منوعاتمواضيعموضوعنصوص

شتاء آخر في مخيمات النزوح

شتاء آخر في مخيمات النزوح

هديل عاطف عوض – غزة

نحن شعب أجبرنا على مغادرة منازلنا والعيش في خيام في مخيمات النزوح. قريباً، سيأتي الشتاء إلى غزة. لا يهتم بالحرب أو النزوح أو البرد أو الجوع.

أيام الشتاء القادمة مليئة بالأسئلة المؤلمة التي تتأوه مثل الجروح العميقة، مع انتهاء كل يوم، يُذكرنا غروب الشمس بهذه الجروح: الأطفال الجياع والمرتجفون في البرد؛ مواجهات يومية بأشكال جديدة من الموت؛ مصائر مجهولة؛ الجرحى الذين ينزفون في خيامهم دون علاج؛ النساء اللواتي يحاولن إشعال الأخشاب التي غمرتها أمطار المساء؛ الشباب الذين يركضون من بداية اليوم حتى نهايته بحثاً عن الماء والطعام ومكان لشحن هواتفهم؛ الرجال المرتبكون بلا أخبار بسبب انقطاع الشبكة المتكرر، تنهيداتهم الطويلة؛ بكاء الجدات؛ ودعاء امرأة عجوز: “يا يارب، نرجع على غزة”.

مقالات ذات صلة

تنتج خيامنا كل يوم ألف سؤال ثقيل. لقد تُرِكنا بدون إجابات. لم تستطع خيامنا حمايتنا من حرارة شمس الصيف، والآن بدون سخانات أو بطانيات أو ملابس دافئة، ما الذي يحمينا من هطول الأمطار وبرودة الشتاء؟

أتذكر ليلتنا الأولى في معسكر النزوح الشتاء الماضي. كانت قريبة من التجمد. كنا، إلى جانب 5000 شخص آخر في المخيم، متجمعين في خيامنا، بدون تدفئة أو ملابس دافئة أو بطانيات، في محاولة لتجاوز تلك الليلة التي تقشعر لها الأبدان. بدأت الغيوم تظهر في السماء وبدأت تمطر. أصبحت غارقة ولم أستطع التوقف عن البكاء. همست لنفسي عندما بكيت: “ليش بتمطر عليا؟ الشتاء هو فصلي المفضل. لا أطيق الانتظار حتى يأتي”. ثم شعرت بكتلة في حلقي كما كنت أتذكر الشتاء الماضي.

تذكرت أنني كنت أفكر في مطر الشتاء وحركة الأشجار من نافذة في منزلنا. تذكرت كيف أحببت المشي تحت المطر، والجلوس على الشاطئ بينما كان النسيم البارد يُداعب وجهي. تذكرت كيف أحببت الشتاء وانتظرته بفارغ الصبر.

في ذلك الوقت، لم أكن أعرف أن معطفي الثقيل الحقيقي كان منزلي. كنت أرغب في العودة إلى هناك والهروب إلى براري النسيان. في العام الماضي، في الليلة الأولى من الشتاء، كان الجو بارداً جداً لدرجة أنه لم يستطع أحد من عائلتي النوم. جلست مراراً على العتبات، تحت مزاريب المطر، التي أظنها جمعت كل دموع الرجال الحبيسة. حاولت التحايل على القلب المفطور، شربت الشاي مع جدتي على باب الخيمة. لم أحاول التنقيب عن ابتسامة. نظرت للمطر الذي بدا لئيماً قاسياً مثل شظايا القذائف. نظرت إلى وجوه الصغار، إلى الأيادي المرتعشة، ولم أرَ في وجوه جميع المارة إلا العجز وقلة الحيلة والدموع الخفية وظلم الرجال وضعف النساء والمستقبل المجهول.

كان بودي أن أمشي صارخة بين الجموع قائلة: “رحماك يا رب السماء”. هل سيتمكن هذا الشعب من الصمود أمام ما يحدث لهم؟! واجه شعبنا قصف العدو، لكن لا يمكننا مواجهة الشتاء في الخيام مرة أخرى.

نحن لسنا مستعدين لتفشي الأمراض بين الأطفال ولسنا مستعدين للأمراض التي ستنتشر بين البالغين بسبب سوء التغذية وضعف جهاز المناعة لدينا. هنا في مخيمات النزوح، أخشى أن من بيننا من لا يموت بسبب الحرب سيموت بسبب المرض. الجميع متعب. لا توجد هنا حياة.

غزة تموت بالبطيء. عندما تجولت في معسكري مؤخراً، رأيت عيون الكبار وحتى الصغار تقول دعاء: “يارب مَ تشتي”. سألت نفسي: “إلى متى سنكون هكذا مجبرين على العيش في خيام بدلاً من المنازل التي اعتقدنا أنها تحمينا من كل شيء؟”

عندما عاد عقلي إلى الحاضر، وجدت نفسي جالسة في خضم الحرب، على أمل ألا يأتي الشتاء هذا العام؛ على أمل ألا تمطر.

في فصل الشتاء القادم، كم عدد الأمهات اللاتي سيبكين من أجل أطفالهن؟ كم عدد الأطفال الذين سيبكون من أجل والديهم؟ ومن استشهد آباؤهم، فمن يعولهم ويعتني بهم في هذا البرد القارس؟ الآباء والأمهات الذين مات أطفالهم يعانقون ملابسهم ويبكون في حزن.

لم يبدأ فصل الشتاء بعد، لكن الأمطار الغزيرة غمرت خيامنا قبل ساعات قليلة، مما أدى إلى تدمير ما لدينا، وأعادت إلينا مخاوف الغرق والبرد، خاصة مع تهالك الخيام التي تغرق، والقطع الكبيرة من النايلون المهترئة من حرارة الصيف، ونقص الأغطية الشتوية والملابس الدافئة.

عاد الشتاء ولم تنتهِ الحرب يا عزيزي، ولم ينتهِ القهر والألم. أصبحت الأمطار مغمسة بدماء الشهداء والجرحى، مغمسة بصرخات أمهاتٍ مكلومات وأطفال خائفين وشيوخ مقهورين.

كان الشتاء هو فصلي المفضل، أما الآن فأخشى عودته.

زر الذهاب إلى الأعلى