أعلن موت اللغة

لا يستوي فعل الكتابة عن إبادة غزة ، بذات الأدوات التعبيرية ، والتصورات الّتي خلقت هذه الأدوات .فطالما قيل أن ما قبل غزة السابع من أكتوبر غير ما بعده ، يعني بالضرورة اختلاف اللغة ذاتها : قولاً وكتابة ، صراخاً ونداء، حواراً ودعاءً ، في الأغاني وفي خطب الجمعة ، في بيانات الإدانة الخجولة وفي التهديد بحق الردّ على وحشيّة المعتدي .. الخ .
أيعقل أن كل هذا الدم ، وأعظمه الطفليّ والنسويّ , والدمار ، وأعظمه المساجد والكنائس والمشافي والمقابر ، وما تزال نعيش باللغة ذاتها، مع اللغة ذاتها؟ :
مقدّمات ، أو مذيعات لا فرق، نشرات الأخبار ، وسيّدات صالونات أو مجتمعات وسواهنّ ، بكامل زيناتهنّ ، ينقلن مآسي غرّة ، وهنّ يطوّحنَ بأصابعهنّ ، وكأنّهنّ يقشرنَ اللغة ، أو يحشرنها في أسماعنا ، كلّما اجتهدنَ في تطوير حركات أيديهنّ ، وكأنهنّ يطوّعن اللغة كي تدلّ على مواطن الأنوثة المدلوقة في أصواتهنّ . فيما قليلات منهنّ من عثرنَ على أصواتهنّ مصابة بنشيج في حلوقهنّ . وخيرهنّ من رمت ملحاً على الجنازات ، ومن رفعت جراحاتنا زلفى إلى الله ، فيرضى ؛ ومن جعلت قلبها وسادة لحلمنا ، وهذا أضعف الإيمان .
وأجملهنّ من تزنّرت بالشال الفلسطينيّ وألقت كوفيّة على نحرها ومضت في مكان ما من العالم ، أيّ مكان أو أيّ عالم كان، تلقّن البشريّة أنّ من حقّ الفلسطينيّ ، مثل كل المخلوقات ، أن يبقى على قيد الحياة.
لا تستوي هذه وتلك !
ومذيعو نشرات الأخبار، ومقتنصو الشائعات ، ورجال تخالهم رجالاً ، ومدّعو ثقافة ودين ، وأفّاقون وحفارو القبور ، وسواهم ، يجهدون في حمل ألسنتهم كي تتواطأ مع تقليد الحرابيّ ، فيبدلون نبرات أصواتهم حيناً ، وأحايين يتكئون على ظلّ بلاغة ارتطمت بها اللغة . هؤلاء لم يكتشفوا بعد أنّها بلاغة الموتى ميّتة في المعاجم ، وفي أحاديث الرواة .بينما لا يخلو أمرهم من نبرة غضب أو عجز أو خيبة أمل لا شبيه له .
وخيرهم من أتانا ، نحن البائسين اليائسين، ، بقلب سليم ، لا ليطارد الأشباح في البئر ، بل كي يرفع بمائنا الدلو فيحيينا من عطش بعد موت .
وأنبلهم من رآنا ، وما رثانا .
لا يستوي هذا وذاك !
و أولئك الّذين تولّوا ، على أمرنا ، أمرنا مايزالون ، و امتثالاً لمشيئة إعجازهم معصوماً بإعجاز اللغة ، ، يرتحلون بين المعاجم ، كي يدركوا الفارق اللفظيّ بين ” الشجب” و” الإدانة” و”الاستنكار” ، متوسّلين أن يهدي الله اللغة بهم إلى رشدها بالتقاط معجزة الفارق المجازي بين ” أشد العبارات ” و” شديد العبارات”. أو التفكّر في معجزات اللّغة الّتي ألقوا عليها ثوباً مقدّساً بقدسيّة النصّ ، كي يحافظوا على مؤسسة الحكم مقدّسة ، كونها امتثالاً لمشيئة صاحب القداسة .
ولا يشفع لهم أنّ منهم من رحم ربي فقال فينا ، وإن في قلبه ، قولة حقّ.
لا يستوي هؤلاء مع أولئك!
