البطل الحريف الاستثنائي المستقيم معشوق الجماهير جاعل اللعب أجمل مع الالتزام : أبو تريكة يثير الجدل مجدداً

بقلم: فاتن خاطر(كاتبة وصحفية مصرية)-فريق البوصلة
الكابتن محمد أبو تريكة، لاعب كرة القدم المصري العالمي نشر في 23 يونيو 2025 على صفحته الرسمية، فيس بوك، منشورا يتمنى فيه السلامة لقطر وأهلها وجميع المسلمين، على خلفية المناورات العسكرية التي وقعت بين إسرائيل وإيران، وأدت إلى تدخل أمريكا بتوجيه ضربة تأديبية لإيران، أسفرت عن استهداف إيراني لقاعدة العديد الأمريكية الكائنة على بعد 30 كيلومتر جنوب غرب العاصمة القطرية، الدوحة.
قوبل هذا المنشور باختلاط المشاعر أثناء الحدث ما بين المؤيدين والرافضين؛ لكون القاعدة الأمريكية منشأة على أرض دولة قطر، وتلقى المنشور سيلا من التعليقات التي ظهر جليا أنها مبالغا فيها.
لم تكن تلك المرة الأولى التي تنشأ حالة من الجدل إزاء تعليقات أو أراء أو مواقف الكابتن، ويبدو أنها لن تكون الأخيرة التي يشعل فيها الحريف القواعد البشرية، مثيراً الجدل حتى ولو بالدعاء، فلم يعقّب هذه المرة.
كان ذلك بعد شبه انقطاع ملحوظ عن النشر على صفحات التواصل الاجتماعي عقب ظهوره في إعلان الاهلى المثير أيضاً للجدل.
إعلان الأهلي أم إعلان لأبو تريكة
الواثق السيد محمد محمد أبو تريكة اللاعب المصري المنتمي لقرية ناهيا بالجيزة، الواقعة على مسافة 15 دقيقة تقريبا من المهندسين والزمالك بأبسط وسيلة مواصلات، تفتقر حتى الآن لوسيلة مواصلات رسمية تتوجه لعمقها مباشرة، ربما قطعها تريكة سيراً على الأقدام بخطوات لا تختلف بالتأكيد كثيراً عن خطوات أي مكافح شريف بصم على الطريق من بيته حتى قمة المجد، لتشهد مساره حتى المنفى لدولة قطر هرباً من بطش قد يلحق به أو بأسرته، بعد أقل من أربع سنوات من اندلاع الثورة المصرية في يناير 2011.
طّل علينا في مطلع شهر مارس 2025 مع بدايات شهر رمضان بإعلان دعم مبنى النادي الأهلى الجديد بما يقرب من ثمان لقطات متتالية لم تفرد لأي من نجوم الأهلي أبطال هذا الإعلان، ليبصم الفتى من جديد على جدران، وملاعب وساحات قلعة النادي الأهلي، التي أشعلها الرجل من الملاعب الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي حتى التكهنات والتفسيرات والدلالات الشخصية والحكومية بقرب عودته أو تولي إدارة الأهلي في تلك المرحلة الحرجة حقا من تاريخ النادي الأهلي، ما بين الفرح وظهور الكوادر الرافضة والمسيئة للكابتن، وتاريخه وانتمائه سواء للوطن أو الأهلي، عادت قضية أبو تريكة من جديد.
موقعة الجمل وكارثة بورسعيد
في الثاني من فبراير 2011 أثناء أحداث الثورة المصرية شهد ميدان التحرير أحداث بلطجة وعنف واعتداءات على المتظاهرين من جهة أفراد حاولوا اقتحام الميدان ممتطين الجمال، فيما عرف باسم (موقعة الجمل). لم يمر هذا اليوم الدامي الذي استمر من الظهيرة حتى السابعة من صباح اليوم التالي إلا بصمود رهيب من المتظاهرين، وفي ليلة الذكرى الأولى لموقعة الجمل تحديدا في الأول من فبراير 2012، شهد أستاد بورسعيد أحداثا دامية على خلفية لقاء النادي المصري والأهلي، عقب انتهاء المباراة بدأت المعركة بنزول أفراد إلى أرض الملعب، قيل بأنهم مشجعي بورسعيد، في محاولة للهجوم على اللاعبين، وفجأة وقعت اعتداءات عنيفة قاتلة على الالتراس أهلاوي، أسفرت عن استشهاد 74 فرد.
تلك الأحداث الكاشفة المترابطة، وكذلك هذا اليوم الدامي يبدو أنه حدد مسار الكابتن أبو تريكة على العديد من المستويات، كشاهد على الحدث، كمواطن وأب وإنسان ورجل، حمل بين ذراعيه طفلا يحتضر لم يتجاوز 14 عاما؛ لتكون آخر كلمات الطفل، وآخر ما يراه هو وجه الرجل الذي أحّبه ليخبره بأنه يحبه وسعيدا برؤيته!،
يا لها من رهبة وحزن وخبرة ربما لا تنسى أبداً.
أعلن أبو تريكة قرار الاعتزال عقب مذبحة بورسعيد مباشرة، ورغم تراجعه عن هذا القرار لكنه بأي حال لم يستمر بعدها طويلا في الملاعب.
