مفهوم الشعر في ديوان”ساقية الدموع” لعبد الهادي القادود

مفهوم الشعر في ديوان”ساقية الدموع” لعبد الهادي القادود
بقلم: د. عبد الرحيم حمدان – أكاديمي وناقد
يمثل الشاعر الفلسطيني عبد الهادي القادود واحدا من الأصوات الشعرية المتميزة في المشهد الشعري العربي المعاصر،
وهو وجه شعري حاضر على الساحة الفلسطينية منذ سنوات طويلة، إذ يرأس كبرى المنتديات الثقافية التي تعقد فيها أمسيات أدبية في منتدى ثقافي يدعى(ملتقى شواطئ الأدب)، والذي يعقد في مدينة النصيرات بغزة، بعد عصر يوم السبت من كل أسبوع، والذي حاز على شهرة واسعة، إذ يلتقي كل أسبوع كوكبة من أدباء غزة؛ ليلقوا نتاجاتهم الأدبية لا سيما الشعراء منهم، وكانت تتخلل تلك الأمسيات العديد من المدخلات، حيث يدور التقويم والمناقشة المثمرة، وهذا الملتقي يمنح المبدعين بعامة والشباب بخاصة
مساحة واسعة؛ ليبرزوا قدراتهم الإبداعية الأدبية، حيث الاستمرار والارتقاء في سلم الذيوع والشهرة، فكم من أديب كان ملتقى (شواطئ الأدب) حاضنة له، من خلاله ارتقى إلى عالم الشهرة والذيوع!!
وكان للمنتدى دور عظيم في إغناء حركة الثقافة والإبداع الإنساني عموماً.
كتب الشاعر القدود الشعر الوجداني والشعر القومي، كما كتب الكثير عن معاناة الإنسان الفلسطيني،
فضلأً عن الأحرار والمظلومين في كل مكان، وقدم إشراقات إبداعية على امتداد عمره، وكتب الكثير من أشعاره وقصائده في واقع المعاناة المعيش: التشرد واللجوء والنزوح المر، وهي أشعار تنضح بالصدق الفني، وحرارة التجربة وتعبر عن وجع المعاناة وحياة البعد عن الوطن الأم وأحاسيس الغربة والضياع، وألم المنفى.
وديوان “ساقية الدموع” أحد دواوين الشاعر صدر عن دار الكلمة بغزة سنة٢٠٢٠م، ويضم (٣٧) قصيدة من الشعر الموروث.
يقول الشاعر في إهداء هذا الديوان:
“إلى من عاشوا من أجل الكلمة، وضحوا من أجلها؛ كي تظل علاقة الماضي بالحاضر قائمة، تنسج ثياب المستقبل كما يليق بأحلام الأجداد”.(الديوان: ص٥).
وقد تجمل ديوان “ساقية الدموع” بمقدمة للشاعرة الناقدة
(ثناء حاج صالح) من مدينة كاسل بألمانيا كشفت فيها
- بحذق واقتدار-
عن ملامح إبداعية مهمة فكرية وفنية في الديوان (ص٦-١٠).
فالشاعر القادود صوت شعري فريد جمع، فيه خلاصة تجربة مَن سبقوه، وطليعة لمن أتوا بعده.
إن اختيار الأديب جنس الشعر؛ ليعرب عما يجول في وجدانه، عن الواقع المعيش في هذا العمل الفني، والنص المتخيل بالتحديد، فبالشعر يمكن النظر إلى الواقع المعيش بالفعل، والنظر إلى الأشياء الأخرى المتخيلة؛ بوصفها ٍّواقعا قد يدور في حياة أي منا.
دأب الشاعر في أن يقدم تجديداً واضحاً في إطار القصيدة
الموروثة، فقد جاءت قصائد الديوان جلها على نمط الشعر الموروث،
أي: التزام الوزن الشعري الواحد والقافية الموحدة.
والديوان مترع بالمضامين الفكرية المتنوعة، منها المضامين الوجدانية والوطنية، فقد كان في شعره يستشرف المستقبل، ويخبر المتلقين بالذي حدث في هذه النكبة الجديدة، مشيرا إلى جرائم العدو البشعة بحق الفلسطينين النازحين.
يقول في قصيدة “فراشات الأبد”:
حرق الغزاة ديارنا حتى غدا
كحل النساء على محطات الرمد.
وقتلوا حمام السلم، هدوا أمننا
بل أقبلوا من كل حدب بالزرد
نقاتل الدنيا بوعي جدودنا
فتروح رغم الجرح تلهج بالصمد.
(الديوان: ٣٠، ٣١)
مفهوم الشعر:
الشعر شيء ذاتي، بالغ الجوهرية، ليس من السهل الوصول إلى تعريفه تعريفا جامعا مانعا؛ لكثرة ما له من تعريفات: وتنوعها وتطورها عبر الزمن والعصور والتيارات الأدبية، ومع ذلك يمكن تعريف الشعر بأنه: شكل من أشكال الفن الأدبي، يعبر الشاعر من خلاله عن عواطفه وأحاسيسه وأفكاره ورؤاه تعبيرا جميلا سليما ومؤثرا ومموسقا وموحيا قادرا على التأثير في المتلقين.
