ثقافةملفات اليمامة

باحثون يقدمون قراءات في قصيدة “بيتا” للشاعر عبد الناصر صالح

بإشراف الناقد الدكتور زاهر حنني

بإشراف الناقد الدكتور زاهر حنني.. باحثون يقدمون قراءات في قصيدة “بيتا” للشاعر عبد الناصر صالح

قراءات في قصيدة “بيتا..” للشاعر عبد الناصر صالح

بيتا ..

شعر : عبد الناصر صالح

بيتا تَخْتَصِرُ التّاريخَ وَتَكْتُبُ أمْجادَ الأُمّةْ

حَبْلٌ سُرّيٌّ يمتدُّ مَجازاً في عُمقِ الزّيتونِ

وبَوْصَلةُ الأَحْرار إلى القِمّةْ ..

ورجالٌ صَدَقوا النّيّةَ

حينَ افْتَرَشوا الجَبَلَ رَبيعاً

واقْتَلَعوا نابَ المُحْتَلِّ وَسُمَّهْ ..

بورِكَتِ الأيْدي وَحِجارَةُ سِجّيلْ

بورِكَ مَوْجٌ يزْدانُ صُقوراً وأَبابيلْ

وَبورِكَتِ العُزْوَةُ واللّمّةْ ..

بيتا تَنْسِجُ وجْهَ الَفَرَحِ صباحاً وَتُزيلُ الغُمَّة

فَلْتَحْيا وحْداتُ الإرْباكِ اللَّيليِّ

ووحْداتُ الإسْنادِ المَيْدانِيِّ

ووحداتُ التّمْكينِ النَّحَويِّ

وكلُّ هُتافٍ يَتَعالى

يَبْعَثُ في الرّوحِ الهِمّةْ ..

وَلْيَخْسأْ كُلُّ سَماسِرَةِ الأرْضِ

ومنْ باعوا بالمَنْصِبِ والدّولارِ

العُهْدَةَ وَالذِّمّةْ ..

فانْتَظِري يا عَمّةْ

المَوْعِدُ في باحاتِ القُدْسِ

وللفَجْرِ تَتِمّةْ

للعُمْرِ تَتِمّةْ

للعُرْسِ تَتِمّةْ

فانتَظِري يا عَمّةْ

انتَظِري يا عَمّةْ

انْتَظِري

يا

عَمَّةْ ..

طولكرم – فلسطين

مقدمة:

عندما يهيم الشاعر في ريعان قصائده، ويكتب بمداد روحه، تنبثق رؤاه المشرئبة إلى قمة الهوى والعشق الأزلي، يختصر المسافات، ويرتق همهمات الزمن، ويعجن ثيمة ذاته مع أبعاد روحه، ويستخرج من أعماقه عصارة فكره، وانتمائه؛ ليقول: أنا أنتمي فأنا موجود.

عرفنا الشاعر عبد الناصر صالح في مسيرته الشعرية مجتهدا في الوصول إلى أبعاد فنية يبني جمالياتها بطريقة مخصوصة، وقد مر شعره بمراحل تطورت خلالها تطورا جماليا، استطاع أن يترك بصمته محفورة في ذاكرة قرائه، وها هو يخرج علينا مؤخرا بهذه القصيدة.

يبدو أنه لا يمكن تجاهل بعض ما يحيط بالنص، عند قراءته، وما زالت مقولة (موت المؤلف) لم تقنع كثيرين، وما زال نبض المبدع حاضرا برغم كل ما يقال.

هذه مقالات أعدها عدد من طلبة ماجستير اللغة العربية وآدابها في جامعة القدس المفتوحة، وأشرفتُ عليها، ووجدتُ أنها تفتح آفاقا جميلة لقراءة النص وفق رؤى حداثية، وخصوصا أن القصيدة المختارة وهي قصيدة (بيتا) للشاعر الفلسطيني عبد الناصر صالح، عميقة. ورأى طلبتي أن فيها إبداعا من نوع خاص، كما رأوا أنها يمكن أن تُقرأ في مناهج نقدية حديثة متعددة، وكل واحد منهم قرأها وفق ما اعتقد أنه منهج يسافر في آفاق النص، ويسبر أغواره، ويستخرج درره. فكانت هذه القراءات.