ومن الشعراء من يخادعون اللغة ، اللغة ذاتها الّتي أصبحت فريسة متعفّنة في أيديهم . وما يزالون يكمّون مناخيرهم عن رائحتها الجائفة فيما يكتبون ، فيأخذونها تحت آباطهم إلى المقاهي كي تستفيق من بلادتها الخرساء ، أو إلى غرف النوم المغلقة كي بتدرّبوا معها على الارتطام ” بجدار اللغة”، و لوثة ” تفجير اللغة” ، و خيبةِ “إحياء اللغة”، أو إلى منابر المهرجانات الّتي أعدّت لجعل اللغة أشبه بجثّة جارية ، جُعلت بتصورات الجاحظ في البيان والتبيين أشبه بإله من شمع، يقلّبونها علّها تبعث من بين المقابر ، و كي تصنع شاعراً على هيئة ” دمية فاترينا ” أو” نجم شبّاك التذاكر”، خلافاً لتعاليم آرثر ميلر ، والتواطئ مع جمهور على التصفيق مقابل التعامل مع لغة يرتضونها ، على منهج إيريك فروم .
ما الّذي تفعله اللغة لشاعر باع روحه لأبالسة موتى العهد الّذي شاخ في صحف الأوّلين ؟ ما الّذي تسوّي به وقد ثارت حروفها عليه ، من خجل مما فعلت يداه ، وأسقطته في يده الآثمة ؟
كيف تسكن اللغة نفسُها معه في فكرة واحدة لا تأمن فيه ذاتها في ضجيج رطنة اللغة الأخرى ؟
كيف تثق اللغة بشاعر يدسّ في دواتها ، بحثاً عن بقايا حبرها، ريشة عدوّنا ، حتى يحوز على رضاه ، فلا تستوي بسواه المهرجانات ، وتلهث وراء ظلّه المفقود دور النشر والجوائز ومعدّو رخام ضريحه ، ومخترعو المحتويات المثيرة بفورة الذكاء الاصطناعي ليجعلوا من كلامه ماركة مسجلة ، تُشدّ لأجلها خيام سوق شعر عكاظيّ هنا وهناك ؟
ما الّذي تفعله اللغة ، وغزّة عن بكرة أبيها تباد ، وفلسطين كلّها كذلك معدّة لمقتلة تليق بها!
أنتحر ؟
لسنا بحاجة إلى شاعر يفجّر رأسه بطلقة مسدّس ، محتجّاً بانتحاره على تفشي غريزة قتلنا، وصمت الأمم الصغيرة والكبيرة ، وما بينهما ، على محونا ؛ ذلك أن ثمّة شاعراً يشبهنا منّا ما يزال تحت أنقاض بيته وآله معه، يهجونا ، وغدَنا معنا، بلغة لايفهمها شاعر آخر يمدّ ابتسامته لقاتله!
لسنا بحاجة إلى ما بعد الحداثة كي نُطوّر من ملكات المايكروسكوب ، فيكشف إعجاز شاعرة بأنْ رأى الغريب خيوط حمّالة صدرها ، تحت القميص، ألوان قوس قزح ، مثالاً لا حصراً .
ليس من الضروري علينا نحن الشعراء ، وحدنا من بين المخلوقات طُرّاً ، أن نقرأ عرس دم لوركا الذي لا يكذب تحت القمر ، لندرك أن دالي الّذي خان الشمس وأحد عشر كوكباً ، وحده بسورياليته الغلّابة الفتّاكة ، القادر على تأويل انشغال لغة شاعرة ، وغزّة كلّها تحترق بالدمار والتقتيل والجوع والخيبات، بالبحث عن حبال غسيل لتنشر ملابسها الداخليّة الّتي تلوّثت بدخان القصف .
ما شأن اللغة بهذا ، وذاك؟
وما شأن غزّة كلّها بهذه اللغة ؟
اللغة تموت يا سادة !
مع كلّ روح تسقط عن أمّها ، وتدفن في جوف الكلاب الضالّة. الكلاب الّتي أتخمت من لحم قتلانا في الشوارع الّتي فقدت أسماءها ، عفّت عنها الأشباح في الجحيم ،
في كلّ شجرة تتألّم تحت جنازير الدبّابات ، لم تعد صالحة حتّى لمواقدنا في خيام النزوح من شرق إلى غرب أرضنا ، أو من شمالها إلى جنوبها، أو من يمينها إلى يسارها ، أو من بين يديها إلى خلفها …
في الأحجار. ذاتها التي هرمت بانتظار عودتنا في الطريق إلى البيت ، ولم يكن لها شأن بأثر عابر. ذاتها
في زبد البحر الّذي ما يزال يتألم ذلك أن النوارس لم تعد تأمن فيه على غدها الّذي أخّرته الراجمات ، و لم يزل يبيضّ من كمد أنّه جاء بهم من وراء البحار والمحيطات .
ما الّذي تحسنه هذه اللغة أوهؤلاء الشعراء أكثر من صرخة روح في غزة ؛ ” دخيلك يا الله”.