والمتأمل فيما ورد من تعريف للشعر في هذا الديوان، يجد أنه يدور في فلك التعريف السابق، وإن افترق عنه بما يضفيه الشاعر عليه من تجربة ذاتية وعلاقة حميمية.
وليكن معلوما أن مفهوم الشعر بعامة أمر قديم متداول لدى الشعراء والنقاد، بيد أن مفهوم الشعر عند الشاعر القدود يأخذ ميسما متفردا خاصا، ينبع من تداعيات تجربته الشعرية الوجدانية الذاتية.
وسيدرك المتلقي ذلك في نصوص الشاعر في هذا المقال النقدي،
ويجيء تركيز الباحت على مفهوم الشعر لدى الشاعر في هذا الديوان؛ لكونه يجده مبثوثا في قصائد عدة في الديوان، وهو جوهر تجربته الشعرية، وبؤرة اهتمامه، ومنها تنطلق نظرته إلى وسائل التعبير الفنية التي استعان بها لخدمة تلك التجربة.
مفهوم الشعر لدى الشاعر القدود:
من أبرز القضايا التي قاربها الشاعر في ديوانه قضية “مفهوم الشعر”
كما تبدت في ديوان
” ساقية الدموع”
الذي كان منبعا لكثير من ملامح إبداعه في تجربته الشعرية.
فالشعر لديه رسول المحبة، وبلسم لكل داء:
يقول في قصيدته (غيوم الغيب):
أعيش بوحي أشعاري رسولا
فتؤمن بين شطآني الرمال
وأحضن بالمحبة كل بغض
وأبغض في المحبة يا حلال
ألف الكون لا أدري وسري
على أقفال أبوابي يقال.
كأن الكون سبحة بكفي
وكأن السحر يملأه المقال.
أداوي بالقوافي كل جرح
وقلبي بات يمرضه المآل.
(الديوان: ص ١٦).
ويقول في قصيدة “على جناح نهاري”:
وأروح مثل الطير رغم كآبتي
أروي رموش الغيب بالأشعار.
…تتذوق الدنيا ثمار بلاغتي
إن مات زهر الدهر في الأشجار.
(الديوان ص ١٠٥ ١٠٦).
فالشعر وقوافيه يجعلان من الشاعر رسول محبة، محبة تستغرق أبعاد الكون كله، والشعر بلسم يمسح جراح الموجوعين وآلام النازحين.
لقد اجتهد الشاعر في تحقيق لون من
التوازن القائم بين الشكل والمحتوى
حول العناصر أو المعايير التي تمنح الأدب والشعر جودته وقيمته؛ ذلك أن الذي يعطي القيمة لأي عمل أدبي هو التوازن القائم بين الشكل والمحتوى.
ومع ذلك استطاع الشاعر أن يجعل الشكل الشعري الموروث في خدمة المضمون، وهذا يتمشى مع فلسفته في بناء نصوص شعره.
إن الشاعر في وكدي يمتلك الآليات الفنية لكتابة قصيدة القصيدة الموروثة، لكنه يتمسك بالإيقاع العروضي الموروث، ربما؛ لأن إيقاعه النفسي والعاطفي والفكري يتوافق مع موسيقى الشعر العربي المعهودة.
حافظت قصائد الديوان العمودية التي حملت وجهة نظره لمفهوم الشعر على الإيقاع العروضي المعهود في الشعر العربي، لكنه أفاد من التيارات الشعرية الحديثة في المشاهد والأخيلة واللغة ودرجة الإحساس.
أولى الشاعر اهتماماً خاصاً بمفهوم الشعر، فهو يرى فيه عتبة مهمة للدخول إلى النص، وفهم دلالاته، بل ومدّه بدلالات جديدة، وهذا يجعل القارئ يقف متأملاً حتى يتوصل إلى أن القصيدة عند الشاعر هي وحدة عضوية وموضوعية متماسكة ومسبوكة باحتراف وفن.
يساهم مفهوم الشعر إلى حد كبير في تحقيق الوحدة في النص الشعري، يقول الشاعر في قصيدة”خواطر الأضواء” في حوارية رائعة:
الشعر أسباب الحياة فجد لنا
خمرا إذا خذل الجفاف وعائي.
الشعر أن نبكي ليضحك غيرنا
ويقبض نهر الخير
دون وعائي.
قم علم الأحجار سر وجودها
قم حرض الألوان في الأشياء.
الشعر أوراق المسافر إن طوى
فصل الخريف خواطر الأضواء.
خمسون عاما والحروف رواحل
أروي عليها حسرة الضعفاء.
(الديوان ص ٣٩ – ٤٠).