د. زاهر حنني/ أستاذ النقد الحديث

 

قراءة أسلوبية في قصيدة “بيتا” لعبد الناصر صالح

إعداد: عباس مجاهد

القراءة العمودية للألفاظ “المحور الرأسي”

اختار الشاعر عبد الناصر صالح أفعالا مضارعة في قصيدته: (تختصر، تكتب، تمتد، يزدان، تزيل، يبعث، يخسأ…) دون غيرها من البدائل اللغوية في المعجم العربي لارتباط هذه الأفعال دون غيرها باعتبارات سياقية ونفسية، فهذه الأفعال لعبت دورا في تشكيل النص إلى جانب الوحدات الفعلية الأخرى والاسمية، فإذا تأملت هذه الأفعال في سياقها والمجاور لها تجد وفرة الدلالات فيها:

ولتوضيح الفكرة؛ نأخذ الفعلين (تختصر وتكتب)، إن فعل الكتابة يحافظ على الهوية، والأمجاد إن كتبت تحفظها الأجيال وتصبح جزءا من موروثها، ولم يختر مثلا البديل “ينسخ” فهو فعل ما بعد الكتابة الأولى، فالكتابة فيها ميزة تقريرية دالة دون تثمين مصطلحات الجمال وتثمين جمالي للأجناس الأدبية وما فيها من أخيلة، فالفعل الكتابي ينقل التاريخ الذي اختصره المكان الفاعل والمقاوم (بيتا).

وجاء الفعل يختصر ليطمس مراحل تاريخية كاذبة، فبيتا هي المؤرخ الحقيقي التي تكتب ما يراد أن يكتب وتمحو ما وجب أن يمحى لهذا لم يقل الشاعر البدائل الأخرى، يحذف، ويمحو …

الصورة التقابلية

مما يلفت النظر في القصيدة البناء التقابلي بين: الفريق الأول: (وحدات الإرباك الليلي، وحدات الإسناد الميداني، وحدات التمكين النحوي)

والفريق الثاني: (سماسرة الأرض، من باعوا بالمنصب والدولار العهدة والذمة)

وهذا البناء التقابلي هو رسم لمشهدين من خلال وعي دقيق وهو علمه أن الحياة تقوم على ثنائيات؛ فالمشهد الأول هو مشهد المقاومة الذي يفترش الأرض ربيعا، بعد أن اقتلع ناب المحتل وسمه، وبيد صقوره وأبابيله الحجارة، يهتفون بصوت عال ضد كل معتد، والمشهد الثاني هو مشهد الفساد، مشهد من باعوا الأرض وطلبوا المناصب، ولا حافظوا على عهد أو ذمة.

وقد حرص الشاعر في هذين المشهدين من خلال الجزء الفلسطيني بيتا أن الفلسطيني يسعى لتحقيق هدفين: الأول أن ينسج الفرح المتمثل بالانتصار، والثاني أن يزيل الغمة بطرد الاحتلال.

المشهد الدرامي

من السهل أن تتحول القصيدة إلى مشهد درامي وسينمائي، فالنص فيه كثير من الأحداث التي ترسم أفقا للقارئ أو السامع، وهذا النص يحمل وظيفة تشويقية منذ الاستهلال، يقول: (بيتا تختصر التاريخ وتكتب أمجاد الأمة) وهذا الاستهلال يجعل القارئ يتساءل ماذا حققت بيتا؟ وماذا تكتب؟ وهذا الاستهلال يقود أن هناك أحداثا حاصلة في هذا المكان الطاهر.

ولاحظ الأفق المكاني المتعدد في النص: (بيتا، يمتد مجازا في عمق الزيتون، باحات القدس) والنص وما فيه من أخيلة تصويرية تتماهى مع الأحداث، ومما ساعد في بلورة هذه المشاهد أنها لا تحوي بطلا محددا، فالبطل الحقيقي هم المقاومون من الأحرار السالكين تجاه القمة، والرجال الذين صدقوا النية، والصقور والأبابيل، ووحدات الإرباك، ووحدات الإسناد، ووحدات التمكين…)، واللافت للنظر في المشاهد الدرامية المشهد الرومانسي المشبع في الشوق نهاية القصيدة (للعرس تتمة فانتظري يا عمة)، وهذا عمل على مضاعفة التأثير والإثارة في عناصر الحدث الدرامي.