لا يستوي فعل الكتابة عن إبادة غزة ، بذات الأدوات التعبيرية ، والتصورات الّتي خلقت هذه الأدوات .فطالما قيل أن ما قبل غزة السابع من أكتوبر غير ما بعده ، يعني بالضرورة اختلاف اللغة ذاتها : قولاً وكتابة ، صراخاً ونداء، حواراً ودعاءً ، في الأغاني وفي خطب الجمعة ، في بيانات الإدانة الخجولة وفي التهديد بحق الردّ على وحشيّة المعتدي .. الخ .
أيعقل أن كل هذا الدم ، وأعظمه الطفليّ والنسويّ , والدمار ، وأعظمه المساجد والكنائس والمشافي والمقابر ، وما تزال نعيش باللغة ذاتها، مع اللغة ذاتها؟ :
مقدّمات ، أو مذيعات لا فرق، نشرات الأخبار ، وسيّدات صالونات أو مجتمعات وسواهنّ ، بكامل زيناتهنّ ، ينقلن مآسي غرّة ، وهنّ يطوّحنَ بأصابعهنّ ، وكأنّهنّ يقشرنَ اللغة ، أو يحشرنها في أسماعنا ، كلّما اجتهدنَ في تطوير حركات أيديهنّ ، وكأنهنّ يطوّعن اللغة كي تدلّ على مواطن الأنوثة المدلوقة في أصواتهنّ . فيما قليلات منهنّ من عثرنَ على أصواتهنّ مصابة بنشيج في حلوقهنّ . وخيرهنّ من رمت ملحاً على الجنازات ، ومن رفعت جراحاتنا زلفى إلى الله ، فيرضى ؛ ومن جعلت قلبها وسادة لحلمنا ، وهذا أضعف الإيمان .
وأجملهنّ من تزنّرت بالشال الفلسطينيّ وألقت كوفيّة على نحرها ومضت في مكان ما من العالم ، أيّ مكان أو أيّ عالم كان، تلقّن البشريّة أنّ من حقّ الفلسطينيّ ، مثل كل المخلوقات ، أن يبقى على قيد الحياة.
لا تستوي هذه وتلك !
ومذيعو نشرات الأخبار، ومقتنصو الشائعات ، ورجال تخالهم رجالاً ، ومدّعو ثقافة ودين ، وأفّاقون وحفارو القبور ، وسواهم ، يجهدون في حمل ألسنتهم كي تتواطأ مع تقليد الحرابيّ ، فيبدلون نبرات أصواتهم حيناً ، وأحايين يتكئون على ظلّ بلاغة ارتطمت بها اللغة . هؤلاء لم يكتشفوا بعد أنّها بلاغة الموتى ميّتة في المعاجم ، وفي أحاديث الرواة .بينما لا يخلو أمرهم من نبرة غضب أو عجز أو خيبة أمل لا شبيه له .
وخيرهم من أتانا ، نحن البائسين اليائسين، ، بقلب سليم ، لا ليطارد الأشباح في البئر ، بل كي يرفع بمائنا الدلو فيحيينا من عطش بعد موت .
وأنبلهم من رآنا ، وما رثانا .
لا يستوي هذا وذاك !
و أولئك الّذين تولّوا ، على أمرنا ، أمرنا مايزالون ، و امتثالاً لمشيئة إعجازهم معصوماً بإعجاز اللغة ، ، يرتحلون بين المعاجم ، كي يدركوا الفارق اللفظيّ بين ” الشجب” و” الإدانة” و”الاستنكار” ، متوسّلين أن يهدي الله اللغة بهم إلى رشدها بالتقاط معجزة الفارق المجازي بين ” أشد العبارات ” و” شديد العبارات”. أو التفكّر في معجزات اللّغة الّتي ألقوا عليها ثوباً مقدّساً بقدسيّة النصّ ، كي يحافظوا على مؤسسة الحكم مقدّسة ، كونها امتثالاً لمشيئة صاحب القداسة .
ولا يشفع لهم أنّ منهم من رحم ربي فقال فينا ، وإن في قلبه ، قولة حقّ.
لا يستوي هؤلاء مع أولئك!