قضية المحبوب جداً.. الحريف حتى التبتل؛ قضية فلسطين
أفضل لاعب في العالم لم يلعب في “أوروبا أو أمريكا الجنوبية” البطل الشعبي المحب لوطنه وقضاياه، يدرج على قائمة الإرهاب ويتم التحفظ على أمواله في عام 2015، وفي عام 2016 يرفع قرار التحفظ بحكم قضائي، وفي 2018 يدرج اسم أبو تريكة مع 1546 آخرين بشكل نهائي على قائمة الإرهاب، لمدة خمس سنوات بقرار من محكمة النقض المصرية، تنتهي في 2023
بعد أكثر من عشر سنوات يتضح أن شعبية أبو تريكة ومحبة الجماهير، ومواقفه الإنسانية والأخلاقية الداعمة للقضايا الإنسانية المتعلقة بالأمة، وتحديدا القضية الفلسطينية هي السبب المباشر في هذه القرارات، مؤكداً أن الكيان الذي استطاع التأثير على قرارات محكمة العدل الدولية ضد تنفيذ أحكام صادرة على خلفية حرب الإبادة الجماعية وجرائم الاحتلال في غزة منذ ما يقارب عامين لن ينسى ابدا “تعاطفا مع غزة”.
الطائر الخفيف “تعاطفا مع غزة”
يطير ويحلق نحو الهدف، بيقين خفي غير مؤكد خصوصا في واقع وظروف العالم العربي التي لا تبقي موهوبا واحداً أو مبدعا إلا ونحرّت موهبته أو على الأقل حاولت النيل منها . إرتدى الفتى المحلق قميصاً تحت سترته الأساسية مطبوعا بيقين الإيمان بقضية عادلة ؛ قضية أمته “تعاطفا مع غزة” بعد إحراز الهدف.
في مباراة مصر والسودان، كأس الأمم الإفريقية عام 2008، إنطلق كاشفا عن قميصه في مفاجأة أثارت إحترام البعض وغضب البعض، لكنها لم تكن الأولى على كل حال، في عام 2006 ، إرتدى قميصاً مطبوعة عليه عبارة “نحن فداك يا رسول الله” في رد صريح على الرسوم الدنماركية المسيئة لسيدنا رسول الله محمد (صل الله عليه وسلم).
قضية هذا الشاب قضية ثورية
تكمن قصة وقضية أبو تريكة وأمثاله في الاختلاف الذي يظنه الجميع، في أشكال ثابتة إما النمط أو ضد النمط السائد، لكنه لا يتجلى إلا في كل تجربة خاصة تستند على المواقف والأخلاق الواضحة والشجاعة في القرارات، قضية الشخص حينما يتحول لرمز محبوب أو بطل شعبي في عصور الرأسمالية والإمبريالية وصناعة النجوم الهشة.
أبو تريكة ابن الطبقة الفقيرة الناشئ على العمل والكفاح حتى امتهانه مهنة بسيطة” ففي الصغر، بيذكر أنه كان بنا، يا له من بنا”!
عامل البناء الذي يعمل مقابل يومية بسيطة تتطلب أداء عملا مرهقا، قد يجعله يحمل الطوب والزلط، هذا الشاب الذي سار حتى أعلى درجات الشهرة والمجد والجمال الأدائي المذهل في أوساط وأسواق المال والشهرة التي لا ترحم، لم يفقده ذلك توازنه أو أخلاقه بل جعله شديد الالتزام، هذا الالتزام جاء من الدين والحكمة خلف فهم طبيعة الفقر والحياة ذاتها.
أبو تريكة صانع الأمجاد، الرجل الأفضل في تاريخ كرة القدم بشهادة معلمي الكرة، ومحللي الأداء ومنظري الفن والحرفة، الرجل الذي يطلب منه مانويل جوزيه على الهواء مباشرة أن يرد عليه ويعتذر له لو بدر منه ما لا يروق الكابتن.
مانويل جوزيه وما أدراك ما مانويل جوزيه!
أبو تريكة الشاب الذي ربما أثرت مواقفه وأخلاقه على الحد من صعوده أو مجده، الذي حقق المعادلة الصعبة للغاية.تلك المعادلة على مر التاريخ، وفي جميع الشعوب والثقافات يحاول كيانات ذات مصالح متشعبة أو محددة هدمها أوعلى الأقل مسّها، هدم أسطورة البطل الشعبي المثالي، التي حطموها في مارادونا بالمخدرات والجنس، وفي بيليه بنسبة ما، وسيد درويش الذي قتله الاحتلال بالسموم، وهدم لاعب الأهلى السابق محمد عباس.
رمز الرجل الفقير العصامي الشريف الذي نال ما أراد وتمنى وصعد إلى مقام التأثير على الجموع بلا شائبة.
أبو تريكة صناعة الله التي لم ينال منها رأس المال أو بريق العالم على الأقل أثناء لعبه، صاحب الوجه المنحوت على الدوام في جميع المباريات التي كنا نظن أنه يؤديها صائما.
نترك أمجاد الكابتن محمد أبو تريكة الكروية لمن هم أفضل في تحليل هذا الجمال الإبداعي المتفرد لخريج التاريخ الذي تأدب بآداب تعالت على كل تاريخ، الذي أحترمه أهل الجزائر أكثر من ابن رئيس الجمهورية السابق.
أبو تريكة هو أحد الرجال الذين رويت فيهم القصص الشعبية، بتجليات مختلفة، ابن الشعب “الرجل الذي بلغ هدفه” يحق له الثناء على المكان الذي استقبله بترحاب، تماما مثلما دعت السيدة زينب رضي الله عنها لشعب مصر:
“أوليتمونا آواكم الله، نصرتمونا نصركم الله، وجعل لكم من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا”.