الدلالة العَلمية للمكانين (بيتا والقدس)

أصبح المكان بيتا دالا على كل فلسطين في القصيدة، فهي جزء لا يتجزأ من فلسطين، فارتباط الفلسطيني في بيتا التي تكتب الأمجاد وتقارع المحتل وتمتد بحبلها السري لتعانق كل زيتون فلسطين زيادة في الامتداد والولادة.

وبيتا جعلت من تحركها بوصلة لتحدد كل اتجاهات الوطن وجغرافيته، وأينما سارت اقتلعت المحتل وسمه، وزرعت بدلا منه حبلا سريا ليلد الزيتون، ولا عزوة دون خروج، ولا عزوة دون لمة، قال: (بوركت العزوة واللمة) وطريقها للقدس، البوصلة الحقيقية لكل الأحرار لما لهذا المكان من قدسية عند كل فلسطيني حر.

الصورة الذهنية

هناك صور لا يستطيع القارئ أن يجد لها واقعا ماديا في الفضاء الفيزيائي الذي يعيش فيه، ولكنها امتازت بقدرتها على إثارة الخيال، وصالح استطاع الخروج عن المألوف وحمل نصه تأويلات عدة، وهذا الخروج عن المألوف انسجم مع سياق القصيدة، ليشكل لوحة ذهنية تحاكي مشاهد واقعية، يقول:

(حبل سري يمتد مجازا في عمق الزيتون) فمتى كان حبل سري للزيتون؟!، ويقول:

(بيتا تنسج وجه الفرح) فمتى كان وجه للفرح؟!، ويقول:

(ويبعث في الروح الهمة)، ومتى الهمة تبعث في الروح؟!

وأقول: إن هذه التراكيب شكلت صورة ذهنية أيقظت الوعي الجماعي، وشرعت لبناء مشهد دلالي فمرة يقوم على مشهد الثبات المتمثل في الحبل السري الممتد في عمق الزيتون، ومرة يقوم على تشخيص وتجسيم الفرح، ومرة يقوم على استنهاض الشجاعة الفلسطينية.

التنويع في مصادر الأصوات

عدا الصوت الشعري تعددت الأصوات في النص ليمنح السياق إحساسا مثيرا وليزداد التكامل الإيقاعي، لدينا (صوت الموج، هتاف يتعالى، يا عمة) وهذا في رأيي شكل ثلاثية صوتية؛ صوت الطبيعة المتمثل بالموج، وصوت الفسطينيين المتمثل بالهتاف، وصوت الشاعر المتمثل يا عمة، والقارئ النهم يلمح أن هذه الأصوات تحمل دعوة باطنية خفية يطلب فيها الشاعر التحرك صوب القدس حيث الموعد واللقاء، يقول:

الموعد في باحات القدس

وللفجر تتمة.

القافية

لاحظ الإيقاع الذي أحدثته الهاء الساكنة المسبوقة بالميم المفتوحة: (الأمة، القمة، سمه، اللمة، الغمة، الهمة)، فهذا الإيقاع تشكل من تردد ثلاثة أصوات الميم والقتحة والهاء الساكنة، فصوت الميم حقق إيقاع الغنة، وهي تملك تأثيرا نفسيا مائزا حين تعالقها مع الهاء الساكنة، ففيهما نغم شجي تعشقه الأذن، وجاء الشاعر بهذه القافية ليزيد المعنى تطريبا وتشجية، كما يمتلك صوت الميم خاصية الامتداد إلى ما يجاوره من أصوات يلونها بنغمته الموسيقية إلى جانب ما فيه من خفة ورشاقة.