ومن الشعراء من يخادعون اللغة ، اللغة ذاتها الّتي أصبحت فريسة متعفّنة في أيديهم . وما يزالون يكمّون مناخيرهم عن رائحتها الجائفة فيما يكتبون ، فيأخذونها تحت آباطهم إلى المقاهي كي تستفيق من بلادتها الخرساء ، أو إلى غرف النوم المغلقة كي بتدرّبوا معها على الارتطام ” بجدار اللغة”، و لوثة ” تفجير اللغة” ، و خيبةِ “إحياء اللغة”، أو إلى منابر المهرجانات الّتي أعدّت لجعل اللغة أشبه بجثّة جارية ، جُعلت بتصورات الجاحظ في البيان والتبيين أشبه بإله من شمع، يقلّبونها علّها تبعث من بين المقابر ، و كي تصنع شاعراً على هيئة ” دمية فاترينا ” أو” نجم شبّاك التذاكر”، خلافاً لتعاليم آرثر ميلر ، والتواطئ مع جمهور على التصفيق مقابل التعامل مع لغة يرتضونها ، على منهج إيريك فروم .
ما الّذي تفعله اللغة لشاعر باع روحه لأبالسة موتى العهد الّذي شاخ في صحف الأوّلين ؟ ما الّذي تسوّي به وقد ثارت حروفها عليه ، من خجل مما فعلت يداه ، وأسقطته في يده الآثمة ؟
كيف تسكن اللغة نفسُها معه في فكرة واحدة لا تأمن فيه ذاتها في ضجيج رطنة اللغة الأخرى ؟
كيف تثق اللغة بشاعر يدسّ في دواتها ، بحثاً عن بقايا حبرها، ريشة عدوّنا ، حتى يحوز على رضاه ، فلا تستوي بسواه المهرجانات ، وتلهث وراء ظلّه المفقود دور النشر والجوائز ومعدّو رخام ضريحه ، ومخترعو المحتويات المثيرة بفورة الذكاء الاصطناعي ليجعلوا من كلامه ماركة مسجلة ، تُشدّ لأجلها خيام سوق شعر عكاظيّ هنا وهناك ؟
ما الّذي تفعله اللغة ، وغزّة عن بكرة أبيها تباد ، وفلسطين كلّها كذلك معدّة لمقتلة تليق بها!
أنتحر ؟
لسنا بحاجة إلى شاعر يفجّر رأسه بطلقة مسدّس ، محتجّاً بانتحاره على تفشي غريزة قتلنا، وصمت الأمم الصغيرة والكبيرة ، وما بينهما ، على محونا ؛ ذلك أن ثمّة شاعراً يشبهنا منّا ما يزال تحت أنقاض بيته وآله معه، يهجونا ، وغدَنا معنا، بلغة لايفهمها شاعر آخر يمدّ ابتسامته لقاتله!
لسنا بحاجة إلى ما بعد الحداثة كي نُطوّر من ملكات المايكروسكوب ، فيكشف إعجاز شاعرة بأنْ رأى الغريب خيوط حمّالة صدرها ، تحت القميص، ألوان قوس قزح ، مثالاً لا حصراً .
ليس من الضروري علينا نحن الشعراء ، وحدنا من بين المخلوقات طُرّاً ، أن نقرأ عرس دم لوركا الذي لا يكذب تحت القمر ، لندرك أن دالي الّذي خان الشمس وأحد عشر كوكباً ، وحده بسورياليته الغلّابة الفتّاكة ، القادر على تأويل انشغال لغة شاعرة ، وغزّة كلّها تحترق بالدمار والتقتيل والجوع والخيبات، بالبحث عن حبال غسيل لتنشر ملابسها الداخليّة الّتي تلوّثت بدخان القصف .
ما شأن اللغة بهذا ، وذاك؟
وما شأن غزّة كلّها بهذه اللغة ؟
اللغة تموت يا سادة !
مع كلّ روح تسقط عن أمّها ، وتدفن في جوف الكلاب الضالّة. الكلاب الّتي أتخمت من لحم قتلانا في الشوارع الّتي فقدت أسماءها ، عفّت عنها الأشباح في الجحيم ،
في كلّ شجرة تتألّم تحت جنازير الدبّابات ، لم تعد صالحة حتّى لمواقدنا في خيام النزوح من شرق إلى غرب أرضنا ، أو من شمالها إلى جنوبها، أو من يمينها إلى يسارها ، أو من بين يديها إلى خلفها …
في الأحجار. ذاتها التي هرمت بانتظار عودتنا في الطريق إلى البيت ، ولم يكن لها شأن بأثر عابر. ذاتها
في زبد البحر الّذي ما يزال يتألم ذلك أن النوارس لم تعد تأمن فيه على غدها الّذي أخّرته الراجمات ، و لم يزل يبيضّ من كمد أنّه جاء بهم من وراء البحار والمحيطات .
ما الّذي تحسنه هذه اللغة أوهؤلاء الشعراء أكثر من صرخة روح في غزة ؛ ” دخيلك يا الله”.