فالشاعر الحقيقي هو الذي يدرك مهمته، ويعرف كيف يؤديها، إنه ملتزم بقضايا وطنه،
معبرا عن آمال جماعة الشعب الفلسطيني
وطموحاته، إنه يعلم الأحجار والأرض التي تنبت فيها” سر وجودها، وذلك في عملية التحريض التي يمارسها الشعر؛ لتعود للأشياء ألوانها الحقيقية، فتظهر بعد أن اختفت”.
(ثناء صالح، مقدمة الديوان ص ١٠).
لا شك في أن كلا من الوحدة الموضوعية والعضوية في القصيدة قد منحت الشاعر رقعة واسعة ليسبح نحو ابتداع صورٍ شعرية كاملة، وتقديم مشهد شعري متكامل، وينأى بنفسه عن الصور الجزئية، غير الممتدة .
يقول في قصيدة
“على جناح نهاري” :
شجر أنا، والشعر بعض ثماري
واللحن والأصداء من أوتاري
شربت من النبع الأصيل سنابلي
وتزينت أنثى الرؤى بإزاري.
(الديوان ص١٠٤).
يرسم الشاعر في المقطع صورة ممتدة لشعره ويصف منابعها، وتنوعها.
إن مفهوم الشاعر للشعر جعل من قصائده تنزع إلى أن تكون قصائد تتصف بالإيحاء والبث، والإيماء، وتعمد الإبهار، والدهشة.
إذ تمكن من إنتاج قصائد موحية، فالإيحاء صفة الشعر الجيد.
وربما كان مفهومه للشعر لا يتأتى مباشرة؛ وإنما يدركه المتلقي من خلال معطيات مفهوم الشعر مثل تكرار ألفاظ: الفصاحة، والبلاغة، والقوافي، والحروف، القصائد.
يقول الشاعر في قصيدة”ساقية الدموع” التي استقى الديوان اسمه منها”:
وحدي أشد الحلم صوب شواطئ
فتقد جلباب الشراع جهات.
أستنطق المعنى بحلم بلاغتي
إن أفسد الوحي النبيل ممات.
عذراء ساقية الدموع، وليس لي
مسجد البوح الفسيح صلاة.
(الديوان ص ٢٢ – ٢٣ ).
ويقول في قصيدة
“الأشعار راحلتي”:
على خلخال قافيتي سأبقى
وشوما تلتقي فيها الفنون.
وافتح للبلاغة
باب قلبي
إذا هطلت بلا أمل عيون.
هي الأشعار راحلتي عليها
يسابقني بلا كلل جنون.
سأغزل لليتامى صوف روحي
حبالا إن لوى ساقي كمين.
(الديوان ص ٣٨).
ويبدو أن الشاعر هو صاحب دعوة إلى تحديد مفهوم الشعر الذي يعبر عن التجربة الإنسانية الذاتية والتجربة الجمعية معا.
ويتجلى مفهوم الشعر عند الشاعر واضحا بإبراز منابع هذا المفهوم الذي ينبع من حبه للأجداد والآباء الذي يرتاح منهما ثقافته ومفعوله للشعر يقول الشاعر في قصيدة”على جناح نهاري”:
من خمرة الخيام خلت خمائلي
وخطفت من خيط الخليل خياري.
وخبزت من خوخ
الخمائل خلطتي
كي تنضج الأفكار
في فخاري.
(الديوان ص ١٠٤ )
ويقول معبرا عن حنينه الجارف، ورغبته إلى العودة إلى نبع الشعر العربي الصافي الشعر العمودي:
هي غربة الشعراء
تركب سرجها
صوب الحنين وتحتمي برماد
من ذا يضمد للقصائد جرحها
ويردني لفصاحة الأجداد؟
(الديوان ص١٠٠)
لقد صاغ الشاعر نصوصه الشعرية التي بين فيها مفهومه للشعر
بلغة صافية مختارة،
ألفاظا وتراكيب مبتكرة امتاحها من حقول تجاربه الشعرية الذاتية.
يقول الشاعر في مطلع قصيدة “حيرة الشطآن” في لغة تصويرية مأنوسة، قريبة من متناول المتلقي:
سأطوي صفحة الماضي، وأمضي
رسولا فوق أعناق القوافي.
أترجم ما تمثل في مسامي
من الآلام في العشر العجاف.
وأمضي ضاحكا كي لا يراني
عديم الأصل مهموم الزفاف.
فاللغة الواضحة البسيطة تتماهى مع موقف الشاعر من مفهومه للشعر ووظائفه
(الديوان ٥٤).
خاتمة:
لقد وفق الشاعر أيما توفيق في جعل النمط الموروث من الشعر الملتزم بالوزن الواحد والقافية الموحدة باقتدار واحتراف قادرا على حمل وجهة نظره عن مفهوم الشعر بطريقة معاصرة تنسجم مع تجربته الشعرية والفكرية.
أتمنى للشاعر مزيدا من الإبداع الأدبي وتطوير أدواته وأسلوبه، وكتابة أنماط أخرى من الشعر والأدب. ليظل دائم الحضور في المشهد الثقافي الأدبي الإبداعي على الساحة الفلسطينية.