إيقاع الحروف

تردد الحرف لا يشكل إيقاعا إلا إذا اتسم بسهولة النطق، وأحدث طربا في السامع، وأثار أحاسيسه نحو المعنى المقصود، وأحسن صالح في توزيع حروفه لتحقيق نغمات متعددة صاعدة ودافعة ومقبولة، فالحروف المكررة والموزعة باحترافية أوجدت علاقة حميمة بين الصوت والمعنى أولا، ولا يستطيع واحد أن يلمح ذلك إلا إن أحس بالإيقاع.

وحرف صالح لا ينهض بوظيفة دلالية بعيدة عن السياق، فلاحظ تكرار حرف السين في الكلمات: (تنسج، يخسأ، سماسرة، للعرس…) فيها إيقاع صفيري ومما ساعد على انبثاقه وجود أصوات التفخيم المجاورة في إيقاع تقابلي له في أصوات الصاد والضاد والظاء: (صباحا، الأرض، فانتظري)

وظيفة التكرار

كان التكرار في القصيدة وثيق العلاقة بالبناء اللغوي، فهو واحد من الأدوات الفنية الأساسية في النص الشعري عند صالح، فحقق دورا في خلق الجانب الإيقاعي، وهو في القصيدة لغة انفعالية وأثار انفعالات لا تحصى، سواء من خلال تكرار الكلمة “وحدات” أو المنادى “يا عمة” أو فعل الأمر “انتظري” وكان كل المكرر ارتباط بمعنى السياق، وكان عنصر مركزي في بناء النص الشعري.

وإن المشاعر المسيطرة دفعته إلى تكرار الكلمة ولو لم يكررها لما نقلت تجربته العميقة وإحساسه بالأمل المنتظر وهو الموعد في باحات المسجد الأقصى.

وفي النهاية: لا يتساوى القراء في مسألة الإثارة، فكل قارئ يستوقفه تعبير ما، ويرى فيه أسلوبية دالة يستدل بها على شعور المبدع، وكل قارئ يتأثر بطبيعته ومزاجه، وحاولت في هذه القراءة تفجير بعض الطاقات في القصيدة، وأرى أن صالح قادر على توليد أساليبه وتشكيل لغته للتعبير عن أحاسيسه ورؤاه، بأساليب ذات أبعاد دلالية وإيحائية.

 

قراءة سيميائية في قصيدة (بيت) للشاعر عبد الناصر صالح

إعداد: عالية دار الشيخ

تعددت الإشارات وكثرت الرموز في شعر عبد الناصر صالح، كونها تكنّ دلالاتٍ وأبعاداً أعمق من معانيها السطحية، ولا شك أن السيميائية لها دور في الكشف عن هذه المدلولات.

أولاً: سيميائية المكان:

عني عبد الناصر بالمكان أشد عناية، ولا ريب أن ذلك ظهر من خلال لفظته الأولى في قصيدته (بيتا)، فبيتا هي بلد الصمود والتحدي والمقاومة، ورمز المواجهة والنضال، فهي خط الدفاع الأول عن نابلس، برز ذلك في الانتفاضة الأولى، حيث ظهرت بيتا بشكل كبير بين البلدان التي ناضلت ضد المحتل بالحجارة. والتفت الشاعر إلى مكان آخر في القصيدة بذكر(الجبل)، فهو لا يعني أي جبل، بل يقصد جبل العُرمة الذي يعد أعلى جبل في نابلس، والذي يدل على رمزية وأصالة الأرض الكنعانية، فاتخذه المقاومون حصناً للدفاع عن بيتا وفلسطين.

أما ذكر الشاعر للقدس فكان للربط بين طهارة وقداسة المقاومة والنضال، فهي أرض العهد واللقاء، وتحريرها يعني تخليص فلسطين ومدنه وقراه من كل مدنس ومحتل.

