خاص اليمامة.. “أحتاجُ ذاكرةً من حديد” قصائد للشاعر سميح محسن

أحتاجُ ذاكرةً من حديد
شعر: سميح محسن/ فلسطين
(1)
سأحتاجُ ذاكرةً من حديد،
لأجمعَ بعضَ التفاصيلِ عن أصدقاءٍ
سهرنا على شاطئِ البحرِ ليلاً طويلاً،
ضحكنا كثيراً،
حلمنا على صوتِ نايٍّ،
ونحنُ نُعِدُّ النّجومَ
بأنْ تخطئَ الطائراتُ النّساءَ اللواتي يراقبنَ أطفالهنّ
يعودونَ من غير سوء…
(2)
سأحتاجُ قلباً تماهى مع الصّخرِ
حتّى أحدّقَ في صورةِ امرأةٍ
أنهكتها الدّموعُ على طفلِها،
كنتُ ذاتَ مساءٍ مضى قد رأيتُ السّماءَ
تجلّت قناديلَ ضوءٍ
بعينينِ ترتجفانِ
وهي تُعِدُّ العشاءَ،
وكانَ الأخيرَ،
من الخبزِ والشّاي
لِتُسْكِتَ جوعَه…
(3)
سأحتاجُ وقتاً طويلاً
لأكتبَ بيتاً وحيداً من الشِّعرِ
في امرأةٍ رمقتني بطرفةٍ عينٍ،
ومرّت سريعاً على طرفِ الرّيحِ،
لكنّها لم تزلْ في المنامِ يراودني طيفُها،
كنتُ أرقبُ خطواتِها فوقَ رملٍ
محا الماءُ آثارَ أقدامِها،
تهتُ،
أين هي الآنَ ؟
ماذا سأكتبُ عنها ؟
أغيّبها الموتُ ؟
أم أنّها بانتظارِ السّماءِ
لِتُبْعِدَ عنها المنية ؟
(4)
سأحتاجُ عمراً جديداً،
أرمّمُ روحي،
ألملمُ بعضَ شظايا الزّجاجِ لأرتقَ فيها المرايا،
أعيدُ إليها الوجوهَ،
وأرسمُ وجهي…
(5)
سنحتاجُ حقلاً من القطنِ،
أوسعَ من بَسطةِ الأرضِ،
حجمِ السّماوات،
نصنعُ منها قماشَ الحريرِ،
نُكفّنُ فيه الشهيدَ،
وراءَ الشهيدِ،
وهم يصعدونَ قوافلَ نحوَ السّماءِ التي تفتحُ الآنَ نافذةَ الموتِ
فوقَ فضاءاتِ غزّة…
(6)
سأحتاجُ طرفةَ عينٍ فقط،
لأنجو من الموتِ إنْ
لم تباغتْ سمائي القذيفة…
ذاكرة
إلى فايز السرساوي… فنانٌ تشكيلي فلسطيني يرسم تحت النّار
(1)
ماذا تقولُ لكَ الجثامينُ التي انتظرتكَ أسبوعاً لتأتي،
تحتمي بالموتِ
كانت من جحيمِ القصفِ
تبحَثُ عن أنيسٍ يطردُ الغيلانَ من عتمٍ مفاجئ،
عن جدارٍ كي تُخَبّئَ ظِلّها
من عينِ قنّاصٍ تربّصَ بالمكانِ
ليفقأَ العينَ التي حَفظَتْ تفاصيلَ الجريمةِ في الشّجاعية…
تُرى،
ماذا يقولُ الطفلُ حينَ رآكَ
هلْ كانت يداهُ طليقتينِ تعانقانِ الرّيحَ
أم سقطتْ يدٌ كانت تلاحقُ أمّهُ
وتشبّثت أخرى بعصفورٍ
وألعابٍ ليحميها من البركانِ
حين اشتدّ عصفُ الموتِ
هل تكفي دفاترُه التي اختلطتْ بسيّلِ الدّمٍ
