مؤتمر فتح الثامن: حين يصبح الأمل مسؤولية وطنية

مؤتمر فتح الثامن: حين يصبح الأمل مسؤولية وطنية
بقلم: د. ميس عودة – باحثة أكاديمية في جامعة الاستقلال
في اللحظات الوطنية الدقيقة، لا تعود المؤتمرات التنظيمية مجرد محطات داخلية، لكنها تتحول إلى مساحة لاستحضار التاريخ، وتجديد العهد، وقراءة المرحلة بعين أكثر وعيا ومسؤولية. ومن هذا المنطلق، يأتي مؤتمر فتح الثامن في ظرف فلسطيني استثنائي، تتداخل فيه آثار الحرب، وضيق الواقع الاقتصادي، وتعقيدات المشهد السياسي، وحاجة الناس إلى ما يعيد لهم شيئا من الطمأنينة والثقة بالمستقبل.
إن هذا المؤتمر لا يأتي في زمن عادي، بل في مرحلة يشتد فيها الألم الفلسطيني، وتكبر فيها الحاجة إلى فعل وطني جامع، قادر على التقاط نبض الشارع، والاقتراب من هموم الناس، وتقديم رسالة تؤكد أن الحركة التي ارتبط اسمها بالتاريخ الوطني الفلسطيني ما زالت قادرة على التجدد، وعلى حمل مسؤولياتها بروح تليق بحجم المرحلة.
وحين نتحدث عن حركة فتح، فإننا لا نتحدث عن تنظيم سياسي فحسب، بل عن تاريخ عريق، وذاكرة وطنية ممتدة، وتجربة ارتبطت في وجدان الفلسطينيين بالبدايات الكبرى، وبمعاني التضحية، وبحلم الحرية والاستقلال. ففتح لم تكن يوما اسما عابرا في الحياة السياسية الفلسطينية، بل ظلت حاضرة بوصفها جزءا من الوعي الوطني، ومن الحكاية الفلسطينية التي تشكلت عبر النضال والصبر والإيمان بعدالة القضية.
ومن هنا، يكتسب مؤتمر فتح الثامن أهميته الخاصة؛ إذ قلما يحظى مؤتمر لأي تنظيم فلسطيني بمثل هذه الحاضنة الشعبية والرمزية الوطنية التي تحيط بمؤتمر فتح. فحضور الحركة في الذاكرة الجمعية يجعل كل محطة من محطاتها موضع اهتمام واسع، لا من أبناء الحركة وحدهم، بل من قطاعات واسعة ترى في قوة فتح وتجددها رافعة مهمة من روافع المشروع الوطني الفلسطيني.
قد تتعدد الآراء حول أي محطة تنظيمية كبرى، وقد تختلف التقديرات بشأن توقيتها أو ظروفها، وهذا أمر طبيعي في حياة الحركات الواسعة. غير أن ما ينبغي التأكيد عليه أن الاختلاف لا يجب أن يحجب قيمة أي خطوة وطنية تحمل إمكانية التطوير والبناء. فالمسؤولية في هذه المرحلة تقتضي أن ننظر إلى المؤتمر باعتباره فرصة لتجديد الحيوية، وتعزيز الحضور، وتوسيع المشاركة، وترسيخ روح العمل الجماعي داخل الحركة.
إن الانتماء الصادق لا يعني الصمت، ولا يعني الخصومة، بل يعني الحرص. ومن موقع المحبة والوفاء، يصبح الأمل في هذا المؤتمر أملا مسؤولا لا عاطفة، فالمحب لحركته يريد لها أن تظل قوية، قريبة من الناس، وفية لتاريخها، وقادرة على مواكبة متطلبات الحاضر. وهذا لا يتحقق إلا برؤية واضحة، ومخرجات عملية، وخطاب وطني جامع يعلي من قيمة الوحدة، ويبتعد عن كل ما يضعف الثقة أو يشتت الجهد.
ولعل ما ينتظره الناس من المؤتمر لا يقف عند حدود العناوين العامة، بل يمتد إلى أثر ملموس يعزز صمودهم، ويؤكد أن الإنسان الفلسطيني حاضر في قلب الاهتمام. فالمرحلة تحتاج إلى خطوات مسؤولة تلامس الواقع، وتفتح الطريق أمام مزيد من التنظيم، والتطوير، وتمكين الكفاءات، وإبراز الطاقات القادرة على خدمة الحركة والوطن في آن واحد.
إن الفلسطيني اليوم لا يحتاج إلى من يشرح له حجم الوجع، فهو يعيشه في تفاصيل حياته اليومية، في قلقه على أبنائه، وفي ضيق معيشته، وفي خوفه من اتساع المجهول. لذلك، فإن قيمة المؤتمر ستقاس بقدرته على بث الطمأنينة، وتعزيز الثقة، وتأكيد أن العمل الوطني ما زال قادرا على صناعة المعنى، لا الاكتفاء بوصف المعاناة.
وفي هذه اللحظة، تبدو الحاجة ملحة إلى خطاب فتحاوي وطني يجمع ولا يفرق، يطمئن ولا يستفز، يفتح باب المشاركة ولا يغلقه، ويؤكد أن الحركة بتاريخها ومسؤوليتها تستطيع أن تكون مساحة للأمل والعمل معا. فالمؤتمر الناجح هو الذي يخرج من حدود المناسبة التنظيمية إلى أفق أوسع، يجعل منه محطة لاستنهاض الهمم، وترتيب الأولويات، وتأكيد مركزية القضية الفلسطينية في كل تفكير وطني.
وانطلاقا من انتمائي الصادق لحركة فتح، واعتزازي بتاريخها الوطني العريق، أكتب بروح الوفاء والمسؤولية، ففتح بالنسبة إلى أبنائها ليست مجرد إطار تنظيمي، بل بيت وطني، وذاكرة كفاح، ومساحة أمل ما زالت حاضرة في وجدان الفلسطينيين. ولهذا، فإن التطلع إلى مؤتمر ناجح هو تعبير عن حرص عميق على الحركة، وإيمان بقدرتها على تجديد حضورها، وصون وحدتها، وتعزيز صلتها بجماهيرها.
إن الأمل المعقود على مؤتمر فتح الثامن ليس أملا مجردا، بل هو انتظار وطني واع لمخرجات تليق باسم الحركة وتاريخها. مخرجات تحفظ وحدة الصف، وتعزز الثقة، وتفتح المجال أمام رؤية أكثر وضوحا للمرحلة المقبلة. فحين تكون الحركة بهذا الحجم من الحضور، فإن كل خطوة تخطوها تصبح ذات أثر يتجاوز حدودها التنظيمية إلى الفضاء الوطني العام.
كل التوفيق لمؤتمر فتح الثامن، والآمال معقودة عليه في أن يكون محطة وطنية مسؤولة، تحمل أمانة التاريخ، وتستشرف ملامح المستقبل برؤية أكثر وضوحا وثباتا. فالمرحلة لا تحتاج إلى أمنيات عابرة، بل إلى إرادة صادقة، ومخرجات واعية، وخطوات عملية تلامس وجع الفلسطينيين، وتحفظ لفتح مكانتها وتاريخها العريق، وتعزز حضورها بوصفها رافعة من روافع المشروع الوطني. إن هذا المؤتمر أمانة في أعناق أبنائه، وفرصة لتجديد العهد مع فلسطين، وصياغة رؤية مستقبلية تعيد للثقة معناها، وللأمل حضوره، وللوطن قدرته على النهوض رغم قسوة الطريق.