ثانياً: سيميائية التناص:

إن للتناص وتعدده في الشعر أبعاداً ومدلولات تؤكد على فكرته، فالتناص الديني في القصيدة جاء منسجماً مع مضمونها، فهي تتحدث عن المقاومة والثورة في وجه المحتل، ولا ريب في أن المقاومة بحاجة لرجال لا يهابون الموت، صادقين وأوفياء، يسيرون على العهد الذي قطعوه دون تراجع، فعندما وصف الله تعالى الصحابة رضوان الله عليهم قال عنهم: “رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه”، فاجتمع في الصحابة رضوان الله عليهم صفات الرجولة والإيمان، والشاعر عندما وصف المقاومين قال عنهم: رجال صدقوا النية، فأهل بيتا رجال أخلصوا نيتهم في الدفاع عن فلسطين، فالذي يجرؤ على الاقتراب من المحتل واقتلاع نابه وصل إلى نقطة الصفر في المواجهة، ولهي علامة على شجاعتهم وقوتهم.

وظهر التناص في موضع آخر في القصيدة في قوله: بوركت الأيادي وحجارة سجيل، بورك موج يزدان صقوراً وأبابيل، فحجارة السجيل والطير الأبابيل التي تساند المقاوم الثائر لهي نفسها الحجارة والطيور التي نصرت الكعبة، وحمت بلاد الله الحرام، فالحجر وإن كان بسيطاً فهو عذاب للمحتل، فكل شيء يساند المقاوم، هي عزوته التي تشد على أيديه.

ثالثاً: الرموز:

نوع الشاعر في ألفاظه ومستوياته إلى أن وصلت حد الرمزية، ففي قوله: حبلٌ سريٌّ يمتد مجازاً في عمق الزيتون، لخص بها أهمية بيتا بالنسبة لغيرها، فهي التي تمد المدينة بالغذاء والمقاومة، فمن دونها لكانت احتلت نابلس سريعاً، فهي أرض المقاومة والعز والمجد والنضال، وهي بوصلة الأحرار، كون البوصلة تدل على صدق الاتجاه، فبيتا بوصلة للثوار والأحرار، فالمقاومة هي القرار الصحيح الذي لا يخطئ أبداً، وهي السبيل الأكيد لتحرير الأرض. أما عندما استخدم الشاعر مصطلح سماسرة الأرض فقصد بها من باعوا الوطن وسهلوا الطريق، وتنازلوا عن بلادهم بخيانة وطنهم، فهم عبيد المنصب والدولار، يسعون جاهدين خلف مصالحهم الشخصية على حساب وطن لا يستحقوا العيش فيه ما داموا لا يحافظون عليه ولا ينتمون إليه، فضيعوه مقابل بضع دولارات خسيسة.

ولعل انتقال الشاعر للحديث عن القدس له مدلولات عميقة، فهو يتحدث عن الموعد في باحات القدس، وأي موعد سيكون غير موعد النصر؟ فحق للموعد وللتحرير أن يبدأ من القدس، ليكون التحرير صادقاً وطاهراً ومقدساً.

رابعاً: اللغة:

جاءت لغة الشاعر سهلة سلسة بسيطة وغير معقدة، لتساهم في إيصال المعنى بصورة تجعله راسخاً في الذهن، فاستخدام ألفاظ الفخر عند الحديث عن مجد الأمة ورفعتها ينسجم مع ذكر أهل بيتا، فهم أهل العز والفخر، ومقاومتهم سبب في علو مكانتهم وعزتهم، وكانت ألفاظ المقاومة والصمود سبب في هذه الرفعة والمكانة العالية للمقاومين، ولا شك أن لألفاظ التفاؤل والأمل دور كبير في شحذ الهمة، والدعوة إلى الاستمرار في الجهاد، لأن هذه الألفاظ تبعث في النفس الراحة والطمأنينة، والإصرار على التحدي، ورفض المحتل ومن والاه، الذين استعمل لهم الشاعر ألفاظ ذات مدلولات تقلل من شأنهم إلى مستوى الخسة والذل والهوان.

خامساً: سيميائية الحركة:

للحركة أشكال مختلفة، وكل نوع منها له مدلول خاص يوحي به، فالحبل السري حركته متعرجة، قابلة للاستقامة والالتفاف، وعند تصوير بيتا بالحبل السري، يدل ذلك على أنها تصل نابلس بطريق رئيس مستقيم، وطرق أخرى التفافية، وهذه الحركة يقررها أهل بيتا في مواجهتهم للاستعمار. وتدل حركة افتراش الجبل بالربيع على سعة ومد النظر وطوله، فحجم التفاؤل الذي يغمر المقاومين باسترجاعهم الأرض وزهوها لا حدود له.

