الرفض المصري لمخططات تهجير الفلسطينيين.. قراءة في المواقف والتوجهات

بقلم: وليد المصري – إعلامي وكاتب فلسطيني
ليس من المستغرب هذا الكم الكبير والتتابع في التصريحات والمواقف المصرية الرسمية والشعبية، التي تؤكد رفض جمهورية مصر العربية للمخططات الإسرائيلية الرامية إلى تهجير الفلسطينيين من أرضهم، إذ إن مصر بحكومتها المتعاقبة وشعبها، وقفت بحزم وقوة أمام مخططات التهجير كافة، وسجَّلت مواقف ثابتة في الانحياز لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وهي مواقف تعتبر امتداداً لتاريخ طويل من التضامن مع القضية الفلسطينية التي اعتبرها المصريون دوماً قضيتهم، وجزءاً أصيلاً من وجدانهم.
الحقيقة أن تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، التي قال فيها إن “مصر ترفض بشكل قاطع تهجير الفلسطينيين؛ حفاظاً على وجود القضية الفلسطينية ذاتها”، تجعلنا ندرك جيداً أهمية الدور المصري التاريخي والمستمر في حماية جوهر القضية الفلسطينية من التصفية والاندثار، وتأتي في وقت حرجٍ جداً، سيما بعد خطة مثيرة للجدل أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تفضي إلى تهجير الفلسطينيين إلى مصر والأردن بحجة أن إعادة إعمار غزة الذي دمرته “إسرائيل” على مدار 471 يوماً متواصلاً من أكبر إبادة جماعية يشهدها التاريخ الحديث، ستكون أسهل مع خلو السكان، وهي ذريعة “مقززة” ومحض أكاذيب، وقتلت “إسرائيل” أكثر من 60000 مواطن فلسطيني في غزة، وأصابت مئات الآلاف بجروح متفاوتة، معظمها تسبب بإعاقات دائمة للمصابين، ودمرت ما نسبته 80% من قطاع غزة، وأعادت القطاع المحاصر منذ أكثر من 17 عاماً إلى ثمانينات القرن الماضي.
وفي السياق ذاته، تأتي تصريحات رئيس مجلس النواب المصري حنفي جبالي، حيث حذَّر من “أي ترتيبات أو محاولات لتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، فذلك يمثل خطراً جسيماً على أمن واستقرار الإقليم”، مؤكداً أن “هذه الأفكار تتجاهل تماماً الحقيقة الراسخة بأن القضية الفلسطينية ليست مجرد قضية سكانية أو نزاع جغرافي بل قضية شعب يناضل من أجل حقوقه التاريخية والمشروعة”، كما أعرب الأزهر الشريف عن رفضه القاطع لكل مخططات ومحاولات تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، بعد الفشل الإسرائيلي في سلب أرض غزة الفلسطينيَّة، وما شاهده العالم لأكثر من 15 شهراً من جرائم ومذابح لم يُعرف لها مثيل في التاريخ الحديث.
ولكن ردود الفعل المصرية حول تصريحات ساكن البيت الأبيض الذي رجع إليه من جديد، ما هي إلا إعادة تأكيد على مواقف القاهرة الثابتة والمبدئية، إذ إن الرئيس السيسي عبَّر مبكراً عن تلك المواقف، بعد 10 أيام فقط من اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر، حيث قال إن “ما يحدث في غزة ليس توجيه عمل عسكري ضد التنظيمات المسلحة، ولكن محاولة لدفع السكان المدنيين إلى اللجوء والهجرة إلى مصر”، وهذه إشارة واضحة على الوعي المصري بالمخططات الإسرائيلية، وإدراك أبعاد السياسات الخطرة، وما تشكله من تهديد للأمن القومي العربي بشكل عام، من خلال إحداث تغيير ديموغرافي في المنطقة.
ولا تقف المواقف المصرية بخصوص مسألة التهجير عند حدود الأقوال، بل تتجلى تلك المواقف عملياً على أرض الواقع، وتُترجم إلى خطوات ملموسة من خلال الجهود المصرية الحثيثة لإعادة فتح معبر رفح بأسرع وقت ممكن؛ لتخفيف معاناة الفلسطينيين، وضمان حرية حركتهم، وتجهيَز المستشفيات المصرية لاستقبال الجرحى والمصابين الفلسطينيين، كما أفاد بذلك وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، إضافة إلى دور القاهرة الأساسي والمركزي في تسيير قوافل المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة رغم كل التحديات اللوجستية، أو العراقيل التي يضعها الاحتلال.
أما على الصعيد الدبلوماسي، فشهدنا على مدار أيام الحرب، عقد اجتماعات مصرية مكثفة عربياً ودولياً؛ لحشد الدعم الدولي لإيقاف حرب الإبادة على غزة، ولعبت دوراً محورياً مع قطر في الوساطة من خلال تقديم مبادرات وأفكار عملية لوقف العدوان، وهو الأمر الذي أفضى في النهاية إلى الوصول لاتفاق وقف إطلاق النار في مرحلته الأولى، ووضع إطار نحو المرحلة الثانية، وتحقيق الهدوء التام ووقف الحرب بشكل نهائي.
وبالرغم من أهمية الوساطة، لا يتوقف دور القاهرة عند ذلك الحد فحسب، بل يُعدُّ دورها الأساسي والأكبر كونها البوابة والقلعة الأولى للفلسطينيين في غزة نحو التعافي من آثار العدوان، ويمتد هذا الدور إلى معالجة الصراع من جذوره، فهي تؤمن أنه لا أمان ولا استقرار في المنطقة إلا بحل شامل وعادل للقضية الفلسطينية، وكما أنها ترفض مشاريع التهجير كافة، فهي كذلك ترفض الحلول الجزئية التي لا تلبي تطلعات الفلسطينيين وآمالهم في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وحقوقهم التي لا تقبل التصرف في العودة وتقرير المصير، وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.