا أن مضمون الرواية، فيه من القسوة والجور ما لا يستدعي كل هذه الشاعرية في اللغة، بمعنى أن الكاتبة الزمت نفسها لزوم ما لا يلزم، بل حتى أفاضت في بعض الأحيان، فأوردت قصائد كاملة وأحيانا مقطوعات من قصائد لشعراء آخرين كنوع من التناص الأدبي مثل عدنان الصائغ ومحمود درويش وأمثلة ومقولات لكتاب عرب وفلسطينيين مثل غادة السمان وأنيس منصور وألبرت هوبارد وتشرشل، بالإضافة إلى التناص الديني الذي كان حاضرا بقوة، على مساحة الرواية كلها، إضافة إلى الرؤى الفلسفية والكثير من الأسئلة الوجودية التي هي أحد أهم ركائز الرواية .
في الختام نحن أمام رواية متكاملة الأركان، تفضح زيف الدعاوي، التي يطلقها الاحتلال عن التعايش والديمقراطية ويبرز حقيقة الحياة المأساوية، التي يعيشها شعبنا تحت سطوة ذلك الواقع العنصري اللعين بكل تجلياته، بلغة شاعرية شفيفة وبتكنيك كتابي يدلل على قدرة الكاتبة وسعة اطلاعها المتجلي، في الكثير من التناصات الأدبية والفكرية والدينية وحتى الأمثلة والمأثورات الشعبية ويثري المشهد بروائية قديرة، تملك كافة أدوات التميز والإبداع.