حتّى نستدّلَ على ملامِحهِ التي غابتْ،
رسالتِهِ الأخيرةِ
لا وصايا للصّغارِ سوى الحفاظِ على منازلِهم،
لكي يأووا إليها كلّما حلّ الظّلام…
(2)
سَيبدو بحرُ غزةَ صامتاً هذا الصباح،
لا تُقْلقوا هذا الجلالَ
دعوه يُحصي
كم من الأطفالِ غابوا عن شواطئِهِ
وكيفَ سينجلي هذا الغبارُ عن المنازلِ
يخرجُ الشهداءُ محمولينَ في قصصِ البطولةِ
كيفَ تغسلُ غيمةٌ عُجِنَتْ بدمعةِ طفلةٍ وجعَ الغياب،
وتُنْطِقُ أمّها في صورةٍ بقيت مُعلّقةً على الحيطان…
سَيبدو بحرُ غزةَ صامتاً هذا الصباحِ
دعوه يكتبُ سيرةً أخرى
ويرسمُ لوحةً للحربِ من رملٍ
تشبّعَ بالدم النبويّ
دعوه يعيد رسمَ ملامح المشهد…
(3)
لَها الآنَ أن تستريحَ قليلاً على الرّملِ
تُرخي ضفائرَها للهواءِ النقيّ
وتغفو كسيدةٍ أربكتنا براعتُها في مراوغَةِ الموتِ
تغسلُ عن جَسَدٍ مُتْعَبٍ
طَبَقاتِ الدُخانِ التي كوّمتها الصواريخُ فوقَ المدينة…
دعوها تُرتِّلُ آياتِها في انتصافِ النّهارِ
وترقُصُ في ثوبِها السّاحلي
على صَخَبِ الموج
تمسَحُ عن وجهِ أطفالِها رعشةَ الخوفِ في الحربِ
تبكي على نخلةٍ سَقَطتْ فوقَ قاربِ صيد…
تُفَتِّشُ في الرّملِ عن قَدَمٍ سقطَتْ ذاتَ قصفٍ
تعيدُ إليها جلالَ الشهادة …
دعوها تنسّقُ وردَ الحديقةِ
حينَ يعودُ المقاتلُ يهدي حبيبَتَهُ باقةً من حنين…
دعوها تعيدُ إلى نَفْسِها ذاتَها
وأنصتوا
اصمتوا أيّها المارقونَ على جرحِها…
لنا مَنْ ؟!
مِنَ الموتِ نهربُ للموتِ،
نبحثُ عن فُسحَةٍ للحياة…
“تضيقُ بنا الأرضُ”
تُغمِضُ عنّا السماءُ نوافذَها
والصّواريخُ تصطادُ أطفالَ غزّةَ
تصبغُ ساحلَها بالدمِ الأرجوانيّ،
لنا مَنْ ؟!
وراءَ ارتعاشِ البناياتِ يختبئُ الطّفلُ
يسألُ
والطّائراتُ تجوبُ الفضاءاتِ
بينَ السمواتِ
والأرضِ
تقصفُ أرواحَنا
مَنْ لنا ؟!
يسألُ الطّفلُ تحتَ الرّكامِ
وينهضُ كي يهزمَ الموت …
كعاداتِنا،
سوفَ نقهرُ سرباً من الطائراتِ يغطّي سماءَ المدينة،
سنذهبُ للبحرِ هذا المساء،
لِنُؤنِسَ سربَ النوارسِ
نُكمِلُ بيتاً من الرّملِ
خطّ الصبيُّ الشهيدُ مداميكَه في خيالٍ بريء،
ونحرسُ أحلامَ عائلةٍ
مزّقتها القذائفُ قبل اكتمالِ أحاديثِها
عن شراءِ ملابس عيدٍ لأطفالِها
نمسحُ دمعاً يسيلُ على خدّ نرجسةٍ
غابَ عنها حبيبانِ في رحلةٍ أبدية…