وحركة المحتل واقتلاع نابه، هي حركة السحب، التي توحي بشدة الحدث وانفعاله، وجاء ذلك منسجماً مع هدف الثائرين، وهو القضاء على المحتل بطريقة تزيد من شدة إيلامه، نتيجة للظلم والقهر الذي تعرض له أهل بيتا، واضطراب الأحداث الأخرى بسكونها تارة وتحركها تارة أخرى كالموج الذي يغضب تارة ويهدأ أخرى، فإن غضب لم يترك شيئاً أمامه إلا وسحبه، وهكذا حركة الثوار، إقدام وضرب وإحجام.

سادساً: سيميائية الألوان:

لم تظهر الألوان بدوالها المباشرة، لكن ألفاظها ومعرفة مدلولاتها كانت إشارة إليها، وفهماً لمعانيها، وجاءت في سياقات تنسجم مع ما وضعت له، فافتراش الجبل بالربيع يدل على اللون الأخضر، وكذلك الزيتون، فاللون الأخضر من مدلولاته التفاؤل والحرية والإنعام بحياة هنيئة، وراحة نفس وطمأنينة، وهذا ما يطمح إليه المقاومون في بيتا، أما وقت الفجر والصباح، فلونهما أبيض، واللون الأبيض يوحي بالاتساع والصفاء والنقاء، ونيل الحرية والتخلص من المحتل لهو هدف نقي أبيض، يدل على طهارة صاحبه، ويمحو الأرض من اللون الأسود، وهو ظلم وقهر المحتل.

دلالات البنيات في قصيدة (بيتا) لعبد الناصر صالح

دراسة تحليلية وفق المنهج البنيوي

إعداد: محمد دقة

يمكن تقسيم النص إلى مجموعة من البنيات، ولكل بنية دلالاتها التي تعكس عمق النص وأثره في المتلقي، كما تعكس قدرة الشاعر وتمكنه من تطويع مفردات اللغة وإبراز دلالات جديدة تخدم أفكاره.

تسبح القصيدة في فضاء عام يسوده الفخر والنشوة من الحالة النضالية للشعب الفلسطيني عموماً، وفي قرية بيتا خصوصاً، إذ إن المقاومة الشعبية التي سطرها الشعب الفلسطيني في هذه البقعة من الوطن الفلسطيني مدعاة للاعتزاز والبهاء، لأنها لجمت، وما زالت تلجم، الاحتلال عن الاستيلاء على جبل البلدة وبناء مستوطنة قميئة عليه.

فأما عنوان النص “بيتا” فيمثل البنية الكبرى التي تضم جميع البنيات الأخرى لتشكل معها الفضاء العام المكوّن للنص، فيسيطر على الحالة الذهنية للمتلقي ويبقي وعيه في إطار البنية الكبرى، ويتمثل ذلك من خلال الدخول القوي والصريح إلى نتيجة النص والغرض من إنتاجه: “بيتا تختصر التاريخ وتكتب أمجاد الأمة”.

ومن البنيات الواضحة التي دل عليها النص، بنية فضاء النضال والمقاومة والصمود والانتصار في هذا المكان، وكسر شوكة الاحتلال، وهذا الفضاء يضم فضاء آخر، وهو فضاء الرجال المقاومين الذين صدققوا النية فافترشوا الجبل ربيعاً، وكانت أيديهم تضرب بحجارة من سجيل، لأنهم صقور وطيور أبابيل كما يرد في النص.

