نصوص

غزة.. مدينة الحب والحرب

مدينة الحب والحرب

بقلم: هديل عاطف عوض

مراجعة: فريق التحرير

مدينتي الجميلة، مدينة العظماء، غزة التي نحب.
أنا هديل، فلسطينية الهوى والهوية، مقيمة في قطاع غزة، ولا تزال ذاكرتي ممتلئة بالكثير من الأوقات الجميلة التي قضيتها في مدينتي قبل اندلاع الحرب. أهم ما يميزها هو بحرها، الذي يعد المنفذ الوحيد لآلام شعبنا في غزة. صحيح أننا تحت حصار منذ سنوات طويلة، وغزة مكتظة بالسكان، لكن البحر كان دائمًا الملاذ الذي يهوّن علينا الحياة. “البحر وقعدته اللطيفة مع كاسة شاي وقعدة على الرمل بتسوى الدنيا كلها.”

مقالات ذات صلة

لا أنسى شوارعها التي كنا نتجول فيها، كشارع الرمال وشارع البحر، حيث كانت مليئة بالحيوية والطاقة. وفي أجواء الشتاء، كانت الأضواء والحيوية تملأ الشوارع.

غزة، ربما لا تكون الأجمل أو الأغنى على مستوى العالم، لكنها في عيوننا هي الأجمل والأغنى بأناسها الطيبين، وأماكنها الغنية بالذكريات والمشاعر الطيبة ومشاعر التمسك بالوطن.

غزة ما قبل الحرب
كانت تحتوي على العديد من الأماكن التي تعني لي الكثير، وكنت أعتبرها كبيت يحتضن راحتي. كان لدينا أماكن نحب زيارتها ونقضي فيها أجمل الأوقات. أماكن كالمكان المفضل لي، والذي كنت أزوره مع صديق مميز، تاركين فيه ذكرى جميلة. لكن الحرب لم تبقِ أي مكان لنا. قصفت كل شيء، حتى ذلك المكان المفضل دُمر بالكامل. لم يعد لنا مكان، وحتى الأصدقاء الذين كانوا يذكروننا بهذه الأماكن، معظمهم استشهدوا ولن نراهم مجددًا.

عملي في المستشفى
كنت أعمل ممرضة طوارئ في مجمع الشفاء الطبي. أحببت عملي كثيرًا، وكنت أذهب إليه بشغف كل يوم. كنت أقابل المرضى بابتسامة لطيفة تخفف عنهم آلامهم، وأسمع منهم دعوات كانت تمنحني القوة.

المستشفى، الذي من المفترض أن يكون محميًا بالقوانين الدولية وفقًا للمادة رقم “18” في اتفاقية جنيف الرابعة، التي تنص على أنه “لا يجوز بأي حال الهجوم على المستشفيات المدنية”، تعرض للقصف وسوّي بالأرض. هذا المكان، الذي شهد على ضحكاتنا وأيامنا الممتلئة بساعات العمل الشاق والإنجازات، أصبح ذكرى أليمة تشهد على الاعتقال والقتل والتشريد.

لا أعلم كيف ستكون مشاعري عند عودتي للمكان الذي شهد الحالتين: الإنجاز والضحك مع الأصدقاء، والموت والدمار.

المشفى قبل الحرب
كان ذا مبانٍ جميلة، تسر الناظرين. احتوى على العديد من الأقسام وكان يجمع المرضى من شمال القطاع إلى جنوبه، إلى جانب الأطباء والممرضين الذين كانوا يعملون بشتى الطرق للتخفيف عن المرضى.

قبل الحرب، كان العمل في المستشفى ولمّة الأصحاب والزملاء من أجمل ما يكون. أما الآن، فقدنا كل شيء، بدايةً من المستشفى الذي دُمر بالكامل، وصولًا إلى فقدان ثمانية من الأصدقاء والزملاء واحدًا تلو الآخر. الاحتلال دمر أحلامنا، وأخذ منا وجه الأصدقاء الحنون.

الأماكن الأثرية والمعالم الدينية
لم تسلم من الحرب حتى أماكننا الأثرية. لا أنسى ذكرياتي في المسجد العمري، الذي بلغ عمره أكثر من 1400 سنة. ولن أنسى طعم المخبوزات التي كانت تباع أمام هذا المسجد.

ناقوس الإبادة والحرب لم يكتفِ بالقتل، بل امتد إلى تدمير معالم غزة الدينية والاجتماعية والثقافية، سواء المساجد أو الكنائس. للأسف، لم يعد أي من هذا موجودًا.

غزة الآن
مدينتي، “مدينة الحياة”، أصبحت الآن مدينة للأشباح، الشهداء، الجرحى، الحروب، والدمار. كل شيء تلاشى، حتى المدينة نفسها أصبحت غريبة علينا.

اليوم، وبعد أكثر من 420 يومًا، ما زلنا أحياء وما زال للحلم بقية. نعيش وسط الخيام، بوجهة ضبابية، لا ندري أين نتجه.

كان لنا مدينة وأصدقاء ومقهى على زاوية الطريق، كالمنارة التي تراقب غروب الشمس كل يوم. كان لنا مسجد وجامعة ومدرسة ومؤسسة وملعب. كنا نسمع الأذان، ونعيش صباحًا بخيوط ذهبية نقية.

في المساء، كان البحر يستقبلنا بانعكاس السماء، وبائع القهوة وخيمة نورها خافت إلى الصباح. في مدينتنا، كان الحلم يكبر كل يوم. طفل يلعب في أزقتها، وشيخ على قارعة الطريق يستقبل السلامات، وامرأة تجهز ابنتها عروسًا، وشاب يخرج إلى عمله، وطلاب يذهبون إلى المدارس.

الآن، تشرد الأصدقاء، واستشهدوا. دُمر المسجد والجامعة والمدرسة والمقهى. لم تشرق الشمس في غزة، وكأنها القيامة. قُتل بائع القهوة، واسودّت رمال الشاطئ، وأُغتيل الحُلم.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى