مقالات رئيس التحرير

رئيس التحرير يكتب: عودة حرب الإبادة والتهجير

عودة حرب الإبادة والتهجير

جواد العقّاد – رئيس التحرير 

تتسارع الأحداث الدولية لتضع القضية الفلسطينية أمام مفترق طرق خطير، حيث لم تعد التصريحات الدبلوماسية والخطابات كافية لحماية الحق الفلسطيني من محاولات التصفية الممنهجة. فالتصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي حول غزة، وما تلاها من تهديدات مستمرة بالترحيل، تكشف بوضوح عن نوايا تستهدف تغيير الواقع السياسي والديمغرافي في فلسطين، سواء من خلال التهجير المباشر أو عبر مخططات أكثر دهاءً كشراء الممتلكات، وهو ما يُعيد إلى الأذهان الادعاءات التي حاول الاحتلال ترسيخها عن بيع الفلسطينيين لأرضهم، لتبرير جرائمه التاريخية وإقامة دولته.

فالأخطر من الترحيل القسري المباشر هو إخراج الفلسطينيين عبر مخططات تجعلهم يتخلون عن أرضهم وممتلكاتهم بإرادتهم الظاهرية، دون أي حق سياسي أو تاريخي أو إنساني في العودة. فالاحتلال ومؤسساته الدبلوماسية والثقافية لم تتوقف عن محاولة إشاعة أن الفلسطينيين باعوا أرضهم، وهو خطاب يستهدف طمس الحقيقة وتحميل الفلسطينيين مسؤولية نكبتهم. لهذا، لا يمكن الاستهانة بتصريحات ترامب، فهو رئيس الدولة الأقوى في العالم، وتحركاته ليست انفعالات شخصية، بل تأتي في سياق مدروس لاختبار ردود الأفعال وتمهيد الطريق لمشاريع أكثر خطورة. ويبدو أنه لا يريد الحرب التقليدية المباشرة ولكنه مهتم بإلغاء القضية وتضيع الحق الفلسطيني للأبد.

لقد بات واضحاً أن الحلول لا يمكن أن تأتي عبر البيانات السياسية وحدها، بل تتطلب أفعالاً حقيقية تضمن حقوق الفلسطينيين وتحميهم من المخططات التي تسعى إلى اقتلاعهم من أرضهم، وهنا يبرز التحدي الأكبر أمام القيادة الفلسطينية والمجتمع الدولي على حد سواء: كيف تتحول هذه المواقف المعلنة إلى خطوات عملية تمنع محاولات تصفية القضية الفلسطينية وتعيد لها زخمها السياسي والقانوني؟

على مدار سنوات، قاد الرئيس محمود عباس الدبلوماسية الفلسطينية في المحافل الدولية، ساعياً إلى ترسيخ الاعتراف الدولي بالحق الفلسطيني وتأكيد أن القضية الفلسطينية معركة عدالة إنسانية، إلا أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تظل بحاجة إلى خطوات أجرأ على الأرض، تبدأ من الداخل الفلسطيني ذاته، حيث لا يمكن مواجهة هذه الأخطار الوجودية في ظل استمرار انفصال الذي منح الاحتلال فرصة ذهبية لتكريس سيطرته وفرض وقائع جديدة.

إن استعادة السلطة الفلسطينية دورها السياسي والأمني في غزة ليست ضرورة داخلية فحسب، بل هي ركيزة أساسية في مواجهة المخططات التي تسعى إلى تقسيم الشعب الفلسطيني وتحويل غزة إلى كيان منفصل يمكن التفاوض عليه بمعزل عن القضية الفلسطينية ككل. لا يمكن ترك غزة رهينة لمشاريع تُستخدم لتفتيت وحدة الفلسطينيين وإضعاف موقفهم السياسي. فغياب السلطة عن غزة جعلها ساحة مفتوحة للضغوط الدولية والإقليمية، وأعطى الاحتلال ذريعة لتكريس الحصار وتعميق الأزمة الإنسانية، بما يمهد لسيناريوهات أشد خطورة، في مقدمتها مشروع التهجير القسري تحت غطاء الأزمات المعيشية.

لكن مواجهة هذه المخططات لا تقع على عاتق الفلسطينيين وحدهم، إذ إن المواقف الدولية، مهما بدت داعمة، لا قيمة لها ما لم تترجم إلى ضغط سياسي حقيقي يجبر الاحتلال على وقف ممارساته العدوانية. فلا يمكن للعالم أن يستمر في إطلاق التصريحات فيما يستمر الاستيطان والتهجير والانتهاكات. إن المجتمع الدولي، إذا كان جاداً في دعمه لفلسطين، عليه أن يدفع نحو حل سياسي عادل، لا أن يترك الفلسطينيين في مواجهة مصيرهم وحدهم.

وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن الوقت ليس في صالح الفلسطينيين، فالمخططات تجري على قدم وساق، والاحتلال يستغل أي فراغ سياسي لإحكام قبضته أكثر. إن اللحظة الحاسمة تفرض على الفلسطينيين حسم خياراتهم الداخلية، كما تفرض على الدول العربية والمجتمع الدولي التحرك الفوري لمنع أي محاولات لفرض حلول تُكرّس الاحتلال بدلًا من إنهائه. فلا يمكن السماح بجعل فلسطين ورقة تفاوضية أو ملفاً قابلاً للتصفية عبر المشاريع المشبوهة.

إن حل الدولتين، رغم كل التعقيدات، يظل الخيار العملي الوحيد الذي يمكن فرضه بإرادة دولية وضغط حقيقي على الاحتلال. غير أن تحقيق هذا الحل لن يكون ممكناً ما لم يتم تفكيك كل المحاولات الرامية إلى فصل غزة عن القضية الفلسطينية، وما لم تتحول المواقف الدولية إلى التزامات فعلية تضمن للفلسطينيين حقوقهم السياسية والتاريخية. فالكارثة الحقيقية ليست فقط في مخططات الاحتلال، بل في استمرار الرهان على مواقف لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

زر الذهاب إلى الأعلى