بنية الصورة: استند النص على صور شعرية مدهشة شكلة في مجموعها لوحةً بديعةً عكست مدى أهمية الفعل المقاوم، ومدى الفخر الذي يشدو به الشاعر وكل فلسطيني. فعلى سبيل المثال، يستخدم الشاعر مصطلح “العُزوة”، والعُزوة والعِزوة في المعجم هي الانتساب إلى قوم والاعتزاز بهم فيكونون سنداً له، وفي النص هؤلاء المقاومين هم عزوة الشاعر كما أنهم عزوة الوطن، وشباب الوطن من كل المدن والبلدات هم عزوة وسند أهالي “بيتا” لأنهم يأتون من بلدانهم باستمرار لممارسة النضال والمقاومة والشد من أزر أهالي “بيتا”، ويدل على ذلك استخدامه مصطلح “اللمّة” الذي يدل فيما يدل على لمّة الأهل، وهنا هم أهل “بيتا” رجالاً وشيوخاً ونساء، فتكون أشبه بلمّة العائلة والهدف واحد، هو الاتحاد في المقاومة .

كما استخدم الشاعر، بكثرة، الصور البلاغية التشبيهية والاستعارية التي زخر بها النص مثل: “افترشوا الجبل ربيعاً” و”موج يزدان صقوراً وأبابيل” و”تنسج وجه الفرح الفرح صباحاً وتزيل الغمة”، بالإضافة إلى استخدام الثنائيات مثل: “عمق الزيتون والقمة” والمقابلة والموازنة بين حالة النضال والمقاومة من جهة، وحالة التخاذل والبيع من جهة أخرى باستخدام الأفعال: “فلتحيا، وليخسأ” كثنائيات ضدية.

بنية الألوان: نلاحظ في النص أنساقاً لونية تنعكس من دلالات كلمات مثل: “افترشوا الجبل ربيعاً”، فالربيع هنا في لونه الأخضر، إنما يعكس الأمل والتجدد والشباب الذي لا ينكسر أمام المحتل، ومثل: “الفجر” الذي يعكس الميلاد الجديد والخرود من سواد الظلمة إلى بياض النهار، ومثل: “الصباح” الذي يمثل النور والضياء بلونه الدال على المستقبل الأجمل.

بنية المكان: كما أسلفنا في بداية هذا المقال، فإن “بيتا” هي البنية الكبرى في النص، وهي بنية مكانية، لذلك فإن النص يستند إلى المكان أولاً، وهذا المكان الكبير يمثل أداة للفخر والاعتزاز والقوة والصمود والتحدي، التي تمثلها بنيات مكانية صغرى ومساعدة ودالة على المعاني نفسها، وهي: “عمق الزيتون، والقمة، والميداني، والجبل”، كل ذلك إلى جانب البنية المكانية التي سنصل إليها نتاجاً لكل تلك البنيات، وهي “باحات القدس”. ويمكن القول إن الحيز المكاني الكبير “بيتا”، والحيز المكاني الكبير الآخر “باحات القدس”، جعلت الأماكن الأخرى في النص وكأنها بنيات مساعدة وتخدم الهدف الأسمى، وبالتالي خدمة خطاب الشاعر.

بنية الزمان: مثلما استند النص على بنية مكانية كبرى وبنيات صغرى، فإنه كذلك استند على بنية زمانية كبرى وهي: “التاريخ” التاريخ المتمثل بالحق الفلسطيني في الأرض، التاريخ الذي يعكس عمق التجذر الفلسطيني في أرض الفلسطيني، إذ تضم هذه البنية جميع البنيات الزمانية الأخرى في النص، وجميعها تعكس الأمل والمستقبل الأفضل، وهي: “الفجر، صباحاً، الليلي، العمر”، فمع امتداد العمر وعلى مدى التاريخ وبالصمود والإرباك الليلي للعدو، سأتي الفجر ويطل الصباح من أجل الموعد المنشود في باحات القدس.

بنية الإيقاع: هذه القصيدة من الشعر الحر، أو ما يسمى بشعر التفعيلة، وهي ناتجة من تدوير تفعيلة “فَعِلُنْ” أو التغيير العروضي عليها بالخبن، لتصبح “فَعْلُنْ”، وهذا النمط من التفعيلات يشكل بحر المتدارك، وهو من البحور الشعرية العمودية، وللمتدارك أو الخبب كما يسمى أيضاً إيقاع راقص وسريع، مثلما يدل اسمه وحركة تفعيلاته الإيقاعية، ونص من هذا النوع أحوج ما يكون إلى السرعة والجري، وكأن الشاعر يستعجل المقاومة ويستنهضها ويشحذ همتها ويرقص على وقع أفعالها، من أجل الوصول إلى الهدف المنشود، الهدف الأسمى، وهو التحرر من الاحتلال، وكذلك فإن الإيقاع يعكس سرعة الأداء المقاوم وعدم الهدوء أو الملل في مقارعة الأعداء.

أما القافية، وهي جزء لا يتجزأ من إيقاع الشعر، فهي الميم المشددة (الأمّة، القمّة، اللمّة…إلخ)، والشدة لازمة في هذا النص، لأن النضال والمقاومة لا تحتاج إلى رخاء أو هدوء أو سكون، بل الشدة والصلابة، وهذه دلالة القافية في النص، وعلى الرغم من الالتزام بهذه القافية طيلة النص، إلا أن الشاعر استخدم بعض القوافي الثانوية، مثل الياء المشددة في “الليليّ، الميدانيّ، النحويّ” للتأكيد على الشدة وعدم اللين، ومثل اللام الساكنة بعد الياء في “سجيلْ، أبابيل”، وكأن الشاعر يريد أن يؤكد على قوة الفعل المقاوم من خلال قوافيه المشددة، وعلى طول نفَس الشعب الفلسطيني والمناضلين أمام الاحتلال من خلال قافية اللام الساكنة بعد الياء.

تعقيب جواد العقاد

 العنوان مُحمَّل بالدلالة الغنية التي تتقاطع مع المتن، فهو اسم قرية فلسطينية صمدت في وجه الاحتلال الإسرائيلي وقاومت بعنفوان. يضع الشاعر نقطتين أفقيتين في العنوان لفتح آفاق التفاعل بين القارئ والنص؛ فيبحث القارئ عن المعنى والدلالات التي يحملها، فيحاول سَبَر غَوْر النص والتغلغل في أعماقه.

ومن الناحية الدلالية فالبنية الخارجية تحيلنا مباشرة إلى البحث في البنية العميقة، والكشف عن خباياها، فكلمة “بيتا” اسم بلدة بمعزل عن سياقها الواقعي، وبالربط في المتن والواقع تغدو أيقونة للنضال الوطني. إذ إن الشاعر صالح لا ينتفض بهذه القصيدة أو يُثوِّر مشاعر الجماهير بقدر ما يدعو–ضمناً- إلى إعادة النظر في ماهية الثورة التي يريدها الشعب، أو فلنقل إحداث ثورة في مسيرة النضال، لأن القيادة الحقيقية للثورة في الميدان، لا بالمناصب والخضوع للدولار، وهنا تماماً يبدو وعي الشاعر التام بالقضية والألاعيب الماكرة بها وحولها.

تفاعلت القصيدة مع الواقع لا من خلال موضوعها الثوري فحسب وإنما أيضاً بالقدرة الفنية المميزة، التي اتسمت بالحركة والبُعد عن الرتابة إذ تتقاطع بذلك مع حياة الفلسطيني ومسيرته النضالية، ومحاولته المستمرة للخروج من بؤسه ومأساته. ويؤكد هذا توظيف الشاعر للأفعال المضارعة (يختصر، يمتد، يزْدانُ…) فالحركة في الصورة الشعرية نابعة من إحساس الشاعر بضرورة الثورة والتغيير، وتأتي بعض الجُمل لتُرسِّخَ إيمان الشاعر بحتمية النصر/ التغيير نحو (وَتُزيلُ الغُمَّة).

كما أن لغة الشاعر صالح متمردة، لغة بِكر من خَلقه، فكل مفرداته- تقريباً- مشحونة بدلالات غير معجمية مستمدة من إيمانه العميق بالثورة وسعي شعبه الدؤوب نحو الحرية.

إنها قصيدة عالية ومثمرة.. عذبة الموسيقا، على الرغم من انفعالها وثوريتها، وتثوِيرها أيضاً.

زر الذهاب إلى الأعلى